نحو تفكيك معادلات الصراع على سوريا | The Levant

نحو تفكيك معادلات الصراع على سوريا

حذيفة المشهداني
حذيفة المشهداني

من الخطايا التي يرتكبها البعض أنّهم يعالجون موضوع الثورة السورية في إطار موشح المؤامرة الذي يتعلّل به البعض، أو في إطار احتجاجات شعب يطالب بالتحرّر من نظام مستبد كما يصفه البعض الآخر، وكلا الطرفين يقعان في سوء التقدير، لأنّ نظرتهما مجتزأة تهمل البعد الدولي وتفاعل العوامل الإقليمية.  الصراع على سوريا

فثورة الشام ليست شأناً إقليمياً، بل إنّها مظهر من مظاهر تفاعلات الأحداث والتبدلات الكبرى على المسرح الدولي، من حيث إنّ النظام العالمي الذي يحكم العلاقات الدولية لم يعد قادراً على تلبية مصالح اللاعبين الكبار، وإنّ قواعد اللعبة التي اتفق عليها الكبار الذين انتصروا في الحربين العالميتين، الأولى والثانية، لم تعد قائمة، فثورة سوريا ليست مجرد لحظات عابرة في تاريخ الأمة والعالم، ولكن على أرض الشام سوف تعاد كتابة التاريخ.

إنّ ثورة الشام وضعت الكون كله في مأزق، لأنّها كشفت بأنّ قواعد اللعبة التي وضعها الكبار لإدارة العلاقات الدولية والصراعات الإقليمية بعد الحرب العالمية، لم تعد تلبّي مصالح هذه القوى، كما أنّ الدويلات الريعية التي أنشأها المستعمر في إطار سايكس بيكو فقدت وظيفتها، وأنّ الحكام فقدوا شرعيتهم الأخلاقية عند الجمهور وانتهت مدة صلاحيتهم، ولكن الإشكاليّة اليوم تتمثل في عدم توفر البديل، حيث إنّ البديل الذي يستعدّ لملء الفراغ هو الإسلام الجهادي فقط، في ظلّ غياب أي تنظيمات سياسية أو أحزاب ذات مصداقيّة، لأنّ النخب السياسية والثقافية هي الأخرى فقدت شرعيتها الأخلاقية.. ومن هنا يعيش العالم كله في أزمة حقيقية، فلا هم قادرون على منح الحكام وقتاً إضافياً، ولا هم قادرون على منع التسونامي الإسلامي الجهادي، ولا هم يملكون بديلاً مقبولاً.. وبعدما تأكّد للأمريكان أنّهم لا يستطيعون الاعتماد على دكاكين المعارضة السورية المعتدلة في إسقاط الأسد، وبعدما تأكدوا أنّ سقوط الأسد سيؤدّي إلى أن يتصدّر المجاهدون المشهد، ويتهدّد أمن الكيان الصهيوني، وتنقلب الموازين في كامل خارطة الشرق الأوسط، ولهذا عمد الغرب ودول الإقليم على إطالة أمد الأزمة السورية، بل وهم من حافظوا على الأسد ونظامه من الانهيار. 

نحو تفكيك معادلات الصراع على سوريا

عندما تدرس موضوع الشام وثورة سوريا فعليك الاستعانة بالخارطة لاستكشاف الأبعاد المتداخلة التي تحكم الصراع:
أولاً- البعد الأورو متوسطي: وفي هذا السياق يمكن تثبيت الدوائر الاتية:

أ- دائرة الصراع الأوربي مع روسيا.

ب- دائرة الصراع التاريخي الروسي العثماني في البحر المتوسط عبر التاريخ.. 

ثانياً- البعد المتمثّل بالصراع العربي الإسرائيلي.
ثالثاً- البعد الديني والمتمثّل بالدوائر الاتية:
أ- الصراع الإسلامي – المسيحي. 
ب- الصراع المسيحي – المسيحي (رعاية فرنسا للكاثوليك ورعاية روسيا للأرثوذكس).
ج- الصراع الإسلامي -الشيعي.
رابعاً- البعد الإقليمي والذي تمثّله الدوائر الآتية:
أ- التنافس التاريخي بين آل سعود وتركيا، والذي تمتدّ جذوره إلى الدولة العثمانية وحملات إبراهيم باشا.
ب- التنافس المصري السعودي مع تركيا الذي يغذّيه موقف تركيا من الإخوان.
ج- الصراع الإيراني السعودي.

خامساً- البعد المحلي، والذي يشتمل على دائرة الأقليات العرقية والدينية ( الأكراد، الدروز، النصيرية).

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى الملاحظات التالية:

1_ إنّ ألف “الجيوستراتيجيا Geostrategy، تشير بوضوح أنّ سوريا وفلسطين هما مفتاح مصر، وأنّ سوريا هي خط الدفاع الأول عن مصر، ومن يريد الاستيلاء على مصر فإنّه يتوجّب عليه ضمان سوريا باعتبارها قاعدة لوجستيّة مهمة، ولكي لا نغرق في تفاصيل علم المصطلحات أورد مثالاً من التاريخ العسكري يتمثّل بتجربة سقوط مصر واحتلالها من قبل الملك الفارسي، قمبيز بن كورش، فلما تولّى “قمبيز” حكم بلاد فارس عمل جهده لإعداد العدّة لذلك، وقد بدأ يستعدّ بتجريد “أحمس الثانى” من حلفائه، فتحالف مع ملك “فينيقيا”، فكان ذلك من الأسباب التى سهلت له تقوية الحملة البرية على مصر بواسطة أسطوله البحري وأساطيل حليفه، يضاف إلى ذلك أنّ “قمبيز” قد حصل على مساعدة بدو خليج السويس.  الصراع على سوريا

هذا وقد ضمن “قمبيز” لنفسه وجود قاعدة قوية ينقضّ منها على الحدود المصرية، بالتصريح لليهود ببناء معبد أورشليم، حيث جمع جموعه فى “فلسطين” وأرسى أسطوله فى ميناء “عكا”، في ذلك الوقت تقريباً انقضّ “قمبيز” ملك الفرس بجيش كبير على مصر، وقد كان يساند هذا الغزو البرى أسطولاً فينيقياً قوياً تم تجهيزه بسفن في جزيرة قبرص التى كانت قد انضمت إلى جانب “قمبيز”. وتدل شواهد الأحوال على أنّه لم تحدث أي مقاومة إلا من مدينة غزة التى كانت المدينة الوحيدة التى وقفت في وجه الفرس دفاعاً عن مصر (وهنا لاحظوا اهتمام إيران بالتغلغل في غزة عبر حركة حماس).

2_ جاهل من ينسى لعنة التاريخ ونيران الثار التي تستقرّ في اللاوعي رغم أنّ الآخر يتظاهر بخديعة النسيان، فقساوسة موسكو حين يرشون الماء المقدس على الطائرات الحربية الروسية المتجهة إلى سوريا في حرب الكنيسة المقدسة، فإنّهم يثأرون لكرامة القيصر التي أهدرتها خسارة حرب القرم وضياع القسطنطينية، وطبول الحرب التي يقرعها الأوربيون تعيد صورة لويس التاسع، ملك فرنسا، الذي مازال تاريخ فرنسا ينوء بعار هزيمته في حملته الصليبية.

كانت الحملات الصليبية قد تركت أثرها البالغ على علاقة المسيحيين في بلاد الشام مع الفرنسيين، وعندما سيطرت الدولة العثمانية على بلاد الشام رفعت الدول الغربية الصوت عالياً وهي تجاهر بالمطالبة بحماية الأقليات، فكانت الإمبراطورية الفرنسية تعتبر نفسها حليفاً تاريخياً للموارنة والكنيسة الكاثوليكية المشرقية، بينما كانت الإمبراطورية الروسيّة ترى أنّ حماية المسيحيين الأرثوذوكس من صلب اهتماماتها، لأنّ الإمبراطورية الروسية تعتبر الوريث الشرعي لعرش الكنسية الأورثوذوكسية بعد سقوط الإمبراطورية البيزنطية، وأصبحت عاصمتها موسكو تدعى (روما الثالثة) بعد أن سقطت القسطنطينية (روما الثانية) على يد العثمانيين، وكانت هذه الفكرة قد تولَّدت لديها بعد زواج الأمير الأكبر لعموم روسيا، إيفان الثالث، في 1472، من الأميرة صوفيا باليولوك، آخر أميرات الأمبراطورية البيزنطية، التي سقطت في 29 أيار 1453 ميلادية.

كانت الفكرة السائدة، آنذاك، أنّ موسكو هي روما الثالثة كمركزٍ للمسيحية الأوروبية (بعد سقوط روما الأصلية “الرومانية” ثم روما الثانية، أي القسطنطينية “البيزنطية”)، ولن تكون هناك روما رابعة أبداً، بل إنّ حرب القرم الشهيرة التي دارت رحاها في الأعوام (1853 – 1856) بين الروس من جهة، والعثمانيين والفرنسيين والبريطانيين من جهة أخرى، وكان سبب هذه الحرب هو الخلاف حول من يتولّى إدارة الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين بين الأورثوذوكس (حلفاء موسكو) والكاثوليك (حلفاء باريس).

فمنذ سيطرة القياصرة على الحكم في روسيا، كانت روسيا تطالب بالقسطنطينية (إسطنبول) ومضائق البوسفور والدردنيل على أساس كونها (حامية المسيحية) في الشرق، ومسؤولة عن الأرثوذكس في العالم، وبالتالي لا بد لها من السيطرة على القسطنطينية التي فتحها السلطان محمد الفاتح، وكذلك السيطرة على الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين، ولذلك فإنّ حرب القرم في أساسها قد اشتعلت لأنّ السلطان العثماني منح امتيازات جديدة عام (1852م) للكاثوليك (الذين كانت فرنسا تمثّلهم)، وهو ما يعني أنّه خضع للضغوط الفرنسيّة. الصراع على سوريا

تسبّب هذا الموقف في استياء روسي من السلطان العثماني، ووجدت روسيا فيه ذريعة ومبرراً يتيح لها حرب الدولة العثمانية، معتمدة على البعد الديني وحماية المسيحيين الأرثوذكس، وقد ظلّ هذا الحلم الروسي يمثّل حجر الزاوية في السياسة الروسية، إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى، فتم توقيع اتفاقية “سايكس – بيكو – سازانوف” (نسبة إلى اسم سيرغي سازانوف وزير الخارجية الروسية آنذاك)، تحصل روسيا بموجبها على القسطنطينية ومضائق الدردنيل والبوسفور وصولاً إلى المياه الدافئة في شرق البحر الأبيض المتوسط، ولكن تسارع الأحداث ونشوب الثورة الشيوعية أدّى إلى إخراج روسيا من المعادلة، واليوم يعيد التاريخ نفسه في التحالف الفرنسي الروسي في الحرب على سوريا.

فمنذ القدم كانت سوريا قلب طريق الحرير، وإنّ ثورة الشام ستغيّر وجه العالم، ومن يمسك سوريا سيمكنه أن يتحكم في شمال أفريقيا، ومن يسيطر على سوريا سيتحكم في القوقاز، ومن يسيطر على سوريا يمكنه أن يمسك بمفاتيح خراسان، فهل تعلمون أنّ الصين اليوم تقيم مبادرة اسمها (مبادرة الحزام والطريق الصينية)؟ وبهذا المعنى فإنّ الفرع الجنوبي لطريق الحرير يمرّ من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين وكردستان والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط، أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال أفريقيا. وهل تعلمون أنّ فينيقيا والمدن التابعة لها، بلغت ذروة مجدها التجاري في القرن الثالث عشر قبل الميلاد؟ إذ كانت اتصالاتها البحرية تشتمل مناطق العالم القديم بأكمله، كما كان للاتصال الثقافي والاقتصادي بين الآراميين والفينيقيين تاريخ طويل، حتى إنّ اللغة الآرامية التي انتشرت في سورية القديمة أصبحت لغة التجارة والدبلوماسية في الشرق القديم، وصارت أوسع اللغات انتشاراً في ذلك العصر. إنّ انتصار ثورة الشام يعتبر فتحاً جديداً وسيعيد رسم خارطة المنطقة والعالم.

حتى أحلامنا تخيف الفرس وأتباعهم من سدنة هيكل ولاية الفقيه، فحتى حلمنا يعتبرونه مؤامرة، لأنّ حلمنا هو كابوس لولاية الفقيه والغرب والصهاينة. إنّ المجوس يعرفون أنّ ثورة أهلنا في الشام ستعيد صياغة الجغرافيا، فيفقد الخامنئي هلاله الموعود وإطلالته على البحر المتوسط وتمدّد عرشه إلى شمال أفريقيا، الروس ذاكرتهم حية، فهم لن ينسوا أنّ خيول بني أمية هي التي فتحت بلاد ما وراء النهر في جنوب روسيا، وفي كازاخستان، ووصلت شرقاً الى أواسط قارة آسيا، والغرب لن ينسى أنّ سفن بني أمية عبرت لفتح الأندلس حتى كاد القرآن يتلى في أكسفورد لولا خسارة العرب في معركة بلاط الشهداء.

وهنا أستذكر قول الخليفة الراشد “عثمان بن عفان” حين قال: “إذا فتحتـم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر آخر الزمان”. إنّ الأحداث اليوم تشير إلى أنّ من يسيطر على الشام سيكون بيده مفتاح روما، فسفن الفينيقيين التي أبحرت من سواحل الشام هي من أسّست قرطاج وحنبعل هو من دكّ أسوار روما، وجحافل الأمويين التي انطلقت من الشام هي من فتحت الأندلس، وقبلها كان وسيظلّ التاريخ كروياً مثلما الأرض كروية.

أكرر ألف مرة فأقول: في الشام عاش إبراهيم الخليل ثم انتقلت ذريته إلى مصر، وفي الشام سجّل التاريخ ملحمة عين جالوت، ومن الشام انطلقت جحافل بني أمية إلى الأندلس، وكانت الشام هي التي تتحكم في طريق الحرير البري الذي يبدأ في الصين وينتهي بأوروبا، ومن الشام انطلق الفينيقيون ليؤسسوا قرطاج حيث هانيبال الذي عبر جبال الألب في الطريق إلى روما، وأخيراً في الشام هرمجدون ونهاية التاريخ. الصراع على سوريا

ليفانت – حذيفة المشهداني

ليفانت

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

نحو تفكيك معادلات الصراع على سوريا

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب