بعد أوباما وترامب.. بايدن شأن آخر

 عبد الناصر الحسين

ينتظر السوريون، كما ينتظر معظم العالم ما ستكون عليه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي المنتخب «جوزيف بايدن»، لكن انتظار السوريين مختلف عن انتظار غيرهم، فقد تعودوا على خذلان المجتمع الدولي لقضيتهم، وتحديداً أمريكا. أوباما 

لم يكن الشعب السوري محظوظاً بالسلطة الأسدية التي تسلطت على رقابه لنصف قرن من الزمن، ولم يكن محظوظاً بالجهات التي استدعاها نظام الأسد لدعمه ومنع سقوطه، ولم يكن محظوظاً بالمعارضة السياسية التي أدارت الملف الثوري على مبدأ انتهاز الفرص للتكسب والتمنصب، ولم يكن محظوظاً برئيسين أمريكيين لم يمنعا أكبر ملحمة في تاريخ الشعوب من الوقوع فوق رؤوس الشعب السوري الذي طالب بحريته وكرامته بمنتهى السلمية والتحضُّر، قبل أن تتدخل شياطين السياسة لاختطاف آمالهم واغتيال أحلامهم.

كيف أدار أوباما الملف السوري؟

بعد استجماع ما حضر من وثائق ومعلومات حول الطريقة التي أدار بها الرئيس الأمريكي الديمقراطي «باراك أوباما» الملف السوري، تبيَّن أنّ الرجل اتخذ من «سوريا» بيئة سياسية صالحة لتصفية حسابات قديمة مع أطراف عدة في العالم، أهمها: (تنظيم القاعدة، وروسيا، وإيران، وتركيا، ونظام الأسد نفسه).. فكان الشعب السوري في آخر الحسابات الأمريكية وربما خارج الحسابات.

فقد أظهرت «إيميلات هيلاري كلينتون» المفرج عنها، مؤخراً، تلك «التوليفة» العجيبة التي اشتغل عليها «أوباما»، حيث دعم التمدّد الإيراني، والتغوَّل الداعشي، والتآمر الإخواني، لتكون سوريا ساحة حرب دامية جاذبة لأطراف تريد لها «أمريكا الأوباميَّة» الغرق في المستنقع السوري، لكن تلك اللعبة طالت وكان «حكم المباراة» يتعمَّد تمديدها كلما تخامدت عزيمة أطرافها.

كيف أدار ترامب الملف السوري؟

لكن عهد الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته «دونالد ترامب»، كان مختلفاً كثيراً عن عهد سابقه في التعامل مع القوى الفاعلة في الشأن السوري، فقد كان مناوئاً للوجود الإيراني في سوريا، وفي العراق كذلك، مقترباً من الرغبة الإسرائيلية والأخرى الخليجية، وتحديداً «السعودية»، مركزاً على هزيمة «تنظيم داعش»، لكنّه في الوقت ذاته كان متماشياً -إلى حدّ بعيد- مع السياسة الروسية والأخرى التركية، فتنازل لروسيا عن «جنوب سوريا» وتنازل لتركيا عن «شمال سوريا»، وبدا وكأنّه يبيع حلفاء أمريكا في الداخل السوري، حين باعت فصائل الثورة للروس، وباعت «قوات سوريا الديمقراطية» لتركيا.

وفي عهد ترامب، تم إقرار قانون قيصر في نهاية 2019، مما تسبب بإضعاف القدرة القتالية لنظام الأسد، وحشره في زاوية ضيقة، وقد تتسبب موجات جديدة من العقوبات لاندلاع تمرّد شعبي في حاضنة النظام، كما عملت إدارة ترامب على تكثيف الضربات الجوية ضد الميليشيات الإيرانية، وبشكل متصاعد، وكان من ضمنها اغتيال قائد فيلق القدس «قاسم سليماني» مطلع عام 2020.

وبمقارنة بسيطة بين سياستي الإدارتين الأمريكيتين، نستنتج أنّ من كان أوباما يدلِّلهم جاء ترامب ليخاشنهم، ومن خاشنتهم سياسة أوباما جاءت سياسة ترامب تسايرهم، باستثناء جهة لا يلتفت إليها كثير من المراقبين، استفادت من العهدين، وهي «الإخوان المسلمون»، الذين استفادوا من «خطة أوباما» الداعمة للإخوان ومن «خطة ترامب» المتساهلة مع تركيا المحتضنة للإخوان.

ماذا عن «جوزيف بايدن»؟

المقطوع به هو أنّ سياسة الوافد الجديد إلى «البيت الأبيض» لن تكون مشابهة في معظم توجهاته لسياسات خلفه ترامب، ولا أدل على ذلك من الصراع المحتدم الذي ظهر في الانتخابات الأخيرة، صراع قد لا ينتهي في المنظور القريب، وربما بقيت آثاره لسنوات قادمة.

فقد ذكرت وسائل الإعلام الأمريكية أنّ بايدن سيصدر -بمجرد دخوله البيت الأبيض- جملة من المراسيم الرئاسية، ينأى بها تماماً عن سياسات سلفه، ترامب، من بينها: إعادة «الولايات المتحدة» إلى «اتفاق باريس للتغير المناخي»، وإلغاء حظر الدخول المفروض على القادمين إلى «الولايات المتحدة» من أغلب «الدول الإسلامية»، وفرض «ارتداء الكمامة» في المباني الحكومية، وإجراءات أخرى مماثلة.

أما في الشأن السوري، فيبدو واضحاً الاختلاف بين بايدن وترامب لجهة التعامل مع روسيا وتركيا وإيران، فبايدن لن يكون متساهلاً مع «مثلث أستانة» في سوريا وإن كان متساهلاً مع إيران في ملفات أخرى، أبرزها «الملف النووي». وسينعكس هذا على مستوى الدّعم المقدّم لقوات سوريا الديمقراطية، وربما للمعارضة السورية المتوقع أن تخلع «ثوب الإخوان المسلمين»، والتشكيلات الراديكالية الأخرى.

المؤشرات الأولى لتوجّه بايدن في المعترك السوري توحي بانعطافة عن فريق ترامب في الشكل والمضمون، وأول هذه المؤشرات عودة الدبلوماسي والمسؤول السابق في وزارة الدفاع «برت ماغورك» إلى «البيت الأبيض»، ومعلوم أنّ «ماغورك» هو الذي استقال من إدارة ترامب في ديسمبر 2018 بعد اتصال الرئيس برجب طيب إردوغان وإتمام صفقة الانسحاب من الشمال.

مصادر غربية تقول اليوم: “إنّ ماغورك الذي كان حاضراً في كل اجتماعات بايدن بشأن سوريا، وقدّم ثلاث إفادات للرئيس المنتخب حول تطورات الحرب السورية، سيعود له القرار الأول بعد بايدن في شكل السياسة الأميركية المرتقبة هناك، وأبرز ملامحها تقوية موقع الأكراد و«قوات سورية الديمقراطية» في الشمال، والعودة إلى ما قبل مرحلة انسحاب ترامب في 2019″، وسيركز ماغورك على تقوية «نفوذ واشنطن» ومنع «عودة داعش»، ومحاربة إيران في سوريا.

صحيح أنّ سياسة بايدن ستكون معاكسة لساسة ترامب، لكنّها لن تكون كذلك امتداداً لسياسة أوباما الديمقراطي الذي دعم حملته الانتخابية، فالأربع سنوات الماضية كانت كافية لحدوث تغيرات جذرية في اتجاهات متعددة، وهذا يعني أيضاً أنّ إدارة الملف السوري ستكون من «البيت الأبيض»، لا من الخارجية، وهو أمر معهود عند الديمقراطيين. أوباما 

  عبد الناصر الحسين

ليفانت –  عبد الناصر الحسين

ينتظر السوريون، كما ينتظر معظم العالم ما ستكون عليه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي المنتخب «جوزيف بايدن»، لكن انتظار السوريين مختلف عن انتظار غيرهم، فقد تعودوا على خذلان المجتمع الدولي لقضيتهم، وتحديداً أمريكا. أوباما 

لم يكن الشعب السوري محظوظاً بالسلطة الأسدية التي تسلطت على رقابه لنصف قرن من الزمن، ولم يكن محظوظاً بالجهات التي استدعاها نظام الأسد لدعمه ومنع سقوطه، ولم يكن محظوظاً بالمعارضة السياسية التي أدارت الملف الثوري على مبدأ انتهاز الفرص للتكسب والتمنصب، ولم يكن محظوظاً برئيسين أمريكيين لم يمنعا أكبر ملحمة في تاريخ الشعوب من الوقوع فوق رؤوس الشعب السوري الذي طالب بحريته وكرامته بمنتهى السلمية والتحضُّر، قبل أن تتدخل شياطين السياسة لاختطاف آمالهم واغتيال أحلامهم.

كيف أدار أوباما الملف السوري؟

بعد استجماع ما حضر من وثائق ومعلومات حول الطريقة التي أدار بها الرئيس الأمريكي الديمقراطي «باراك أوباما» الملف السوري، تبيَّن أنّ الرجل اتخذ من «سوريا» بيئة سياسية صالحة لتصفية حسابات قديمة مع أطراف عدة في العالم، أهمها: (تنظيم القاعدة، وروسيا، وإيران، وتركيا، ونظام الأسد نفسه).. فكان الشعب السوري في آخر الحسابات الأمريكية وربما خارج الحسابات.

فقد أظهرت «إيميلات هيلاري كلينتون» المفرج عنها، مؤخراً، تلك «التوليفة» العجيبة التي اشتغل عليها «أوباما»، حيث دعم التمدّد الإيراني، والتغوَّل الداعشي، والتآمر الإخواني، لتكون سوريا ساحة حرب دامية جاذبة لأطراف تريد لها «أمريكا الأوباميَّة» الغرق في المستنقع السوري، لكن تلك اللعبة طالت وكان «حكم المباراة» يتعمَّد تمديدها كلما تخامدت عزيمة أطرافها.

كيف أدار ترامب الملف السوري؟

لكن عهد الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته «دونالد ترامب»، كان مختلفاً كثيراً عن عهد سابقه في التعامل مع القوى الفاعلة في الشأن السوري، فقد كان مناوئاً للوجود الإيراني في سوريا، وفي العراق كذلك، مقترباً من الرغبة الإسرائيلية والأخرى الخليجية، وتحديداً «السعودية»، مركزاً على هزيمة «تنظيم داعش»، لكنّه في الوقت ذاته كان متماشياً -إلى حدّ بعيد- مع السياسة الروسية والأخرى التركية، فتنازل لروسيا عن «جنوب سوريا» وتنازل لتركيا عن «شمال سوريا»، وبدا وكأنّه يبيع حلفاء أمريكا في الداخل السوري، حين باعت فصائل الثورة للروس، وباعت «قوات سوريا الديمقراطية» لتركيا.

وفي عهد ترامب، تم إقرار قانون قيصر في نهاية 2019، مما تسبب بإضعاف القدرة القتالية لنظام الأسد، وحشره في زاوية ضيقة، وقد تتسبب موجات جديدة من العقوبات لاندلاع تمرّد شعبي في حاضنة النظام، كما عملت إدارة ترامب على تكثيف الضربات الجوية ضد الميليشيات الإيرانية، وبشكل متصاعد، وكان من ضمنها اغتيال قائد فيلق القدس «قاسم سليماني» مطلع عام 2020.

وبمقارنة بسيطة بين سياستي الإدارتين الأمريكيتين، نستنتج أنّ من كان أوباما يدلِّلهم جاء ترامب ليخاشنهم، ومن خاشنتهم سياسة أوباما جاءت سياسة ترامب تسايرهم، باستثناء جهة لا يلتفت إليها كثير من المراقبين، استفادت من العهدين، وهي «الإخوان المسلمون»، الذين استفادوا من «خطة أوباما» الداعمة للإخوان ومن «خطة ترامب» المتساهلة مع تركيا المحتضنة للإخوان.

ماذا عن «جوزيف بايدن»؟

المقطوع به هو أنّ سياسة الوافد الجديد إلى «البيت الأبيض» لن تكون مشابهة في معظم توجهاته لسياسات خلفه ترامب، ولا أدل على ذلك من الصراع المحتدم الذي ظهر في الانتخابات الأخيرة، صراع قد لا ينتهي في المنظور القريب، وربما بقيت آثاره لسنوات قادمة.

فقد ذكرت وسائل الإعلام الأمريكية أنّ بايدن سيصدر -بمجرد دخوله البيت الأبيض- جملة من المراسيم الرئاسية، ينأى بها تماماً عن سياسات سلفه، ترامب، من بينها: إعادة «الولايات المتحدة» إلى «اتفاق باريس للتغير المناخي»، وإلغاء حظر الدخول المفروض على القادمين إلى «الولايات المتحدة» من أغلب «الدول الإسلامية»، وفرض «ارتداء الكمامة» في المباني الحكومية، وإجراءات أخرى مماثلة.

أما في الشأن السوري، فيبدو واضحاً الاختلاف بين بايدن وترامب لجهة التعامل مع روسيا وتركيا وإيران، فبايدن لن يكون متساهلاً مع «مثلث أستانة» في سوريا وإن كان متساهلاً مع إيران في ملفات أخرى، أبرزها «الملف النووي». وسينعكس هذا على مستوى الدّعم المقدّم لقوات سوريا الديمقراطية، وربما للمعارضة السورية المتوقع أن تخلع «ثوب الإخوان المسلمين»، والتشكيلات الراديكالية الأخرى.

المؤشرات الأولى لتوجّه بايدن في المعترك السوري توحي بانعطافة عن فريق ترامب في الشكل والمضمون، وأول هذه المؤشرات عودة الدبلوماسي والمسؤول السابق في وزارة الدفاع «برت ماغورك» إلى «البيت الأبيض»، ومعلوم أنّ «ماغورك» هو الذي استقال من إدارة ترامب في ديسمبر 2018 بعد اتصال الرئيس برجب طيب إردوغان وإتمام صفقة الانسحاب من الشمال.

مصادر غربية تقول اليوم: “إنّ ماغورك الذي كان حاضراً في كل اجتماعات بايدن بشأن سوريا، وقدّم ثلاث إفادات للرئيس المنتخب حول تطورات الحرب السورية، سيعود له القرار الأول بعد بايدن في شكل السياسة الأميركية المرتقبة هناك، وأبرز ملامحها تقوية موقع الأكراد و«قوات سورية الديمقراطية» في الشمال، والعودة إلى ما قبل مرحلة انسحاب ترامب في 2019″، وسيركز ماغورك على تقوية «نفوذ واشنطن» ومنع «عودة داعش»، ومحاربة إيران في سوريا.

صحيح أنّ سياسة بايدن ستكون معاكسة لساسة ترامب، لكنّها لن تكون كذلك امتداداً لسياسة أوباما الديمقراطي الذي دعم حملته الانتخابية، فالأربع سنوات الماضية كانت كافية لحدوث تغيرات جذرية في اتجاهات متعددة، وهذا يعني أيضاً أنّ إدارة الملف السوري ستكون من «البيت الأبيض»، لا من الخارجية، وهو أمر معهود عند الديمقراطيين. أوباما 

  عبد الناصر الحسين

ليفانت –  عبد الناصر الحسين

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit