“العدالة التصالحية”.. حين تكون الأمم المتحدّة يد الأسد في “التغيير الديموغرافي”

جنيف

 ليفانت – نور مارتيني 

 

في كلّ مرة يفاجئ المجتمع الدولي السوريين بازدراء جديد لعدالة قضيتهم، وتجاهل لمأساتهم التي قاربت على العشرة أعوام، دون إظهار أيّ حس بالمسؤولية، تجاه معاناة المدنيين، التي تتفاقم بمرور السنوات، تاركةً آثاراً تراكمية لا يمكن محوها بسهولة.

بعد كلّ هذه الخسائر، لم يعد السوريون بوارد تقديم تنازلات عن مطلبهم الأساسي في الخلاص من النظام وقوى الأمر الواقع التي تنتهج نهجه، والتي تحوّلت هي الأخرى إلى عبءٍ يضاف إلى قائمة المآسي التي ابتلي بها السوريون.

في المقابل، لم تدّخر الأمم المتحدة واللجان المنبثقة عنها جهداً في محاولة تمييع هذه المطالب، حيث يستكمل النرويجي “غير بيدرسون” ما كان قد بدأه السويدي “ستيفان دي مستورا”، من محاولات لفرض الأمر الواقع على المعارضة السورية.

وبعد بدعة الوفد النسائي التي ابتدعها “دي مستورا”، والذي ضمّ في صفوفه تشكيلة متنوّعة من النساء ممن ينتمين إلى مشارب مختلفة، بدعوى فصل السياسة عن الشأن الإنساني، حيث نجح في تشكيل تركيبة غريبة من نساء شغلن مناصب حساسة لدى النظام، إلى جانب أخريات لهن دور بارز في المعارضة المسلّحة، يأتي دور “بيدرسون” في استنباط لجنة دستورية، تضمّ وفداً من “لجان المجتمع المدني”، والذي حوى في صفوفه عدداً لا بأس به، من السيدات الأعضاء في وفد “دي مستورا” النسائي.

وفي تطوّر جديد، يفرض بيدرسون على هذا الوفد، الذي فرضه أساساً كوفد مفاوض إلى جانب وفدي المعارضة والنظام، مصطلح “العدالة” التصالحية”، أو “RESTORATIVE JUSTICE”، والذي أكّد أعضاء الوفد المعارض أنّه لم يرد على لسان أي منهم، وإنما استخدموا مصطلح “العدالة التعويضية” “COMPENSATORY JUSTICE”، الأمر الذي دعا عدداً منهم إلى استنكار المصطلح ومطالبة الأمم المتحدة في توخّي الدقّة لناحية استخدام المصطلحات، فيما فرض بيدرسون المصطلح دون أن يعير آذاناً صاغية للمحتجّين.

دواعي الاحتجاج..ما الفارق بين شكلي العدالة المطروحين؟

أشار ستة من أعضاء “المجتمع المدني” إلى استخدام مصطلح “العدالة التعويضية”، بغية التأكيد على حق اللاجئين باسترداد ممتلكاتهم العقارية، التي حرموا منها بطرق تعسفية وغير قانونية.

جاء ذلك في بيان لأعضاء قائمة “المجتمع المدني” في “اللجنة الدستورية” (السورية)، نفوا فيه استخدام مصطلح “العدالة التصالحية”، في أيّ من مداخلاتهم خلال تقديمها في إحاطة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون.

وبحسب البيان، فإنّ هذا المصطلح جاء في السياق التالي: “وضمان حقوقهم (حقوق اللاجئين) في أن يستعيدوا أي مساكن أو أراض أو ممتلكات حرموا منها بطريقة تعسفية أو غير قانونية. وأن يعتبر الرد سبيل الانتصاف المفضل وعنصراً أساسياً من عناصر العدالة التعويضية…”.

وبهذا الصدد اعتبرت الباحثة “سيما نصار” أنّه “وإذ كان النزوح المرتبط بالنزاع قد أدّى إلى خلق قرابة 11 مليون لاجئ ونازح؛ فإن الوصول إلى سبل الانتصاف والتعويض لانتهاكات الإسكان وسلب الأراضي والممتلكات (HLP) يشكل مصدر القلق الأكثر إلحاحاً بالنسبة للكثيرين منهم. وتشير دراسة حول “احتياجات العدالة للاجئين السوريين” في مخيمات الأردن ولبنان، إلى أنهم يتوقعون أن يكون تأمين السكن وإعادة ممتلكاتهم هو التحدي الرئيس في حال عودتهم إلى سوريا، وتقدّر الدراسة نفسها أن عملية عودة اللاجئين ستنتج أكثر من 2.3 مليون نزاع سكني”، وهو ما يندرج تحت إطار العدالة التعويضية.

فيما يقصد بتعبير “العدالة التصالحية” (restorative justice) العملية التي يشارك فيها الضحية والجاني، وعند الاقتضاء أي من الأفراد أو أعضاء المجتمع المحلي الآخرين المتضررين من الجريمة، مشاركة نشطة لتسوية المسائل الناشئة عن الجريمة، بمساعدة من طرف ثالث وهو ميسّر تلك العملية.

ويقصد بتعبير “ميسّر” الشخص الذي يتمثل دوره في أن ييسر، بطريقة منصفة ونزيهة، مشاركة الأطراف في “العملية التصالحية”.

وعادةً ما يكون الطرف الميسّر هو مؤسسات الدولة، إذ تُشرف الدولة على هذه العملية، ويمكن أن تكون طريقة تنفيذ نتائجها عن طريق الدولة أو منظمات غير حكومية، فيما يبدو أنّه الفخ الذي نصب للمعارضة، من حيث أن مسألة تحقيق العدالة تعود ليد النظام، فيما يجري الحديث عن التنازل عن فكرة “انتقال السلطة” أساساً!

ليست المرة الأولى..

لم تكن هذه المرّة الأولى التي تقع فيها المعارضة السورية في حبائل ألاعيب مبعوثي الأمم المتحدة، الذين يفترض بهم أن يكونوا ممثلاً حقيقياً لإرادة الإصلاح وإنهاء الصراعات، بدل تغليب جهة على أخرى.

حيث سبق لمنظمات “المجتمع المدني” أن تنصّلت من بيان ألقاه المبعوث الأممي المستقيل “ستيفان دي مستورا”، في مؤتمر بروكسل، الذي عقد في شهر نيسان/ أبريل عام 2018.

واعتبر ناشطون سوريون أن صياغة البيان، جاءت ضمن إطار سياسي يصب في مصلحة النظام السوري، “وتلميع صورة الأسد”.

وأشار ناشطو المجتمع المدني والمحللون السوريون حينها إلى أن خطاب “دي مستورا” اعتبر جريمة “التهجير القسري، والتي صنفت جريمة حرب حسب القانون الدولي”هندسة ديموغرافية”، في عملية تضليل وكذب ممنهجة، تبرر قيام النظام السوري بعشرات جرائم التهجير القسري الجماعي، ابتداءً من حمص القديمة وصولاً إلى الغوطة الشرقية”.

وتابعوا: “الهندسة الديموغرافية مصطلح تنموي، يقوم على سياسات الحكومات في التطوير الاقتصادي والاجتماعي، في بلدان محددة، بهدف تكثيف الاستثمارات الاقتصادية وتشجيع المواطنين للانتقال إلى تلك المناطق”، لافتين إلى أن “الهندسة الديموغرافية لا تنطبق على التهجير القسري عبر حصار الناس وتجويعهم، لسنوات، وقصفهم بالبراميل المتفجرة، واخراجهم بعدها بالباصات الخضراء”.

رغم الوعود المتكرّرة التي حظي بها النظام السوري، من قبل ضامنين دوليين بعودة مناطق المعارضة كاملة إليه، إلا أنّ التجربة أثبتت عدم جدوى الحل العسكري، فمناطق الشمال السورية، على اختلاف القوى المهيمنة عليها لم تقبل العودة إلى سيطرة النظام الكاملة، فيما يمنى النظام بخسائر فادحة في الجنوب الذي أصبح مضرب مثل في الأرقام القياسية للمصالحات، ولهذا يبدو أن الأمم المتحدة تسهم في تغيير طبيعة العدالة المنشودة من “انتقالية” إلى “تصالحية”، بعد أن حرّفت سابقاً مفهوم التغيير الديموغرافي وقوننته معتبرة أنّه “هندسة ديموغرافية” والتي يجيدها الاسكندنافيون جيداً فيما يبدو!

 ليفانت – نور مارتيني 

 

في كلّ مرة يفاجئ المجتمع الدولي السوريين بازدراء جديد لعدالة قضيتهم، وتجاهل لمأساتهم التي قاربت على العشرة أعوام، دون إظهار أيّ حس بالمسؤولية، تجاه معاناة المدنيين، التي تتفاقم بمرور السنوات، تاركةً آثاراً تراكمية لا يمكن محوها بسهولة.

بعد كلّ هذه الخسائر، لم يعد السوريون بوارد تقديم تنازلات عن مطلبهم الأساسي في الخلاص من النظام وقوى الأمر الواقع التي تنتهج نهجه، والتي تحوّلت هي الأخرى إلى عبءٍ يضاف إلى قائمة المآسي التي ابتلي بها السوريون.

في المقابل، لم تدّخر الأمم المتحدة واللجان المنبثقة عنها جهداً في محاولة تمييع هذه المطالب، حيث يستكمل النرويجي “غير بيدرسون” ما كان قد بدأه السويدي “ستيفان دي مستورا”، من محاولات لفرض الأمر الواقع على المعارضة السورية.

وبعد بدعة الوفد النسائي التي ابتدعها “دي مستورا”، والذي ضمّ في صفوفه تشكيلة متنوّعة من النساء ممن ينتمين إلى مشارب مختلفة، بدعوى فصل السياسة عن الشأن الإنساني، حيث نجح في تشكيل تركيبة غريبة من نساء شغلن مناصب حساسة لدى النظام، إلى جانب أخريات لهن دور بارز في المعارضة المسلّحة، يأتي دور “بيدرسون” في استنباط لجنة دستورية، تضمّ وفداً من “لجان المجتمع المدني”، والذي حوى في صفوفه عدداً لا بأس به، من السيدات الأعضاء في وفد “دي مستورا” النسائي.

وفي تطوّر جديد، يفرض بيدرسون على هذا الوفد، الذي فرضه أساساً كوفد مفاوض إلى جانب وفدي المعارضة والنظام، مصطلح “العدالة” التصالحية”، أو “RESTORATIVE JUSTICE”، والذي أكّد أعضاء الوفد المعارض أنّه لم يرد على لسان أي منهم، وإنما استخدموا مصطلح “العدالة التعويضية” “COMPENSATORY JUSTICE”، الأمر الذي دعا عدداً منهم إلى استنكار المصطلح ومطالبة الأمم المتحدة في توخّي الدقّة لناحية استخدام المصطلحات، فيما فرض بيدرسون المصطلح دون أن يعير آذاناً صاغية للمحتجّين.

دواعي الاحتجاج..ما الفارق بين شكلي العدالة المطروحين؟

أشار ستة من أعضاء “المجتمع المدني” إلى استخدام مصطلح “العدالة التعويضية”، بغية التأكيد على حق اللاجئين باسترداد ممتلكاتهم العقارية، التي حرموا منها بطرق تعسفية وغير قانونية.

جاء ذلك في بيان لأعضاء قائمة “المجتمع المدني” في “اللجنة الدستورية” (السورية)، نفوا فيه استخدام مصطلح “العدالة التصالحية”، في أيّ من مداخلاتهم خلال تقديمها في إحاطة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون.

وبحسب البيان، فإنّ هذا المصطلح جاء في السياق التالي: “وضمان حقوقهم (حقوق اللاجئين) في أن يستعيدوا أي مساكن أو أراض أو ممتلكات حرموا منها بطريقة تعسفية أو غير قانونية. وأن يعتبر الرد سبيل الانتصاف المفضل وعنصراً أساسياً من عناصر العدالة التعويضية…”.

وبهذا الصدد اعتبرت الباحثة “سيما نصار” أنّه “وإذ كان النزوح المرتبط بالنزاع قد أدّى إلى خلق قرابة 11 مليون لاجئ ونازح؛ فإن الوصول إلى سبل الانتصاف والتعويض لانتهاكات الإسكان وسلب الأراضي والممتلكات (HLP) يشكل مصدر القلق الأكثر إلحاحاً بالنسبة للكثيرين منهم. وتشير دراسة حول “احتياجات العدالة للاجئين السوريين” في مخيمات الأردن ولبنان، إلى أنهم يتوقعون أن يكون تأمين السكن وإعادة ممتلكاتهم هو التحدي الرئيس في حال عودتهم إلى سوريا، وتقدّر الدراسة نفسها أن عملية عودة اللاجئين ستنتج أكثر من 2.3 مليون نزاع سكني”، وهو ما يندرج تحت إطار العدالة التعويضية.

فيما يقصد بتعبير “العدالة التصالحية” (restorative justice) العملية التي يشارك فيها الضحية والجاني، وعند الاقتضاء أي من الأفراد أو أعضاء المجتمع المحلي الآخرين المتضررين من الجريمة، مشاركة نشطة لتسوية المسائل الناشئة عن الجريمة، بمساعدة من طرف ثالث وهو ميسّر تلك العملية.

ويقصد بتعبير “ميسّر” الشخص الذي يتمثل دوره في أن ييسر، بطريقة منصفة ونزيهة، مشاركة الأطراف في “العملية التصالحية”.

وعادةً ما يكون الطرف الميسّر هو مؤسسات الدولة، إذ تُشرف الدولة على هذه العملية، ويمكن أن تكون طريقة تنفيذ نتائجها عن طريق الدولة أو منظمات غير حكومية، فيما يبدو أنّه الفخ الذي نصب للمعارضة، من حيث أن مسألة تحقيق العدالة تعود ليد النظام، فيما يجري الحديث عن التنازل عن فكرة “انتقال السلطة” أساساً!

ليست المرة الأولى..

لم تكن هذه المرّة الأولى التي تقع فيها المعارضة السورية في حبائل ألاعيب مبعوثي الأمم المتحدة، الذين يفترض بهم أن يكونوا ممثلاً حقيقياً لإرادة الإصلاح وإنهاء الصراعات، بدل تغليب جهة على أخرى.

حيث سبق لمنظمات “المجتمع المدني” أن تنصّلت من بيان ألقاه المبعوث الأممي المستقيل “ستيفان دي مستورا”، في مؤتمر بروكسل، الذي عقد في شهر نيسان/ أبريل عام 2018.

واعتبر ناشطون سوريون أن صياغة البيان، جاءت ضمن إطار سياسي يصب في مصلحة النظام السوري، “وتلميع صورة الأسد”.

وأشار ناشطو المجتمع المدني والمحللون السوريون حينها إلى أن خطاب “دي مستورا” اعتبر جريمة “التهجير القسري، والتي صنفت جريمة حرب حسب القانون الدولي”هندسة ديموغرافية”، في عملية تضليل وكذب ممنهجة، تبرر قيام النظام السوري بعشرات جرائم التهجير القسري الجماعي، ابتداءً من حمص القديمة وصولاً إلى الغوطة الشرقية”.

وتابعوا: “الهندسة الديموغرافية مصطلح تنموي، يقوم على سياسات الحكومات في التطوير الاقتصادي والاجتماعي، في بلدان محددة، بهدف تكثيف الاستثمارات الاقتصادية وتشجيع المواطنين للانتقال إلى تلك المناطق”، لافتين إلى أن “الهندسة الديموغرافية لا تنطبق على التهجير القسري عبر حصار الناس وتجويعهم، لسنوات، وقصفهم بالبراميل المتفجرة، واخراجهم بعدها بالباصات الخضراء”.

رغم الوعود المتكرّرة التي حظي بها النظام السوري، من قبل ضامنين دوليين بعودة مناطق المعارضة كاملة إليه، إلا أنّ التجربة أثبتت عدم جدوى الحل العسكري، فمناطق الشمال السورية، على اختلاف القوى المهيمنة عليها لم تقبل العودة إلى سيطرة النظام الكاملة، فيما يمنى النظام بخسائر فادحة في الجنوب الذي أصبح مضرب مثل في الأرقام القياسية للمصالحات، ولهذا يبدو أن الأمم المتحدة تسهم في تغيير طبيعة العدالة المنشودة من “انتقالية” إلى “تصالحية”، بعد أن حرّفت سابقاً مفهوم التغيير الديموغرافي وقوننته معتبرة أنّه “هندسة ديموغرافية” والتي يجيدها الاسكندنافيون جيداً فيما يبدو!

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit