إيران تنقسم على ذاتها.. روحاني متأمل بتوقيع بايدن والبرلمان يُشكّك

إيران

عقب اغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زاده، نهاية نوفمبر الماضي، تعالى الصراخ الإيراني، وارتفع التهديد والوعيد، لدرجة المزاودة بين أركان نظام طهران على من يتوعد أكثر، الجهات التي قامت باغتياله، مع العلم أنّها اتّهمت بشكل مباشر تل أبيب بالمسؤولية عن اغتياله باستخدام أسلحة متطوّرة، جرى التحكّم بها عبر أقمار صناعيّة، بجانب غيرها من الروايات.

لكن على النقيض، كانت هناك جهات إيرانية ضمن النظام، تدرك حجم طهران وقدراتها، بأنّها لا تستطيع تهديد دول قوية، كواشنطن وإسرائيل، حيث لا ينفع الاستقواء بالصواريخ معها، نتيجة ما تملكه من تقنيات وأسلحة متطوّرة قادرة على مواجهة التهديدات الإيرانية إلى حدّ بعيد، ومن هناك برز تباين وجهات النظر الإيرانية، بين من هلّل للانتقام المزعوم دون إدراك لحجم إمكاناته، وبين من يدركها فعمل على تدارك الموقف بإطلاق تصريحات أقلّ حدة وداعية لبعض العقّلنة.

الردّ عبر البرنامج النووي

والغريب أنّ التهديدات الإيرانية بالانتقام جاءت على الرغم من إدراك مطلقيها، بأنّ قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذي اغتاله واشنطن في بغداد، يناير، العام الحالي، ما يزال ينتظر هو الآخر من ينتقم له، حيث لم يتم ذلك الانتقام المزعوم، وبشهادة المسؤولين الإيرانيين، الذين لطالما ذكروا بأنّ الانتقام قادم في المكان والزمان المناسبيّن، لكن دون أن يحلا.

اقرأ أيضاً: آيا صوفيا.. إيبرو تيمتك وقره باغ.. حصيلة تركيا 2020 (الجزء الثاني)

وباعتبار طهران عاجزة عن الرد عسكرياً على إسرائيل، فقد اختار البرلمان الإيراني التصعيد والرد على طريقته، ففي الأول من ديسمبر، عمد إلى المصادقة النهائية على قانون يلزم الحكومة برفع تخصيب اليورانيوم حتى 20%، وبإعادة العمل بمفاعل أراك للماء الثقيل، كما كان عليه قبل الاتفاق النووي عام 2015، بجانب إلزام منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بتخصيب اليورانيوم بمستوى 20% وبكمية 120 كغ سنوياً، في محطة فوردو النووية، وتركيب ألف جهاز طرد مركزي من طراز IR-2m لتخصيب اليورانيوم في منشاة نطنز النووية تحت الأرض، وتركيب ألف جهاز طرد مركزي من طراز IR6 في محطة فوردو النووية، حتى مارس المقبل.

كما ألزم القانون الحكومة بإيقاف العمل بالبروتوكول الإضافي في حال لم تعد العلاقات المصرفية مع العالم إلى طبيعتها ورفع القيود عن الصادرات النفطية بعد شهرين من إقرار القانون، وبناء على القانون فإنّه بعد ثلاثة أشهر من المصادقة عليه، إذا عاد الجانب الآخر إلى الالتزام بتعهداته، وفقاً للاتفاق النووي، فإنّ الحكومة الإيرانية مكلفة بتقديم مشروع قرار جديد يقضي بالعودة إلى الالتزام ببنود الاتفاق النووي إلى البرلمان لإقراره.

التعارض بين أركان الحكم

إعلان تصعيدي خطير، لم يأتِ الرد عليه من خارج إيران، بل من داخلها، إذ قالت الحكومة الإيرانية إنّها تعارض تعليق العمل بالبروتوكول الإضافي، بجانب تأكيدها أنّ رفع تخصيب اليورانيوم حتى 20%، وتعليق البروتوكول سيجرّ البلاد إلى المزيد من العقوبات، وقد عقّب المتحدّث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، على قرار البرلمان، قائلاً: “لا يحق للبرلمان التدخل في هذه القضايا، ونأمل من مجلس صيانة الدستور أن يأخذ بعين الاعتبار العوائق القانونية والمصالح الوطنية قبل المصادقة على القرار”.

اقرأ أيضاً: (واشنطن.. لندن وبرلين).. بين إدراك خطورة الإخوان والإحجام عن تصنيفها إرهابيّاً

فيما أعرب محمود واعظي، مدير مكتب الرئيس الإيراني، حسن روحاني، عن قلق غالبية أعضاء الحكومة الإيرانية، واصفاً القرار بـ”غير الناضج”، مشيراً إلى أنّه “لم يتم استشارة الوزارات المعنية به، قبل التصويت عليه”، كما أضاف: “هناك مشكلة ستواجه تطبيق القرار، وهناك تخوّف من أن يؤدّي إلى خلق مشاكل لإيران في علاقاتها الخارجية”.

بينما قال نائب الرئيس الإيراني، إسحق جهانغيري: “نعدّ رسالة إلى رئيس مجلس صيانة الدستور، آية الله جنتي، حول قرار البرلمان برفع التخصيب”، لافتاً إلى أنّ “الملف النووي الإيراني وفقاً للدستور وتوصيات المرشد الإيراني، علي خامنئي، بيد مجلس الأمن القومي، والقرار الذي اتخذه البرلمان ليس لصالح البلاد”، وتابع بالقول: “نعتبر قرار البرلمان تدخلاً في عمل السلطة التنفيذية”، موضحاً أنّ “قرار البرلمان تدخل في صلاحيات مجلس الأمن القومي، وتدخل في عمل السلطة التنفيذية، ويحمل البلاد عبئاً مالياً كبيراً”.

الرئاسة تردّ على البرلمان

أما الرئيس الإيراني حسن روحاني، فقد أدلى بدلوه، في التاسع من ديسمبر، فقال إنّه “إذا أردنا نتيجة أفضل في التعامل مع الخارج، علينا إسماع صوت واحد من إيران”، منوّهاً بأنّ سياسية الحكومة من صلاحيات الرئيس وفق الدستور، متابعاً: “ينبغي أن يكون لإيران صوت واحد في سياساتها الخارجية، وأن يكون سلوكها مدروساً وأكثر نضجاً”، وأضاف: “ينبغي أن نولي أهمية للمصالح الوطنية وليس للمصالح الحزبية”.

اقرأ أيضاً: إخوان تونس 2020: مساعٍ لتعرية النهضة.. وطيّ صفحة الغنوشي (الجزء2)

كما أشار إلى أنّ “الدستور منح الرئيس صلاحيات خاصة لتعيين السياسات الحكومية”، لافتاً إلى أنّه “لا يمكن لأحد في إيران تعيين سياسة الحكومة، والرئيس هو المخوّل الوحيد لرسم الخطط الحكومية”، وتابع قائلاً: “الظروف الحالية تتيح لإيران التعاون أفضل مع دول المنطقة والجوار والغرب والشرق وتأمين المصالح الإيرانية.. الطريق أصبح ممهداً أكثر”.

إيران تنقسم على ذاتها.. روحاني متأمل بتوقيع بايدن والبرلمان يُشكّك

الأمل بتوقيع بايدن

ردّ روحاني والحكومة الرافضان لقرار البرلمان لا يبدو أنّه جاء نتيجة لإدراك حجم القدرات الإيرانية فقط، بل أيضاً نتيجة لتعويلهما على تقلّد جو بايدن سدّة الرئاسة الأمريكية، علّه يعود للاتفاق النووي، وهو ما يمكن استخلاصه من حديث روحاني حين قال: “عودة الإدارة الأمريكية المقبلة إلى الاتفاق النووي، بحاجة إلى توقيع فقط تماماً مثلما وقع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على الانسحاب منه”.

اقرأ أيضاً: بعد فشله مع العبادي.. أردوغان يبحث عن ضالته لدى الكاظمي

لكن تلك الآمال، شكّك فيها البرلمان المُصرّ على قراره، حيث أعلن مساعد رئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية، حسين أمير عبد اللهيان، في العاشر من ديسمبر، أنّ الفرصة الأخيرة لعودة أطراف الاتفاق النووي إلى التزاماتهم تشارف على الضياع، قائلاً إنّ “قانون الإجراءات الاستراتيجية لإلغاء الحظر يمثّل الفرصة الأخيرة لعودة أطراف الاتفاق النووي إلى التزاماتهم، والتي على وشك أن تنقضي”، في إشارة ربما إلى مهلة الشهرين التي منحت للحكومة قبل إيقاف العمل بالبروتوكول الإضافي.

وعليه، يبقَ السؤال مطروحاً حول ما قد يحمله يوم العشرين من يناير القادم من تغييرات في السياسة الأمريكية تجاه إيران، إن كانت سياسات بايدن قد تُعمّق الهوة أكثر بين أركان الحكم في الطهران، أو تقطع آمال روحاني والحكومة بالتغيير لصالحها، فتنضم بالتالي إلى البرلمان في قراراته، وتضحى بالتالي على موعد مع سلسلة جديدة من العقوبات، التي قد تكون دولية هذه المرة، وليس فقط أمريكية.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة