اللجنة الدستورية تجسيد للعبث السوري

فراس علاوي

تستمرّ حالة العبث بمصير سوريا والسوريين من جميع الأطراف التي تتصدّر المشهد السوري، هذا العبث الذي يصرّ فاعلوه على أنّه البوصلة الصحيحة للحلّ، وأنّ ما يقومون به هو ما سيوصل السوريين لبر الأمان مستندين في استنتاجاتهم تلك على شيئين اثنين متشابهين حدّ التطابق بين جميع الأطراف اللاعبة جميعها، إذ يستند هؤلاء إلى المرجعيات الدولية في تفسيراتهم المختلفة لها كما يتناسب مع مصالحهم من جهة، وإلى كونهم وحدهم من يمتلكون الحقيقة، لذلك يكيلون الاتهامات ذاتها لكل من ينتقدهم أو يحاول توضيح كمية الأخطاء التي وقعوا بها من جهة أخرى.. فمن هم هؤلاء العابثين؟

تكاد اللجنة الدستورية تشكل نموذجاً مصغراً لحالة العبث التي يواجهها المجتمع السوري، إذ يتم فيها تمثيل جميع تلك الأطراف العابثة بحياة السوريين وإن اختلفت النسب، فالنظام السوري ومؤسسات المعارضة وحتى المجتمع المدني الذي عوّل عليه السوريون في وقت ما، على أن يكون صوتهم، جميع هذه الأطراف تتشارك خيوط اللعبة وتتجه بالسوريين نحو الهاوية.

نظام الأسد بإصراره على عدم الحلّ واللعب على التفاصيل وإغراق الآخرين بها، يمارس لعبته التي يتقنها دوماً، والتي لن توصل لنتيجة سوى إضاعة مزيد من الوقت بانتظار أن يتعب السوريون، إذ تتركز جهوده الآن للوصول للانتخابات المزمع عقدها منتصف العام ٢٠٢١، ووضع العالم تحت الأمر الواقع، وهو ما يتماهى مع الرؤية الروسيّة للحل في سوريا، والتي تقضي بتعويم النظام -ليس بالضرورة بشار الأسد شخصياً- والحفاظ على كتلته الصلبة ومرتكزاته وإشراك المعارضة /الضعيفة/ والتي قدّمت تنازلات كبرى في السلطة، وبالتالي القضاء على أيّ شكل من أشكال الحل السياسي العادل بعد إفراغ القرارات الدولية من مضمونها والاستناد إلى مخرجات مؤتمري سوتشي وجولات أستانا.

تكاد المعارضة السورية تتماهى مع ما يذهب إليه الروس ونظام الأسد في رؤيتها للحلّ من خلال التنازلات التي قدّمتها وما تزال تقدمها، والتي كان آخرها القرار ٢٤ الذي أصدره الائتلاف بإنشاء مفوضيّة عليا للانتخابات، أو الورقة التي قدّمها وفد المعارضة باللجنة الدستورية والتي تدلّ على أنّ المعارضة أغفلت قرارات الأمم المتحدة، والإشارة إليها من جهة، وذهبت بعيداً في القبول بالرؤية الروسية للحلّ من خلال طرح تشكيل هيئات ولجان فرعية أخرى، في تقسيم جديد وتفتيت للحلّ وتحويله لقضية عودة لاجئين وانتخابات، والابتعاد عن المطالب الأساسيّة بهيئة الحكم وإسقاط النظام وتحقيق العدالة الانتقالية.

يبدو أنّ المعارضة، باتت تخشى الخروج من مولد الحلّ السياسي بلا فائدة، لذلك بدأت بتقديم التنازلات، والتي بدأت حقيقة مع الموافقة على تجزئة الحل عبر القبول بسلال ديمستورا ومن ثم القفز على القرار الأممي واستبعاد الفقرات التي تشير إلى بيئة آمنة وهيئة حكم ذات مصداقية، والتماهي مع التفسير الروسي بالذهاب إلى دستور وانتخابات، وبدا هذا واضحاً بالقرارات الأخيرة للمعارضة، بالرغم من محاولات التفسير التي أجهد متصدرو المشهد السياسي أنفسهم في تفسيرها، مهاجمين بذات الوقت من انتقدها إلا أنّها تشير وبوضوح إلى انسياق المعارضة خلف الحل الروسي والعبث بمصير السوريين دون أي قدر من المبالاة بمشاعرهم، يدرك هؤلاء ويعلمون جيداَ أنّهم يقدّمون التنازلات مجاناً، ومع ذلك يستمرّون بالذهاب بعيداً.

لماذا ترفض المعارضة بشكلها الحالي الذهاب بعيداً في تطبيق القرار ٢٢٥٤؟

يحمل هذا القرار في طياته إنهاء عمل الائتلاف وهيئة المفاوضات، وكذلك فإنّ الائتلاف في نظامه الداخلي يقرّ بأنّه يُعتبر بحكم المنحلّ مجرد إعلان هيئة الحكم ولا يحقّ لأعضائه الترشّح لأيّ دور سياسي لاحق، وهذا لا يتوافق بشكل أو بآخر مع طموحات متصدّري المشهد السياسي للمعارضة، وبالتالي فإنّ القفز لدستور /أعور/ وانتخابات قد يحقق لهم جزءاً من هذه الطموحات، يراهن هؤلاء، كما نظام الأسد، على الوقت وعلى تعب السوريين وعلى تشويه صورة من يعترضهم، عبر شنّ حملات منظمة وموجهة ضدّهم عبر أذرعهم الإعلامية والمنظمات التي تعمل من أجل تبييض مواقفهم.

من جهة أخرى، يعيش المجتمع المدني السوري بمنظماته وشخصياته معارك جانبية بعيدة كل البعد عن اهتمامات السوريين، وكما تشهد المعارضة تراجعاً واضحاً نتيجة التشظّي الذي تعيشه والتبعية والفساد، يعيش المجتمع المدني ذات الحالة منغمساً بصراعات بينية بين مكوناته وحالة صدام وتخلٍّ عن السوريين مقابل الحصول على امتيازات ودعم دوليين.

مع هذا العبث من قبل الفاعلين السوريين، يبقى السوريون هم الخاسر الأكبر، سواء في بلدان اللجوء أو النازحون في الخيام والذين باتوا رهينة لتنازلات من هنا وتعنّت من هناك.

 

ليفانت – فراس علاوي