الادعاء العام يرفض اعتبار العنف الجنسي تعذيباً ممنهجاً

كوبلنز
كوبلنز

بتاريخ السادس عشر من شهر ديسمبر/كانون الأول اختتمت المحكمة جلساتها في محاكمة المتهمين أنور رسلان وإياد الغريب مع شاهدة سورية كان قد خصص لشهادتها مع شهادة محقق الشرطة الجنائية يومي 16 و 17، بيد أنه تم إلغاء شهادة المحقق واكتفي بيوم واحدٍ فقط مع الشاهدة، وبهذا انتهت هذه السنة بواحدٍ وخمسين جلسة لتتابع في العام القادم بتاريخ السادس والسابع من الشهر الأول.

بدأت جلسة هذه الشاهدة بطلبٍ من محاميتها عدم عرض أي معلومات شخصية عن موكلتها في قاعة المحكمة لأسبابٍ سبق وقدمتها للمحكمة قبل الجلسة لم يتم الإفصاح عنها بالكامل إلا فيما يتعلق بوجود عائلتها ضمن مناطق سيطرة النظام في سوريا والخوف القائم من تهديدهم أو تعرضهم لأي خطر. وافقت هيئة القضاة على طلب المحامية ولم يتم عرض أي معلومات خاصة بالشاهدة سوى سنِّها البالغ واحدٍ وأربعين عاماً.

تحدثت الشاهدة عن تجربتها الخاصة باعتقالها من قبل فرع الأربعين، يليه فرع الخطيب ومن ثم إدارة المخابرات العامة حيث قضت بالمجمل خمسة وثلاثون يوماً من تاريخ الرابع من أيار وحتى التاسع من حزيران عام 2012. أخبرت الشاهدة القضاة كيف تم اعتقالها وأصدقائها بعد أن قرروا الاجتماع سوياً لتناول الغداء في مكتب خاص اقتحمته قوات الأمن السوري وصادرت كل أجهزة الحاسب والمحمول الخاصة بهم في ذلك المكان. وعن فرع الخطيب قال الشاهدة أنها وضعت في منفردة، قبل نقلها إلى المهجع الجماعي، لمدة 21 يوماً مع سيدة حامل في شهرها الثامن حيث تقاسمتا مساحة لا تزيد عن مترين طولاً ومترٍ عرضاً طوال هذه الفترة وعن سوء حالة السيدة الحامل الصحية وانهيار الأخيرة إحدى المرات بعد سماعها لأصوات تعذيب وصفتها الشاهدة بأنها عصيَّةٌ عن النسيان. المعتقلة الحامل خرجت بعد مدة بناءً على روايةٍ أخبرتاها الشاهدة والسيدة الحامل للسجانين بأن الطفل توقف عن الحركة في بطنها وتعتقدان بأنه قد توفي، حيث نقلت إثر ذلك السيدة إلى مشفى الهلال الأحمر وتبين أن الطفل سليم ولكن موعد الولادة قد اقترب فتم تحويلها إلى المحكمة التي بدورها قامت بتوقيفها وتحويلها إلى سجن عدرا للنساء، الأمر الذي علمته الشاهدة بعد إخلاء سبيلها والتقائها بالسيدة مرة أخرى.

لم يفتُ الشاهدة أن تخبر القضاة عن الأوضاع السيئة في فرع الخطيب من حيث الطعام والنظافة والأعداد الهائلة للرجال في المهجع الواحد حيث قالت عن هذه النقطة: ” كان هناك الكثير من الصراخ بين الرجال في مهجعهم بسبب قلة المساحة وعدم قدرة الشخص منهم على الجلوس، وبالتالي إن كان مهجعنا كنساء والذي بلغ عددنا فيه 25 سيدة تقريباً بالكاد يتسع لنا فأستطيع تخيل أنه وفي مثل مساحة مهجعنا كان يتم وضع ما لا يقل عن 100 معتقل من الرجال تقديرياً، إن كنا نتحدث عن أشخاص لا يجدون مكاناً للجلوس حتى”. وأما عن ماء الشرب والتنفس والهواء الرديء داخل الزنازين فقالت: ” الماء الوحيد الذي كان نشربه هو ماء من المرحاض، ماء سيء جداً. داخل المرحاض كان هناك شُباك صغير جداً هو مصدر الهواء الوحيد بالنسبة لنا، كنا نذهب إلى المرحاض لنتنفس، عدا ذلك فقد كنا نتنفس رائحة العرق والدماء والأوساخ”. وعندما سألها أحد القضاة عن المرحاض وحالته العامة من جهة كونه مكاناً صالحاً بالفعل لوجود هواءٍ نقيٍ فيه أجابت: ” نحن نتحدث عن مرحاض لا ندري عدد الذين يستخدمونه في اليوم الواحد ولكنه قذرٌ جداً. كان فيه جرذان أيضاً. عندما نخرج أنا والسيدة الحامل إليه كنا نخاف كثيراً من الجرذ هناك، فكانت واحدة منا تدخل والثانية تغلق الفتحة في الحائط التي يخرج منها الجرذ بقدمها ريثما يأتي دورها بالدخول، هكذا أستطيع أن أصف المكان الذي كنا نتنفس به”. وعند سؤال القضاة لها إن كانت شخصياً قد تعرضت للتعذيب أجابت الشاهدة بالنفي وأنها قد تعرضت فقط للتهديد من قبل السجَّان “أبو غضب” ذائع الصيت بين من اعتقلوا في أفرع أمن الدولة، حيث قام بضرب السوط على الأرض طوال فترة التحقيق معها كإنذار لها بضرورة التعاون ولم يقم بضربها أبداً. أثارت نقطة عدم تعرض الشاهدة للتعذيب استغرابهم وأبدوا رغبتهم بمعرفة السبب والذي ارتبط بسؤالهم عن طبيعة مكانتها أو عملها سابقاً في سوريا، امتنعت الشاهدة عن الإجابة فيما يخص عملها السابق في سوريا واكتفت بالقول: “من الصعب أن أجيب عن هذا السؤال، ولكن ما أستطيع قوله يتعلق بملف الشخص بحد ذاته. عندما تم اعتقالي كان لدي سيارة وهذا يدل على وضع اقتصادي جيد، وأنا حاصة على شهادة بالدراسات العليا وكنت أعمل، كل هذه الأمور تُعتبر مؤشرات أنني أنتمي لفئة معينة سيتم التعامل معها بشكل خاص”.

لم يكن حظ أحد زملائها كحظها هي، فمن جهة التعذيب وسوء المعاملة ناله الكثير من الضرب وحتى بالكهرباء أمام ناظريها، وصفت حالته بقولها: ” كان صديقي على الأرض ويتعرض للضرب المبرح بأقدامهم وبعصي الكهرباء. بدأوا يسألونني عن علاقتي المباشرة به ويتهمونني بأشياء لها علاقة بنشاطات معينة. بعد عدة ساعات رأيته وأنا في طريقي إلى المرحاض، كان مرمياً على الأرض. عندما شعر بمروري فتح عينيه وابتسم قليلاً ليطمئنني أنه بخير، ولكن ما رأيته من كدمات على وجهه وحالة جسده بالكامل لم تكن تشي أنه بخير، بل كان يبدو شبه ميتٍ بالنسبة لي”.

بعد انتهاء شهادتها قرابة الساعة الثانية والنصف ظهراً، تقدم مكتب الإدعاء العام برد على الطلب المقدم مسبقاً من المحاميين باتريك كروكر وسيباستيان شارمر وهما من محاميي الإدعاء بالحق المدني وكانا قد تقدما بطلب اعتبار العنف الجنسي تهمة أساسية تضاف على لائحة الاتهام الموجهة للمتهمين أنور رسلان و إياد الغريب بصفته عنفاً ممنهجاً يمارس ضد السوريين، فقام مكتب الإدعاء العام بالرد على أن النيابة العامة الاتحادية ترفض الطلب المقدم وستبقى عند موقفها وستلتزم بما قالته في لائحة الاتهام، لأنه لاشيء ينم أو يثبت امتداد العنف الممنهج ضد المدنيين السوريين ليشمل الجانب الجنسي حسب ما أُدلي به حتى الآن وحسب أقوال الشهود، وبالتالي لا يجد مكتب الإدعاء العام حاجة لإضافة العنف الجنسي كنموذج جريمة قائم بحد ذاته وكتهمة منسوبة إلى المتهمين.

باختلاف مواقف الادعاء العام والادعاء المدني في الطلب المقدم من الأخير، والذي سيحسمه في نهاية المطاف هيئة القضاة بقبولها أو رفضها له، تنتهي آخر جلسة في محاكمة المتهمين لعام 2020 وستستكمل المحاكمة جلساتها مطلع العام 2021.

ليفانت _لونا وطفة