اقتحام الكابيتول.. “كش ملك”

رامي شفيق
رامي شفيق

لم تكن الأحداث الأخيرة التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، بعد اقتحام عدد من مناصري الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، لمبنى الكابيتول، في العاصمة (واشنطن)، سوى لحظة قصوى من الانفلات الذي تسبب فيه خطاب ترامب الشعبوي والتحريضي، ما نجم عنه تعطيل جلسة المصادقة على الرئيس المنتخب، جو بايدن، كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، كما لن تنمحي من ذاكرة الأمريكيين هذه الصورة التي زلزلت تقاليد السياسة الأمريكية، وعملية الانتقال السلمي الديمقراطي للسلطة، وقد شقت مسارات الحشود قاعات الكونغرس، ما أدّى إلى فرار الأعضاء، وكذا نائب الرئيس، مايك بنس.

منذ لحظة انتهاء الانتخابات الأمريكية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وترامب لا ينفك عن التشكيك في الانتخابات الرئاسية، والطعن في نزاهة طريقة الاحتساب القانونية، بينما استمرّ في ذلك، حتى بيانه الأخير الذي نشره عبر حساب مساعده، دان إسكافين، على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، إثر تعطيل حساباته الرسمية في الموقع الأخير. وأشار في هذا البيان:”إنّ هذا يمثل نهاية أعظم ولاية في تاريخ الرئاسة، وأيضاً هي مجرد بداية لقتالنا الرامي لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”.

دفعت الأحداث الرئيس المنتخب ليظهر في خطاب متلفز إلى الأمريكيين، يرفض فيه العنف وما جرى، والاعتداء على الديمقراطية الأمريكية، وفي الوقت ذاته، طالب الأخير الرئيس ترامب ضرورة الخروج عبر شاشات التلفزيون للحديث إلى أنصاره، ومن ثم، ضرورة تحمل مسؤولياته القانونية والدستورية لوقف العنف وهذا الاعتداء. ما اضطر ترامب للخروج في فيديو مصور، دعا أنصاره إلى العودة إلى المنزل، وأن يكون هناك سلام.

كما طلب بايدن من نائب الرئيس المنتهية ولايته إلى ضرورة تفعيل المادة 25 من الدستور لعزل الرئيس، كما دعت رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بيلوسي، إلى إقالة ترامب قبل انتهاء مدته، في العشرين من كانون الثاني (يناير) الجاري، فضلاً عن عدد من الاستقالات الجماعية التي تقدّم بها عدد من معاوني ترامب.

من الصعوبة بمكان النظر إلى أحداث الأسبوع الأول من العام الحالي، بمعزل عن كون ذلك قيمة مضافة للأزمة التي تبدو عليها الولايات المتحدة الأمريكية، سواء في الداخل أو عبر تموضعاتها الاستراتيجية في عديد الأزمات الدولية؛ فضلاً عن كونها ضربة قاصمة للنظام الديمقراطي، بينما تعكس حالة الاستقطاب الحادة صورة مشوشة ومهتزّة عن التقاليد الخاصة بالانتخابات الرئاسية، باعتبارها مرجعية أصيلة. وبينما أفضت الانتخابات الرئاسية إلى فوز بايدن، فقد ظل الأخير يشير طيلة فترة الانتخابات إلى ضرورة وحدة المجتمع الأمريكي، كما انعكس ذلك في طريقة تسميته لفريقه الرئاسي، وقد بدا حرصه على أن يظهر فريقة في صورة تنوع المجتمع الأمريكي.

بيد أنّ ذلك لا يمنع أنّ ترامب قد خسر الانتخابات بعدما حصل على 47 % من الأصوات، بما يعادل 74 مليون صوت، رغم كافة الانتقادات التي صادفت إدارته السياسية في التعامل مع الأزمات المجتمعية الأمريكية، واتهام إدارته كونها مسؤولة بشكل مباشر عن تأجيج الاستقطاب بين قطاعات الشعب.

يقيناً؛ خسر دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية ويتحمل أمام الجميع مسؤولية أحداث اقتحام مبنى الكونغرس، وتحريض المتظاهرين، مما يبرز نزيفاً متدفقاً لنفوذ ومستقبل ترامب السياسي؛ غير أنّ التحدّي الحقيقي الذي تواجهه الإمبراطورية يتمثّل في حتمية العمل على الأنساق المجتمعية المتفاوتة، وكذا ترميم الأوضاع الداخلية ومن ثم، إصلاح الصورة الذهنية لنموذج الدولة الأولى في العالم، جرّاء خدش واقتحام رمزها المقدس.

ليس ثمة شك أنّ فيروس كورونا وتداعياته المختلفة على كافة القطاعات، خاصة الصحية، أثر على وضع ترامب، إذ حصد الفيروس أرواح الملايين، فضلاً عن تداعياته الاقتصادية العنيفة على المواطن الأمريكي، التي فاقمت أوضاعه مستويات البطالة الكبيرة، وانخفاض مستويات الدخل. ومثّل إخفاق ترامب وإدارته في التعامل مع الفيروس، وتدبر الإجراءات الصحية اللازمة، لمواجهة الفيروس التاجي، تحدياً لشعبية ترامب، حيث حلحلت من الكتل المذبذبة، ورجّحت تأييدها لبايدن، والأخير سوف تكون فترته الرئاسية الأكثر دقة وحساسية في صياغة مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية، كقوة رئيسة في العالم، كما أنّ السنوات القادمة ستشهد حضوراً أكثر نفوذاً لقوى دولية أخرى تزاحم هيمنة واشنطن على العالم.

ثمة ارتباط بين تماسك وسلامة الأوضاع الداخلية، والانطلاق نحو تأمين السياسة الخارجية، ومحددات الأمن القومي، خاصة، في ظل تولّي إدارة جديدة حكم الولايات المتحدة، مما يفرض على رجل البيت الأبيض أن يتماهى مع الشأن الداخلي بوضع استراتيجية صحية علمية عاجلة لمواجهة الفيروس، ثم صياغة منظومة اقتصادية تعالج الآثار العنيفة التي يعاني منها المواطن الأمريكي، لا سيما، خلال السنة الأخيرة، وكذلك العمل على تفكيك وضعية الاستقطاب السياسي، الذي ضرب المجتمع الأمريكي، خلال السنوات الأخيرة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

بايدن الذي سيبدأ حكمه، نهاية الشهر الحالي، عليه الاضطلاع بعمل دؤوب في كافة مفاعيل السياسة الأمريكية، سواء المحلية، أو المتصلة بأنساق العلاقات مع المنظمات الدولية، بتواز مستقر. ويضاف إلى ذلك، حتمية تعامل الرئيس المنتخب مع ملفات ملحة، سواء ما يتصل بإيران، أو المرتبطة بأزمات الشرق الأوسط، التي تتموقع فيها روسيا بنفوذ واضح في الأزمة السورية أو الليبية.

الصين التي بدت متهماً رئيساً في نظر الجميع، مطلع العام الماضي، في تفشي فيروس كورونا، استطاعت خلال الشهور الأخيرة أن تنتقل نحو المربع الآمن في عدد الإصابات، بينما وصل لقاحها ضد الفيروس إلى عدد من دول العالم، وقد أبرم الرئيس الصيني، خلال الأسابيع الأخيرة، جملة من الاتفاقيات التجارية مع دول آسيوية، وكذا اتفاقيات استثمارية مع الاتحاد الأوروبي. إذ أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، ورئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، التوصل لاتفاق “مبدئي” للاستثمار المتبادل بين الاتحاد الأوروبي والصين، وقالت كالة أنباء الصين الجديدة الرسمية، إنّ الرئيس الصيني ذكر أنّ الاتفاق “يبرهن على تصميم الصين وجديتها في إتاحة انفتاح واسع النطاق”. ووصف الرئيس الصيني شي جين بينغ أوروبا والصين بأنّهما “أكبر قوتين وسوقين وحضارتين في العالم”.

وصف وزير الخارجية الأمريكي الاتفاق الذي أبرمه الاتحاد الأوروبي مع الصين، بأنه ضعيف ولا يمكن أن يحمي العمال الأوربيين من افتراس الحزب الشيوعي الصيني، بيد أنّ جيك سالفان، الذي اختير في منصب مستشار الأمن القومي الأمريكي، عقد جلسة مشاورات مبكرة مع الحلفاء الأوربيين بخصوص ما وصفه “هواجسنا المشتركة ” حيال الممارسات الاقتصادية للصين.

يأتي ذلك كله في سياق فرض تحديات جديدة على إدارة الرئيس المنتخب الذي يأمل في تطبيع تحالفاته، والتنسيق مع الدول الأوروبية نحو ملف التنافس مع الصين، والعمل على كبح نفوذها المتصاعد، بينما لا تجد أوروبا أي أزمة مع الإدارة الأمريكية جرّاء إبرامها ذلك الاتفاق مع بكين، والأخيرة لا يبدو عليها أنّها مضطرة لتقديم جملة من التنازلات السياسية، في مقابل التوقيع على تلك الاتفاقيات التي تضيف للاقتصاد الصيني الأسرع نمواً دفقة جديدة، على حساب الاقتصاد العالمي، بينما تصارع الدول الكبرى موجات الفيروس وتعاني من تداعياته.

بالطبع يضفي هذا الاتفاق أمراً واقعاً على إدارة بايدن، كما أنّ بكين استطاعت أن تحسم موقعها الاستراتيجي، فيما بين الدول الأوريية والولايات المتحدة خاصة، وهي تفكر في إدارة ملف التنافس مع الصين.

كافة المؤشرات تتسق مع كون الصين تعتمد على اقتصادها المتنامي، باعتباره أداة استراتيجية يمكنها أن تخترق به كافة الحواجز التي تحول بينها وطموحها، في أن تتبوّأ مكانة القوى الدولية الكبرى، رغم كافة القيود التي حاول ترامب أن يفرضها.

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق

مؤسسة إعلامية مستقلة تُبث أخبار يومية على شبكة الانترنت، وصحيفة مطبوعة تصدر من لندن وتوزع في العواصم الأوربية باللغتين العربية والإنكليزية.

THE LEVANT NEWS MEDIA INTERNATIONAL LTD © 2020-20212021