فصل الدين عن الدولة في العلمانية بين السياسة والاعتقاد

رسلان

ليس غريبا أن يشن نشطاء الإسلام السياسي  هجومهم الشرس على العلمانية في محاولة لشيطنتها وتشويه صورتها إلى الحد الأقصى في أذهان الجمهور، والغاية من هذا وإن بدت دينية في الظاهر، فهي جوهرها سياسية بامتياز، والهدف منها هو تحطيم  مشروع الحل العلماني كمنافس للمشروع الحل الإسلامي الذي يتبناه الإسلاميون السياسيون وفق فهم الخاص للإسلام، وهو مشروع حكم يضع السلطة في أيديهم.

وليست العلمانية هي الوحيدة التي تتعرض لمثل هذا الهجوم، فالديمقراطية والاشتراكية والقومية.. بل وحتى الوطنية والدولة المدنية تعرضت أو تتعرض لحملات مشابهة، فبالنسبة للإسلاميين السياسيين كل طرح مختلف عن طرحهم أو مشروع بديل لمشروعهم هو مؤامرة شيطانية عدوانية على الإسلام والأمة الإسلامية، وهم وحدهم الحماة والمدافعين الأوفياء والأشداء عنهما.

من يتابع ما ينشره ناشطو الإسلام السياسي سيجد كما كبيرا من المواد الموجهة للهجوم على العلمانية، ويلتقي بالكثير من العناوين مثل “خبث العلمانية”، “الدولة العلمانية مثال للتعصب الأعمى وكبت الحريات”، “عندما يصبح رفض العلمانية جريمة”، “العلمانية ظلامية فوضوية دموية”، “العلمانية كجهادية دنيوية”، “الإسلام في أوروبا بين نيران العلمانية والتعصب القومي”، “العلمانية جريمة في حق الشعوب “نعم.. العلمانية انتشرت بالسيف”، وهلم جرى، وهذا غيض من فيض ما يكتب ضد العلمانية، ليصورها بصورة الزندقة والكفر والإلحاد ومعاداة الدين.

وهذه الكتابات يمكن تصنيفها عموما بين الجهل والتضليل، فهي إما تنتمي إلى أحدهما أو تجمع بينهما معا.

لكن العديد من العلمانيين يتحملون بدورهم جزءا هاما من المسؤولية عما يحدث، لأنهم هم أنفسهم لا يفهمون العلمانية بالشكل الصحيح، وكثيرا ما يقدمونها بشكل سطحي بل ومبتذل، فيساهموا بذلك في تشويه صورتها وتقبيحها في أنظار الناس.

وهذا المقال هو محاولة للمساهمة الموضوعية في تصحيح الصورة وليس الهدف منه تجميل صورة العلمانية بشكل مفتعل مصطنع.

بدءا لا بد من التمييز الدقيق بين المفاهيم، فالعلمانية (secularism) واللادينية “nonreligion” والإلحاد “atheism” و”الضددينية” (antireligion)، ليست قطعا الشيء نفسه، وهي أمور مختلفة جوهريا رغم ما بينها من تشابه ظاهري.

فالإلحاد معروف، وهو يعني باختصار عدم الإيمان بوجود الله وبوضعية كل الأديان، لكن هذا لا يعني حكما أن الملحد هو عدو للمتدين، فهو قد يكون متسامحا ويقبل بوجود الآخرين، وقد يكون متعصبا يرفضهم ويسعى لإلغائهم.

واللادينية بدورها لا تعني الإلحاد، فاللاديني قد يكون غير مؤمن بالله، وقد يكون مؤمنا بوجوده دون أن يتبع دينا محددا، كأن يكون لديه إيمان شخصي ما، أو يكون متبعا لفلسفة إلهية، أو يتبع تركيبا من عدة أديان، وماشابه.

الضددينية أيضا ليست لها نفس الموقف من الدين، فالضدينية هي باختصار الموقف الذي يعتبر الدين ظاهرة سلبية من حيث المبدأ، ولكن فعليا قد يكون الضدديني ضد الدين على المستوى النظري فقط طالما أن غيره من المتدينين لا يؤذيه بسب بدينه، وقد يتخذ ضدديني آخر موقفا عدائيا عمليا من الدين ويحاربه فعليا.

أما العلمانية فهي ليست إيديولوجيا محددة كالشيوعية ولا حتى فلسفة سياسية كالنيوليبرالية أو منظومة فلسفية كالهيغلية ولا حركة فلسفية اجتماعية الوجودية أو العصر الجديد، وإنما هي منهجية سياسية اجتماعية لبناء المجتمع والدولة على أساس العقل الإنساني ولغايات إنسانية واقعية محضة، وكونها ليست إيديولوجيا ولا فلسفة يعني أنه ليس من شأنها قطعا الخوض في مسائل ميتافيزيقية أو دينية، وبالتالي فالعلمانية هي حالة من الحياد العقائدي والإيديولوجي والفكري التام إزاء كل المذاهب الفلسفية والسياسية والدينية، والبحث مثلا في مسألة الوجود الإلهي، وسماوية هذا الدين أو ذاك، أو صحة هذا المذهب أو ذاك هي مسائل لا تنتمي إلى دائرة الاهتمام العلماني.

إذا لماذا تصر العلمانية على فصل الدين عن الدولة؟

القضية سياسية واجتماعية محض، وليس فيها أي شيء معتقدي أو إيماني، والخلاف بين العلمانية والدين عموما هو ليس قطعا حول القضايا ذات الطابع الديني الصرف، وإنما حول الشؤون السياسية والمجتمعية، وبدقة أكبر مشكلة العلمانية ليس مع الدين، وإنما مع المتدينين بالضبط، وهذه المشكلة تتعلق بالضبط بمسألتي الاختلاف والتغيير، فبالنسبة للعقل، العقل يعترف بأنه يصيب ويخطئ، وبناء على ذلك فهو يقبل الاختلاف والتغيير، وهذا يعني إمكانية تعدد الآراء ووجهات النظر والاختيار من بينها، وتغيير ما يثبت عدم صلاحيته على أرض الواقع، والعلاقة بين المختلفين لا تعني إلغاء طرف لطرف ولا تؤدي للصراع بين المختلفين.

دينيا الأمر مختلف، فعلى أرض الواقع الدين لم يلغ الاختلاف العقائدي بين الناس، فقد اختلفت الأديان، بل وحتى المذاهب داخل كل دين، وغالبا ما كانت العلاقات بين المختلفين دينيا أو مذهبيا سيئة، وتأرجحت بين التعايش الهش والصراع، وتراوحت بين الحساسية والتوتر والصراع، وتعامل فيها الأقوى مع الأضعاف إما بالانتقاص أو بالتهميش أو بالإلغاء، وهذا الأمر ما زال مستمرا حتى اليوم في العديد من مناطق العالم على اختلاف أديانها وثقافاتها.

وهذا مرده إلى أن كل دين، بل وحتى كل مذهب داخل الدين يعتبر نفسه الوحيد الصحيح، أما الآخرين، فهم ضالين أو ذوي عقائد منحرفة أو كفار، وقبول الاختلاف هنا غير ممكن عقائديا، طالما أن كل مذهب أو دين يعتبر عقيدته الخاصة مقدسة، وصحة تعاليمها مطلقة ولا تقبل الاختلاف، وهذا الموقف من الآخر يصبح أخطر عندما ينتقل من الميدان المعتقدي المحض إلى الميدان الاجتماعي، حيث يجب حل المشاكل على أساس التعاليم الدينية.

هذه العلاقة بين المقدس الديني والواقع الاجتماعي ليست حادة الإشكالية في العلاقة مع الغير المخالف دينيا أو فكريا وحسب، بل مع الاختلاف داخل الجماعة نفسها، حيث يصر القائمون على أمورها عادة على فرض وجهة نظرهم أو التمسك بما هو سائد ومتوارث، وهنا تصبح إمكانية التطور ضعيفة أو معدومة، وهذا بحد ذاته قد يؤدي لصراع هؤلاء مع ذوي المواقف المختلفة.

لذا وبسبب خطر الصراعات بين المختلفين عقائديا بسبب المعتقدات، أو بسبب مفاعيلها في الواقع الاجتماعي، وخطر شل أو عرقلة التطور في هذا المجال أو ذاك من مجالات الحياة بسبب الإصرار على التشبث بالرأي الموروث أو برأي الأمير (زعيم أو زعامة الجماعة)، وخطر الصراع بين المحافظين أو الآمرين مع ذوي المواقف المختلفة ضمن نفس الجماعة، رأى العقلانيون أنه يجب اعتماد العقل وليس الدين في بناء الدولة والمجتمع، فباعتماد العقل لن يكون ثمة مشكلة في الاختلاف والتغيير، أما باعتماد الدين، فمن الأساس ستطرح مشكلة أي دين، بل وأي مذهب بالضبط، وسيكون ثمة مشكلة دوما بين المتدينين المختلفين، الذين يعتبر كل منهم دينه أو مذهبه مقدسا ومطلق الصحة، ولا يجب خضوعه لسواه، كما أنه لا يجب مخالفة تعاليمه وثوابته المقدسة.

هذا الموقف العقلاني العملي في السياسة والاجتماع أطلق عليه لاحقا تسمية العلمانية، وفيه يبقى الدين حقا محفوظا من حقوق الإنسان، ولا يجوز المساس به قطعا طالما أن ممارسته تتم طوعا وليس لها أي تأثير ضار على الفرد نفسه أو غيره من الأفراد أو على المجتمع والدولة ككل، وهذا الحق تحفظه الدولة للجميع، وتحفظ فيه حق الاختلاف، فيه لا تفرض و لا تلغي أي دين أو معتقد، ولا تسمح لغيرها بأن يفعل ذلك من أي دين أو معتقد كان، ولذا لم يبق الأمر محصورا على الدين وحده، بل تعداه إلى كل جوانب الاعتقاد الفلسفي أو الإيديولوجي، وهذا ما تجسده الديمقراطية، ما يعني أن الدولة العلمانية الحديثة هي حكما ديمقراطية، وهي ليس فقط لا تتبنى أو تحابي أي دين، بل عليها أن تكون على مسافة واحدة من كل الأديان والمعتقدات الدينية، والأفكار الفلسفية والإيديولوجيات السياسية بما فيها الإيديولوجيات القومية، فاعتبارها دولة تقوم على العقل وتتغيا خير الإنسان، فهي تتعامل مع الإنسان كإنسان وفقط كإنسان بصرف النظر عن دينه أو معتقده أو حزبه أو طائفته أو عرقه وهلم جرى، والإنسان لديها هو مواطن، ويرتبط معها بشكل مباشر بصفته مواطنا، وما يترتب على هذه الصفة من حقوق وواجبات.

رسلان عامر

 

ليس غريبا أن يشن نشطاء الإسلام السياسي  هجومهم الشرس على العلمانية في محاولة لشيطنتها وتشويه صورتها إلى الحد الأقصى في أذهان الجمهور، والغاية من هذا وإن بدت دينية في الظاهر، فهي جوهرها سياسية بامتياز، والهدف منها هو تحطيم  مشروع الحل العلماني كمنافس للمشروع الحل الإسلامي الذي يتبناه الإسلاميون السياسيون وفق فهم الخاص للإسلام، وهو مشروع حكم يضع السلطة في أيديهم.

وليست العلمانية هي الوحيدة التي تتعرض لمثل هذا الهجوم، فالديمقراطية والاشتراكية والقومية.. بل وحتى الوطنية والدولة المدنية تعرضت أو تتعرض لحملات مشابهة، فبالنسبة للإسلاميين السياسيين كل طرح مختلف عن طرحهم أو مشروع بديل لمشروعهم هو مؤامرة شيطانية عدوانية على الإسلام والأمة الإسلامية، وهم وحدهم الحماة والمدافعين الأوفياء والأشداء عنهما.

من يتابع ما ينشره ناشطو الإسلام السياسي سيجد كما كبيرا من المواد الموجهة للهجوم على العلمانية، ويلتقي بالكثير من العناوين مثل “خبث العلمانية”، “الدولة العلمانية مثال للتعصب الأعمى وكبت الحريات”، “عندما يصبح رفض العلمانية جريمة”، “العلمانية ظلامية فوضوية دموية”، “العلمانية كجهادية دنيوية”، “الإسلام في أوروبا بين نيران العلمانية والتعصب القومي”، “العلمانية جريمة في حق الشعوب “نعم.. العلمانية انتشرت بالسيف”، وهلم جرى، وهذا غيض من فيض ما يكتب ضد العلمانية، ليصورها بصورة الزندقة والكفر والإلحاد ومعاداة الدين.

وهذه الكتابات يمكن تصنيفها عموما بين الجهل والتضليل، فهي إما تنتمي إلى أحدهما أو تجمع بينهما معا.

لكن العديد من العلمانيين يتحملون بدورهم جزءا هاما من المسؤولية عما يحدث، لأنهم هم أنفسهم لا يفهمون العلمانية بالشكل الصحيح، وكثيرا ما يقدمونها بشكل سطحي بل ومبتذل، فيساهموا بذلك في تشويه صورتها وتقبيحها في أنظار الناس.

وهذا المقال هو محاولة للمساهمة الموضوعية في تصحيح الصورة وليس الهدف منه تجميل صورة العلمانية بشكل مفتعل مصطنع.

بدءا لا بد من التمييز الدقيق بين المفاهيم، فالعلمانية (secularism) واللادينية “nonreligion” والإلحاد “atheism” و”الضددينية” (antireligion)، ليست قطعا الشيء نفسه، وهي أمور مختلفة جوهريا رغم ما بينها من تشابه ظاهري.

فالإلحاد معروف، وهو يعني باختصار عدم الإيمان بوجود الله وبوضعية كل الأديان، لكن هذا لا يعني حكما أن الملحد هو عدو للمتدين، فهو قد يكون متسامحا ويقبل بوجود الآخرين، وقد يكون متعصبا يرفضهم ويسعى لإلغائهم.

واللادينية بدورها لا تعني الإلحاد، فاللاديني قد يكون غير مؤمن بالله، وقد يكون مؤمنا بوجوده دون أن يتبع دينا محددا، كأن يكون لديه إيمان شخصي ما، أو يكون متبعا لفلسفة إلهية، أو يتبع تركيبا من عدة أديان، وماشابه.

الضددينية أيضا ليست لها نفس الموقف من الدين، فالضدينية هي باختصار الموقف الذي يعتبر الدين ظاهرة سلبية من حيث المبدأ، ولكن فعليا قد يكون الضدديني ضد الدين على المستوى النظري فقط طالما أن غيره من المتدينين لا يؤذيه بسب بدينه، وقد يتخذ ضدديني آخر موقفا عدائيا عمليا من الدين ويحاربه فعليا.

أما العلمانية فهي ليست إيديولوجيا محددة كالشيوعية ولا حتى فلسفة سياسية كالنيوليبرالية أو منظومة فلسفية كالهيغلية ولا حركة فلسفية اجتماعية الوجودية أو العصر الجديد، وإنما هي منهجية سياسية اجتماعية لبناء المجتمع والدولة على أساس العقل الإنساني ولغايات إنسانية واقعية محضة، وكونها ليست إيديولوجيا ولا فلسفة يعني أنه ليس من شأنها قطعا الخوض في مسائل ميتافيزيقية أو دينية، وبالتالي فالعلمانية هي حالة من الحياد العقائدي والإيديولوجي والفكري التام إزاء كل المذاهب الفلسفية والسياسية والدينية، والبحث مثلا في مسألة الوجود الإلهي، وسماوية هذا الدين أو ذاك، أو صحة هذا المذهب أو ذاك هي مسائل لا تنتمي إلى دائرة الاهتمام العلماني.

إذا لماذا تصر العلمانية على فصل الدين عن الدولة؟

القضية سياسية واجتماعية محض، وليس فيها أي شيء معتقدي أو إيماني، والخلاف بين العلمانية والدين عموما هو ليس قطعا حول القضايا ذات الطابع الديني الصرف، وإنما حول الشؤون السياسية والمجتمعية، وبدقة أكبر مشكلة العلمانية ليس مع الدين، وإنما مع المتدينين بالضبط، وهذه المشكلة تتعلق بالضبط بمسألتي الاختلاف والتغيير، فبالنسبة للعقل، العقل يعترف بأنه يصيب ويخطئ، وبناء على ذلك فهو يقبل الاختلاف والتغيير، وهذا يعني إمكانية تعدد الآراء ووجهات النظر والاختيار من بينها، وتغيير ما يثبت عدم صلاحيته على أرض الواقع، والعلاقة بين المختلفين لا تعني إلغاء طرف لطرف ولا تؤدي للصراع بين المختلفين.

دينيا الأمر مختلف، فعلى أرض الواقع الدين لم يلغ الاختلاف العقائدي بين الناس، فقد اختلفت الأديان، بل وحتى المذاهب داخل كل دين، وغالبا ما كانت العلاقات بين المختلفين دينيا أو مذهبيا سيئة، وتأرجحت بين التعايش الهش والصراع، وتراوحت بين الحساسية والتوتر والصراع، وتعامل فيها الأقوى مع الأضعاف إما بالانتقاص أو بالتهميش أو بالإلغاء، وهذا الأمر ما زال مستمرا حتى اليوم في العديد من مناطق العالم على اختلاف أديانها وثقافاتها.

وهذا مرده إلى أن كل دين، بل وحتى كل مذهب داخل الدين يعتبر نفسه الوحيد الصحيح، أما الآخرين، فهم ضالين أو ذوي عقائد منحرفة أو كفار، وقبول الاختلاف هنا غير ممكن عقائديا، طالما أن كل مذهب أو دين يعتبر عقيدته الخاصة مقدسة، وصحة تعاليمها مطلقة ولا تقبل الاختلاف، وهذا الموقف من الآخر يصبح أخطر عندما ينتقل من الميدان المعتقدي المحض إلى الميدان الاجتماعي، حيث يجب حل المشاكل على أساس التعاليم الدينية.

هذه العلاقة بين المقدس الديني والواقع الاجتماعي ليست حادة الإشكالية في العلاقة مع الغير المخالف دينيا أو فكريا وحسب، بل مع الاختلاف داخل الجماعة نفسها، حيث يصر القائمون على أمورها عادة على فرض وجهة نظرهم أو التمسك بما هو سائد ومتوارث، وهنا تصبح إمكانية التطور ضعيفة أو معدومة، وهذا بحد ذاته قد يؤدي لصراع هؤلاء مع ذوي المواقف المختلفة.

لذا وبسبب خطر الصراعات بين المختلفين عقائديا بسبب المعتقدات، أو بسبب مفاعيلها في الواقع الاجتماعي، وخطر شل أو عرقلة التطور في هذا المجال أو ذاك من مجالات الحياة بسبب الإصرار على التشبث بالرأي الموروث أو برأي الأمير (زعيم أو زعامة الجماعة)، وخطر الصراع بين المحافظين أو الآمرين مع ذوي المواقف المختلفة ضمن نفس الجماعة، رأى العقلانيون أنه يجب اعتماد العقل وليس الدين في بناء الدولة والمجتمع، فباعتماد العقل لن يكون ثمة مشكلة في الاختلاف والتغيير، أما باعتماد الدين، فمن الأساس ستطرح مشكلة أي دين، بل وأي مذهب بالضبط، وسيكون ثمة مشكلة دوما بين المتدينين المختلفين، الذين يعتبر كل منهم دينه أو مذهبه مقدسا ومطلق الصحة، ولا يجب خضوعه لسواه، كما أنه لا يجب مخالفة تعاليمه وثوابته المقدسة.

هذا الموقف العقلاني العملي في السياسة والاجتماع أطلق عليه لاحقا تسمية العلمانية، وفيه يبقى الدين حقا محفوظا من حقوق الإنسان، ولا يجوز المساس به قطعا طالما أن ممارسته تتم طوعا وليس لها أي تأثير ضار على الفرد نفسه أو غيره من الأفراد أو على المجتمع والدولة ككل، وهذا الحق تحفظه الدولة للجميع، وتحفظ فيه حق الاختلاف، فيه لا تفرض و لا تلغي أي دين أو معتقد، ولا تسمح لغيرها بأن يفعل ذلك من أي دين أو معتقد كان، ولذا لم يبق الأمر محصورا على الدين وحده، بل تعداه إلى كل جوانب الاعتقاد الفلسفي أو الإيديولوجي، وهذا ما تجسده الديمقراطية، ما يعني أن الدولة العلمانية الحديثة هي حكما ديمقراطية، وهي ليس فقط لا تتبنى أو تحابي أي دين، بل عليها أن تكون على مسافة واحدة من كل الأديان والمعتقدات الدينية، والأفكار الفلسفية والإيديولوجيات السياسية بما فيها الإيديولوجيات القومية، فاعتبارها دولة تقوم على العقل وتتغيا خير الإنسان، فهي تتعامل مع الإنسان كإنسان وفقط كإنسان بصرف النظر عن دينه أو معتقده أو حزبه أو طائفته أو عرقه وهلم جرى، والإنسان لديها هو مواطن، ويرتبط معها بشكل مباشر بصفته مواطنا، وما يترتب على هذه الصفة من حقوق وواجبات.

رسلان عامر

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit