الحياة في المناطق “المحررة”

عمار ديوب
عمار ديوب

اغتيالٌ فاشلٌ لمراسل تلفزيون سوريا بهاء الحلبي، في الأيام الأخيرة، قبله اغتيالات صائبة، وهناك اعتقالات تعسفيّة للإعلاميين، معتقلاتٌ وسجونٌ شبيهة بما لدى النظام لدى هيئة تحرير الشام، ولمن؟ للثوار الأوائل أو لأفراد الجيش الحر.

فوضى واقتتال مستمر وقتلى في المناطق المسماة “محرّرة”، ولن نتكلم عن الفقر الشديد، إذا القتل يتمّ للمخالفين إعلامياً، فكيف حال المخالفين سياسياً، إن وجدوا؟ لا سياسة في المناطق المحرّرة، ولا حرياتٍ أوّليّة، كل شيء خاضعٌ للمراقبة الشديدة من قبل قوى الأمر الواقع، وهذا حال مناطق النظام، بما فيها مناطق قسد، استنتاجٌ أوليٌّ: الناس تَكفُر بتلك القوى كما بالنظام، ولكنه الكفر الداخلي؛ فالإجهار عاقبته الموت، وأقلّه الاعتقال، والمحظوظون لهم التهجير والطرد.

إذاً، الذي يسيطر على المناطق المحرّرة، هي قوى استبدادية، ولا علاقة لها بحقوق الناس، هي قوى تبني سلطات هشّة، وكما حال النظام هي، أي هي خاضعة إمّا لتركيا أو لأمريكا، وكذلك النظام خاضعٌ لروسيا أو إيران. السوريون يشعرون بأنّه لم يعد لهم وطن، وبالتالي، وبعد عقدٍ من المأساة، وبعد أن هُجّر أو هاجر من هاجر، تشعر البقية بخطأ البقاء في سوريا، لهذا هي مأساة مطلقة وعامة.

أما لماذا ليس من حياة في “المحرّرة”؟ فهذا حديث يبدأ منذ 2011، ولا نعلم متى سينتهي، والجواب عليه، لا يُناقش من زاوية عدم حسم الصراع مع النظام بعدْ أو عدم الانتقال السياسي، وبالتالي الظروف لا تسمح بالحريات. لا، ليست هذه الزاوية السليمة للنقاش، الصحيح أنّ السوريين وجدوا أنفسهم في 2011 أمام استحقاق جديد، وهو الثورة الشعبية، التي نجحت في مصر وتونس وتندلع هنا وهناك، وهم ليسوا بأقل من تلك الشعوب، وظروفهم هي هي، أي كانت ثورةً حتمية. عدا ذلك، كان نظامهم كارثياً لجهة اعتماد خيار سياسي واحد، وهو القمع، وبكل صنوف السلاح، وحينما فشل في المواجهة جاءت إيران وروسيا بكل أسلحتها، ولسوء تقدير المعارضة، الطامحة للسلطة بأبسط السبل، فقد فتحت المجال لكافة من يريد “المؤاجرة” بالنظام، وقتاله، وهذا يعني أنّها افتقدت منذ اللحظات الأولى للثورة إلى رؤية وبرنامج ثوري وسياسي واستراتيجية للثورة ولمستقبلها وكيفية مواجهة المخاطر التي تعترضها، سواء أكان السلاح أو الأسلمة، أو الجهادية الخارجية، أو التدخل الخارجي، أو التمويل الخارجي، وبالطبع لم تُشغل بالها الكتل الشعبية التي لم تنخرط في الثورة أو اصطفت مع النظام. وبالتالي، كان طبيعياً ألا تكون هناك حياة في المناطق المحرّرة؛ حياة أولية وليس فقط سياسية، حيث وكلما كان يشتدّ عود السلطات في “المحرّرة”، كنّا نرى استبدادها، وقتلها، وإجرامها.

هذا حال المناطق الثلاث التي أشرنا إليها، ولكنها حالة كانت تتطوّر تباعاً، ربما نستثني فقط المراحل التي لم يَفرض السلاح نفسه قوة مسيطرة، أي في 2011 و2012، وأمّا بعد ذلك، وبعد إقامة صِلات مع الخارج والأسلمة الشديدة، ولاحقاً الجهادية، فصار الاستبداد والقمع هو شكل السيطرة من ناحية، ونهب خيرات تلك المناطق من ناحية أخرى، والنهب طال كل شيء، البيوت، المعامل، الأرضي، الخيرات الباطنية، الآثار، وهكذا؛ وبالتالي أهل يعقل أن تظلّ هناك حياة في تلك المناطق؟

نعم، تتحمل كل المعارضات مسؤولية أكيدة عن أحوال الناس، وعن مصير الثورة، وبدءاً بالمجلس الوطني وهيئة التنسيق والائتلاف وقسد ومسد، وأمّا، هيئة تحرير الشام فهي قوّة جهادية وهي وكل ما يشببها قوىً معادية للثورة، ولا تمّت لها بصلة. وهي بالمعنى الدقيق أدوات ساعدت النظام في الخلاص من الثورة الشعبية، أي هي إمّا عميلة له، وإما ساعدته بشكل غير مباشر، وكانت الحصيلة ذاتها.

قلت أعلاه، إنّ السبب المركزي لغياب الحياة في المناظق “المحرّرة”، هو غياب استراتيجية ورؤية وبرامج ثورية، وثانياً عدم الثقة بقدرة الشعب على إسقاط النظام، وثالثاً فتح المجال للقوى غير الثورية، أي الإسلامية والسلفية والجهادية، لتكون ضمن المناطق المحررة، وتسيطر عليها لاحقاً. إذاً ما نراه اليوم من غيابٍ للحياة الحقيقية، وليس من إنصافٍ لأيِّ وجهٍ من وجوه الحياة في تلك المناطق، فله أساسٌ قديم.

هناك من يبرر مؤخراً فشل الثورة بانعدام الثقافة المدنية، حيث أعاد الاستبداد الوعي ما قبل الوطني، وبالتالي كان طبيعياً أن تذهب الثورات نحو الاستبداد، وكم من ثورة بنت أنظمة استبدادية، هذا ليس بيت القصيد، بيت القصيد لا يكمن في الشعب، بل فيمن يدير الصراع، هنا المفصل، وليس صحيحاً أنّ غياب الثقافة المدنية، وهذا أحد أشكال الوعي ولا شك، وهو ما فعله الاستبداد بالوعي، أن يقود إلى الاستبداد. لا، إنّ من تابع الثورات الشعبية في 2011، في سوريا واليمن ومصر وتونس، وربما نستثني ليبيا لأسباب تتطلب دراسةً خاصة، سيتذكر أنّ نشاطاتها كانت تتقصد فعلياً إقامة دولة حريات، وديمقراطية وعدالة اجتماعية وإشراك الجميع. طبعاً لا تخلو مظاهرها من بعض الممارسات التنافسية والصراعية، ولكنها أحداثٌ طبيعية في إطار الثورات الشعبية، وبلاد لا حريات فيها، وإن وجدت فهي مقوننة، ووفقاً لإعادة إنتاج النظام القائم، كما حال مصر مثلاً.

القضية في “المحررة” لا تقتصر على إضاءة الحقوق المنتهكة للإعلاميين في سوريا؛ فحقوق جميع الناس في المناطق الثلاث، منتهكة، وبالكامل، وهذا يعني أن لا مستقبل ديموقراطي لسوريا، الآن، وحالما يتم التوصل إلى تسوية بين تركيا وروسيا وأمريكا وإيران وإسرائيل بخصوص مستقبل السوريين؛ أقصد إن شُرعت قوى الأمر تلك.

إذاً لا بد للسوريين من أن يعوا واقعهم، ويعودوا إليه مجدّداً، فليس من مصلحةٍ مستقلة وخاصة لشعب هذه السلطة أو ذاك؛ فالكل متضرر من سلطات الأمر الواقع، ومن الاحتلالات. هذا أمرٌ تراه العين، فهل يعيه العقل بعيداً عن برباغندا هذه السلطات؟ في نهاية المطاف، ورغم التعقيد الذي أصبح عليه الواقع السوري، فليس من مصلحة الشعب السوري أن يبقى مجزَّأ وملحقاً بالخارج، وهذا يعني أن لا حياة ممكنة للسوريين قبل إنجاز وحدتهم السياسية أولاً. هذا خارج تفكير سلطات الأمر الواقع، وهو ضد الاحتلالات حتماً، وطبعاً ليس على طاولة المعارضات، وإلّا لرأيناه خلال السنوات العشر السابقة، وبالتالي لا بد من رؤية واستراتيجية وبرامج ثورية للوضع السوري برمته.

نُحيّي الإعلاميين، ونرفض أيِّ شكلٍ لتقييد تغطياتهم، وكذلك للقوى السياسية، هذا شرطٌ أوليٌّ للبدء بالحياة السياسية، وهو المدخل نحو حياة ممكنة في تلك المناطق.. السوريون يا سادة ما زالوا تحت الاستبداد، فقط انتقلوا من نظام واحدٍ إلى أنظمة متعددة.

ليفانت – عمّار ديّوب