سلاح التنمّر.. منّا وعلينا

سهير أومري

يعود التنمر إلى الواجهة بانتحار الطالب المصري (أ. هـ) من الصف الثالث الثانوي الذي رمى نفسه، يوم الخميس الفائت 24/ 12، من الطابق الرابع بمدرسة المتفوقين في منطقة العبور القريبة من القاهرة، مما أدّى إلى مصرعه في الحال، ومع أنّ الطالب متفوّق دراسياً إلا أنّه أصيب بحالة اكتئاب بسبب تنمّر أصدقائه المستمر عليه بسبب تلعثمه في الحديث، الأمر الذي دفعه للانتحار بحسب ما أفادت به التحريات الجنائيّة في القليوبية، يوم الجمعة، وكان الطالب قد ترك “رسالة صوتية ” على تليفونه المحمول يقول فيها إنّه فاشل ويتعرّض لمضايقات من زملائه وقرّر الانتحار.

قصة تعيد إلى أذهاننا قصة الطفل السوري اللاجئ في تركيا، وائل السعودن، الذي انتحر العام الماضي أيضاً بسبب التنمر والعنصرية التي لقيها من أصدقائه.. وهذه القصص تضعنا أمام تقرير اليونسكو الذي صدر في اليوم الدولي لمكافحة أشكال العنف والتنمّر في المدارس، 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، والذي أفادت فيه أنّ الأطفال يتعرّضون للعنف والتنمّر في المدرسة في جميع أنحاء العالم، حيث يتعرّض واحد من بين كل ثلاثة طلاب لهذه الهجمات مرة واحدة على الأقل شهرياً، وواحد من كل 10 يكون ضحية للتنمّر الإلكتروني، وذلك بحسب موقع أخبار الأمم المتحدة. والسؤال: كيف يتعلّم الطفل التنمّر؟

لا بدّ في البداية أن نعلم أنّ الطفل صفحة بيضاء لا يمارس سلوكاً مشيناً ما لم يره من أهله ويتعوّد عليه، ثم يصبح بالنسبة له سلوكاً عادياً، أو طريقة يثبت بها قوته أو قدرته على تفوقه على أقرانه، وهنا تبرز مسؤولية الأهل في تعليم أولادهم هذا السلوك المشين بطرق غير مباشرة وغير مقصودة.. إذ يتعلم الطفل التنمّر من:

-الحوارات المسائيّة بين أمه وأبيه وهما يستهزئان بجيرانهم ويضحكون عليهم.

-إشارات تصنعها أمه بيدها وهي تسخر من قِصَر فلانة، وسمن علانة، وشكل مشية هذه، ولون بشرة تلك.

-الحديث الهاتفي اليومي بين أمه وجدته وهما تنالان من سيدات العائلة، وخاصة ذلك الحوار الذي يُختم عادة بــ(ما علينا).

-قهقهة والده وأصدقائه وتغامزهم على أقلّهم مالاً أو علماً أو نجاحاً.

-عبارات التكبر والتعالي التي يتداولها الوالدان، والتي تزرع في رأس الطفل أنّ ما يتّصفون -هم- به من شكل ولون ودين وتوجه ومذهب وعلم وقومية وانتماء هو الأسمى والأعلى والأحسن، وكل ما عداه هو أٌقل منهم مكانة، بل هو مستقبح يجدر به الزوال والفناء، والسخرية منه أبسط تعبير عنه.

-سياسة النبذ والإقصاء التي يمارسها المجتمع تجاه أصحاب الإعاقات الجسدية ورفض اندماجهم وتخويف الأطفال منهم، وكأنّهم حرف ساقط.

يتعلّم الطفل التنمّر منّا، من أسلوبنا في التعبير والتعامل، من طريقتنا في التواصل وخصوصاً السخرية التي هي في الحقيقة أسلوب نلجأ إليه للتغطية على نقصنا أمام الآخرين.

ولن يتمكّن الطفل من مواجهة التنمّر حتى يكون قوياً نفسياً، فالقوة النفسية وحدها التي ستعينه على عدم الاكتراث بما يتعرّض له من عبارات وتصرفات تزعجه في المدرسة وغيرها، والرد عليها بالسخرية وحسّ الفكاهة الذي يحبط المتنمّر ويلجمه عن هدفه، وهذه القوة لن تكون بالنسبة لطفل نشأ على مخاطبته بألفاظ سيئة ونعته بصفات مهينة، أو التركيز على سلبياته وإغفال إيجابياته، فالقوة النفسية مرتكزها اكتشاف مواطن الإبداع التي يتقنها الطفل، وتشجيعه عليها، والتعبير عن كونها موضع فخر لأهله، وتعزيز معنى القبول المجتمعي له إن كانت لديه بعض العلل الظاهرية أو الخلقية، مع أهمية تعويد الطفل على اللجوء للبالغين عند حدوث مثل هذه التصرفات بحقّه من أقرانه، وعدم السكوت عن الأمر، بالإضافة لأهمية إشراك الطفل بالنشاطات الاجتماعية والأعمال الجماعية التي تكسبه مهارة التواصل مع الأقران وحسن إدارة علاقته بهم.

ويبقى التنمّر داء اجتماعياً نتحمّل جميعاً مسؤولية حذفه من قاموس التواصل الإنساني فيما بيننا وحماية أولادنا منه، لنغدو جديرين باسم (إنسان).. بالمناسبة، هل رأيتم حيواناً ذات يوم يتنمّر من آخر؟ نحن البشر من نفعل ذلك للأسف.

 

ليفانت – سهير أومري

يعود التنمر إلى الواجهة بانتحار الطالب المصري (أ. هـ) من الصف الثالث الثانوي الذي رمى نفسه، يوم الخميس الفائت 24/ 12، من الطابق الرابع بمدرسة المتفوقين في منطقة العبور القريبة من القاهرة، مما أدّى إلى مصرعه في الحال، ومع أنّ الطالب متفوّق دراسياً إلا أنّه أصيب بحالة اكتئاب بسبب تنمّر أصدقائه المستمر عليه بسبب تلعثمه في الحديث، الأمر الذي دفعه للانتحار بحسب ما أفادت به التحريات الجنائيّة في القليوبية، يوم الجمعة، وكان الطالب قد ترك “رسالة صوتية ” على تليفونه المحمول يقول فيها إنّه فاشل ويتعرّض لمضايقات من زملائه وقرّر الانتحار.

قصة تعيد إلى أذهاننا قصة الطفل السوري اللاجئ في تركيا، وائل السعودن، الذي انتحر العام الماضي أيضاً بسبب التنمر والعنصرية التي لقيها من أصدقائه.. وهذه القصص تضعنا أمام تقرير اليونسكو الذي صدر في اليوم الدولي لمكافحة أشكال العنف والتنمّر في المدارس، 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، والذي أفادت فيه أنّ الأطفال يتعرّضون للعنف والتنمّر في المدرسة في جميع أنحاء العالم، حيث يتعرّض واحد من بين كل ثلاثة طلاب لهذه الهجمات مرة واحدة على الأقل شهرياً، وواحد من كل 10 يكون ضحية للتنمّر الإلكتروني، وذلك بحسب موقع أخبار الأمم المتحدة. والسؤال: كيف يتعلّم الطفل التنمّر؟

لا بدّ في البداية أن نعلم أنّ الطفل صفحة بيضاء لا يمارس سلوكاً مشيناً ما لم يره من أهله ويتعوّد عليه، ثم يصبح بالنسبة له سلوكاً عادياً، أو طريقة يثبت بها قوته أو قدرته على تفوقه على أقرانه، وهنا تبرز مسؤولية الأهل في تعليم أولادهم هذا السلوك المشين بطرق غير مباشرة وغير مقصودة.. إذ يتعلم الطفل التنمّر من:

-الحوارات المسائيّة بين أمه وأبيه وهما يستهزئان بجيرانهم ويضحكون عليهم.

-إشارات تصنعها أمه بيدها وهي تسخر من قِصَر فلانة، وسمن علانة، وشكل مشية هذه، ولون بشرة تلك.

-الحديث الهاتفي اليومي بين أمه وجدته وهما تنالان من سيدات العائلة، وخاصة ذلك الحوار الذي يُختم عادة بــ(ما علينا).

-قهقهة والده وأصدقائه وتغامزهم على أقلّهم مالاً أو علماً أو نجاحاً.

-عبارات التكبر والتعالي التي يتداولها الوالدان، والتي تزرع في رأس الطفل أنّ ما يتّصفون -هم- به من شكل ولون ودين وتوجه ومذهب وعلم وقومية وانتماء هو الأسمى والأعلى والأحسن، وكل ما عداه هو أٌقل منهم مكانة، بل هو مستقبح يجدر به الزوال والفناء، والسخرية منه أبسط تعبير عنه.

-سياسة النبذ والإقصاء التي يمارسها المجتمع تجاه أصحاب الإعاقات الجسدية ورفض اندماجهم وتخويف الأطفال منهم، وكأنّهم حرف ساقط.

يتعلّم الطفل التنمّر منّا، من أسلوبنا في التعبير والتعامل، من طريقتنا في التواصل وخصوصاً السخرية التي هي في الحقيقة أسلوب نلجأ إليه للتغطية على نقصنا أمام الآخرين.

ولن يتمكّن الطفل من مواجهة التنمّر حتى يكون قوياً نفسياً، فالقوة النفسية وحدها التي ستعينه على عدم الاكتراث بما يتعرّض له من عبارات وتصرفات تزعجه في المدرسة وغيرها، والرد عليها بالسخرية وحسّ الفكاهة الذي يحبط المتنمّر ويلجمه عن هدفه، وهذه القوة لن تكون بالنسبة لطفل نشأ على مخاطبته بألفاظ سيئة ونعته بصفات مهينة، أو التركيز على سلبياته وإغفال إيجابياته، فالقوة النفسية مرتكزها اكتشاف مواطن الإبداع التي يتقنها الطفل، وتشجيعه عليها، والتعبير عن كونها موضع فخر لأهله، وتعزيز معنى القبول المجتمعي له إن كانت لديه بعض العلل الظاهرية أو الخلقية، مع أهمية تعويد الطفل على اللجوء للبالغين عند حدوث مثل هذه التصرفات بحقّه من أقرانه، وعدم السكوت عن الأمر، بالإضافة لأهمية إشراك الطفل بالنشاطات الاجتماعية والأعمال الجماعية التي تكسبه مهارة التواصل مع الأقران وحسن إدارة علاقته بهم.

ويبقى التنمّر داء اجتماعياً نتحمّل جميعاً مسؤولية حذفه من قاموس التواصل الإنساني فيما بيننا وحماية أولادنا منه، لنغدو جديرين باسم (إنسان).. بالمناسبة، هل رأيتم حيواناً ذات يوم يتنمّر من آخر؟ نحن البشر من نفعل ذلك للأسف.

 

ليفانت – سهير أومري

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit