من الشراكة الإستراتيجية إلى احتمالات المواجهة.. موسكو وأنقرة وسياسة الجدار المتداعي

رفيق

هل تتجه العلاقة بين أنقرة وموسكو إلى التداعي على الأقل أم دخلت في احتمالات المواجهة؟

بعد استهداف الجيش الروسي بقصف محكم لمواقع فيلق الشام، في شمال غرب سوريا، والتسبب بمقتل ما يزيد عن سبعين مقاتلاً متدرباً كانوا يخضعون لدورة تأهيل عسكري للانضمام إلى مجموعات الجنود المرتزقة الذين تستخدمهم تركيا في حروبها الإقليمية، باعتبار أنّ فصيل فيلق الشام هو عملياً مركز التجنيد الرئيس لهذه المجموعات، ولم يصدر من الحكومة التركية أيّ تصريح أو اعتراض أو استنكار للضربة الروسية، ما يعتبر غريباً، لا بل مريباً، فإنّ كثيراً من المراقبين أصبحوا يستشفون أنّ مرحلة جديدة قد بدأت في العلاقة ما بين موسكو وأنقرة، مرحلة لا يمكن التكهن باتجاهات تطورها وإلى أين ستؤول بها الأمور، كما بدأ التفكير فيمن يمكن أن تلجأ إليه أنقرة للردّ على موسكو أو على الأقل محاولة حفظ ماء الوجه.

لا تخفي موسكو استياءها الشديد من التدخل التركي في كاراباخ، والتعقيد الكبير الذي أضافه هذا التدخل على مسار النزاع الأرميني الأذربيجاني الذي تحاول موسكو السيطرة عليه والسير بالأمور نحو التهدئة، لما يربطها من مصالح قوية مع كلا الطرفين المتنازعين، وقد صرّح أكثر من مسؤول روسي رفيع المستوى عن هذا الاستياء الروسي من الدعم التركي غير المحدود للطرف الأذربيجاني، وتضمن (الدعم) تزويد تركيا لأذربيجان بمجموعة من المقاتلين المدربين، مما دفع الروس إلى توجيه ضربة عسكرية مؤلمة لموقع مركزي كبير لفيلق الشام، المنبع الرئيس لهؤلاء المقاتلين المأجورين.

ما من شك بأنّ الضربة فاجأت أردوغان الذي بقي صامتاً عدة أيام، حتى صرّح الأربعاء (بعد 3 أيام على الهجوم الروسي) مديناً الهجوم ومتهماً روسيا بأنّها لا تسعى إلى سلام كامل في سوريا، كما تدّعي، ومن الواضح أنّ هذا التصريح كان حقيقة لحفظ ماء الوجه لا أكثر، لأنّ أردوغان لم يتطرّق إلى أيّ احتماليات ردّ تركي على الهجوم الروسي.

تاريخ العلاقة المتأرجح

سبق أن وصلت العلاقة الروسية التركية إلى ذرى مرتفعة خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة، ولكنها كانت سرعان ما تنهار بسرعة بعد موقف يتخذه أردوغان أو سلوك مفاجئ والجميع يذكر حادثة إسقاط الطائرة الروسية من قبل طائرة تركية أواخر عام 2016، تسببت بتراجع العلاقة كثيراً ووصولها ما قبل المواجهة بقليل، إلى أن تقدّم أردوغان باعتذار رسمي مكتوب وتم تجاوز الأزمة.. وهكذا لأكثر من مرة، وفي هذه المرحلة، هل تركيا قادرة على المضي في الرد على روسيا بأكثر من تصريح لأردوغان التبريري وبعض تعليقات دبلوماسية من سفير أو وزير الى أن يتم تجاوز الأزمة نهائياً؟ ما لم تحدث تطورات مفاجئة في الملف الأذربيجاني الأرمني الذي يستحوذ على اهتمام كبير من أنقرة وبدأ يصبح ملفاً شديد الحساسية لروسيا ومهماً، بعد أن تبين حجم تأثير تفاقمه كنزاع إقليمي على الاستقرار في المنظقة، ما يجعل مصالح روسيا الحيوية في كلا الإقليمين مهددة فعلاً، وهذا ما لا تريده موسكو.

مخاوف أنقرة وفرص تداعي العلاقة

قد تصل الأمور إلى مواجهة أكبر بين روسيا وتركيا أو إلى مزيد من التصعيد الجدي في حال كانت أنقرة غير حريصة على مليارات الدولارات التي تتدفق عليها كل عام، من تصدير البضائع إلى روسيا التي تجاوزت الثمانية مليارات دولار فقط، في حقل الغذائيات والفوكه والخضار، وعدد لا يستهان به من الأنشطة السياحية، كما أنّ هناك المليارات الروسية التي تستثمر في تركيا في عدة اتجاهات، وهو أمر يجب على أنقرة التفكير فيه ملياً لأنّ حجم الخسارة من توتر العلاقات مع موسكو سوف يخلق أزمة اقتصادية حقيقية في الصادرات ثم في الاستثمارات الروسية في تركيا، قد تضع البلاد من جديد في دوامة يصعب الخروج منها إلا بتنازل كبير، كما حدث عام 2017.

كما أنّ مسألة صواريخ S400 الروسيّة في تركيا واحدة من الأسباب الخاصة والمؤثرة في تعقيد موضوع المواجهة.

وبما أنّ تركيا قد خسرت كثيراً من شعبيتها في أوساط دولية كثيرة فهي شبه مرفوضة في أوروبا بعد انفجار خلافاتها الكبيرة مع ألمانيا، والآن الأزمة الخانقة التي تعصف مع فرنسا ناهيك عن النزاع التاريخي مع اليونان وكل ما جرّه على تركيا من تناقضات مع دول أوربية كثيرة، كل ذلك ربما يجعل تركيا تعدّ للعشرة قبل أن تقدم على سياسية مواجهة إضافيّة مع روسيا ستكون عواقبها وخيمة عليها.

وإذا توسعت تركيا في دعمها لأذربيجان في الصراع الدائر الآن بين باكو ويرفان، الأمر الذي قد يستفزّ روسيا، ويجعل احتمالات المواجهة مع الدب الروسي ممكنة، فإنّ الجميع يتساءل الآن فيما اذا كانت تركيا ستفكر جدياً في العمل على حلّ النزاع بدلاً من تأجيجه ومحاولة دعم كلا الطرفين للوصول إلى اتفاق منصف، لأنّ فعالية النزاع وصلت إلى السقف الذي يمكن أن تصله بالنسبة إلى روسيا.

وحده العامل الأوروبي يمكن أن يلعب دافعاً لأردوغان للتصعيد في المواجهة مع روسيا، من حيث إنّه ولأسباب مصالحية أوربية مختلفة ليس آخرها توريط روسيا في نزاع إقليمي متعب لاقتصادها، قد يفكر الأوربيون في مغازلة تركيا والتلويح ببطاقة الصداقة وإمكانية الدعم في حال ذهبت تركيا في مواجهة مع روسيا، ومع ذلك تبدو مخاطر مثل هذا الاحتمال جسيمة جداً منذ النظرة الأولى، بسبب طبيعة التعقيد الذي قد تقود المواجهة إليه على الصعد كافة من الإقليم إلى أوروبا والعالم، فالوضع التركي عموماً معقد ومتشابك.

لقد فهمت موسكو رسالة أنقرة بشكل صحيح من أنّها تتدخل في النزاع الأذربيجاني الأرمني للضغط على روسيا في الملف الليبي، بشكل رئيس، وملفات أخرى، لذا قامت روسيا بتوجيه هذه الضربة القوية لتنظيم فيلق الشام، الوكيل الأساسي لتركيا في سوريا، ومنبع المقاتلين المرتزقة الذي تزجهم مجاناً في حروبها، ولا شك أنّ الأتراك قد فهموا الرسالة من الضربة بأنّ الضربة الآن في سوريا، ولكن احتمال أن تكون الضربة الروسية الثانية في تركيا هو احتمال أصبح وارداً رغم صعوبته.

كل المعطيات تشير بوضوح إلى أنّ توقيت الفرملة التركية قد آن أوانه، سواء في أذربيجان أو في ليبيا، وأنّ على أنقرة أن تتجه إلى التهدئة، حتى فيما يتعلّق بالأزمة مع اليونان، لأنّ فرص المواجهة على عدة جبهات أصبحت قوية، والمواجهة المباشرة مع موسكو هي اللعبة الأخطر التي لا يمكن أبدا التكهن بحجم الخسارات والمهالك التي يمكن أن تسببها.

ليفانت – رفيق قوشحة

هل تتجه العلاقة بين أنقرة وموسكو إلى التداعي على الأقل أم دخلت في احتمالات المواجهة؟

بعد استهداف الجيش الروسي بقصف محكم لمواقع فيلق الشام، في شمال غرب سوريا، والتسبب بمقتل ما يزيد عن سبعين مقاتلاً متدرباً كانوا يخضعون لدورة تأهيل عسكري للانضمام إلى مجموعات الجنود المرتزقة الذين تستخدمهم تركيا في حروبها الإقليمية، باعتبار أنّ فصيل فيلق الشام هو عملياً مركز التجنيد الرئيس لهذه المجموعات، ولم يصدر من الحكومة التركية أيّ تصريح أو اعتراض أو استنكار للضربة الروسية، ما يعتبر غريباً، لا بل مريباً، فإنّ كثيراً من المراقبين أصبحوا يستشفون أنّ مرحلة جديدة قد بدأت في العلاقة ما بين موسكو وأنقرة، مرحلة لا يمكن التكهن باتجاهات تطورها وإلى أين ستؤول بها الأمور، كما بدأ التفكير فيمن يمكن أن تلجأ إليه أنقرة للردّ على موسكو أو على الأقل محاولة حفظ ماء الوجه.

لا تخفي موسكو استياءها الشديد من التدخل التركي في كاراباخ، والتعقيد الكبير الذي أضافه هذا التدخل على مسار النزاع الأرميني الأذربيجاني الذي تحاول موسكو السيطرة عليه والسير بالأمور نحو التهدئة، لما يربطها من مصالح قوية مع كلا الطرفين المتنازعين، وقد صرّح أكثر من مسؤول روسي رفيع المستوى عن هذا الاستياء الروسي من الدعم التركي غير المحدود للطرف الأذربيجاني، وتضمن (الدعم) تزويد تركيا لأذربيجان بمجموعة من المقاتلين المدربين، مما دفع الروس إلى توجيه ضربة عسكرية مؤلمة لموقع مركزي كبير لفيلق الشام، المنبع الرئيس لهؤلاء المقاتلين المأجورين.

ما من شك بأنّ الضربة فاجأت أردوغان الذي بقي صامتاً عدة أيام، حتى صرّح الأربعاء (بعد 3 أيام على الهجوم الروسي) مديناً الهجوم ومتهماً روسيا بأنّها لا تسعى إلى سلام كامل في سوريا، كما تدّعي، ومن الواضح أنّ هذا التصريح كان حقيقة لحفظ ماء الوجه لا أكثر، لأنّ أردوغان لم يتطرّق إلى أيّ احتماليات ردّ تركي على الهجوم الروسي.

تاريخ العلاقة المتأرجح

سبق أن وصلت العلاقة الروسية التركية إلى ذرى مرتفعة خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة، ولكنها كانت سرعان ما تنهار بسرعة بعد موقف يتخذه أردوغان أو سلوك مفاجئ والجميع يذكر حادثة إسقاط الطائرة الروسية من قبل طائرة تركية أواخر عام 2016، تسببت بتراجع العلاقة كثيراً ووصولها ما قبل المواجهة بقليل، إلى أن تقدّم أردوغان باعتذار رسمي مكتوب وتم تجاوز الأزمة.. وهكذا لأكثر من مرة، وفي هذه المرحلة، هل تركيا قادرة على المضي في الرد على روسيا بأكثر من تصريح لأردوغان التبريري وبعض تعليقات دبلوماسية من سفير أو وزير الى أن يتم تجاوز الأزمة نهائياً؟ ما لم تحدث تطورات مفاجئة في الملف الأذربيجاني الأرمني الذي يستحوذ على اهتمام كبير من أنقرة وبدأ يصبح ملفاً شديد الحساسية لروسيا ومهماً، بعد أن تبين حجم تأثير تفاقمه كنزاع إقليمي على الاستقرار في المنظقة، ما يجعل مصالح روسيا الحيوية في كلا الإقليمين مهددة فعلاً، وهذا ما لا تريده موسكو.

مخاوف أنقرة وفرص تداعي العلاقة

قد تصل الأمور إلى مواجهة أكبر بين روسيا وتركيا أو إلى مزيد من التصعيد الجدي في حال كانت أنقرة غير حريصة على مليارات الدولارات التي تتدفق عليها كل عام، من تصدير البضائع إلى روسيا التي تجاوزت الثمانية مليارات دولار فقط، في حقل الغذائيات والفوكه والخضار، وعدد لا يستهان به من الأنشطة السياحية، كما أنّ هناك المليارات الروسية التي تستثمر في تركيا في عدة اتجاهات، وهو أمر يجب على أنقرة التفكير فيه ملياً لأنّ حجم الخسارة من توتر العلاقات مع موسكو سوف يخلق أزمة اقتصادية حقيقية في الصادرات ثم في الاستثمارات الروسية في تركيا، قد تضع البلاد من جديد في دوامة يصعب الخروج منها إلا بتنازل كبير، كما حدث عام 2017.

كما أنّ مسألة صواريخ S400 الروسيّة في تركيا واحدة من الأسباب الخاصة والمؤثرة في تعقيد موضوع المواجهة.

وبما أنّ تركيا قد خسرت كثيراً من شعبيتها في أوساط دولية كثيرة فهي شبه مرفوضة في أوروبا بعد انفجار خلافاتها الكبيرة مع ألمانيا، والآن الأزمة الخانقة التي تعصف مع فرنسا ناهيك عن النزاع التاريخي مع اليونان وكل ما جرّه على تركيا من تناقضات مع دول أوربية كثيرة، كل ذلك ربما يجعل تركيا تعدّ للعشرة قبل أن تقدم على سياسية مواجهة إضافيّة مع روسيا ستكون عواقبها وخيمة عليها.

وإذا توسعت تركيا في دعمها لأذربيجان في الصراع الدائر الآن بين باكو ويرفان، الأمر الذي قد يستفزّ روسيا، ويجعل احتمالات المواجهة مع الدب الروسي ممكنة، فإنّ الجميع يتساءل الآن فيما اذا كانت تركيا ستفكر جدياً في العمل على حلّ النزاع بدلاً من تأجيجه ومحاولة دعم كلا الطرفين للوصول إلى اتفاق منصف، لأنّ فعالية النزاع وصلت إلى السقف الذي يمكن أن تصله بالنسبة إلى روسيا.

وحده العامل الأوروبي يمكن أن يلعب دافعاً لأردوغان للتصعيد في المواجهة مع روسيا، من حيث إنّه ولأسباب مصالحية أوربية مختلفة ليس آخرها توريط روسيا في نزاع إقليمي متعب لاقتصادها، قد يفكر الأوربيون في مغازلة تركيا والتلويح ببطاقة الصداقة وإمكانية الدعم في حال ذهبت تركيا في مواجهة مع روسيا، ومع ذلك تبدو مخاطر مثل هذا الاحتمال جسيمة جداً منذ النظرة الأولى، بسبب طبيعة التعقيد الذي قد تقود المواجهة إليه على الصعد كافة من الإقليم إلى أوروبا والعالم، فالوضع التركي عموماً معقد ومتشابك.

لقد فهمت موسكو رسالة أنقرة بشكل صحيح من أنّها تتدخل في النزاع الأذربيجاني الأرمني للضغط على روسيا في الملف الليبي، بشكل رئيس، وملفات أخرى، لذا قامت روسيا بتوجيه هذه الضربة القوية لتنظيم فيلق الشام، الوكيل الأساسي لتركيا في سوريا، ومنبع المقاتلين المرتزقة الذي تزجهم مجاناً في حروبها، ولا شك أنّ الأتراك قد فهموا الرسالة من الضربة بأنّ الضربة الآن في سوريا، ولكن احتمال أن تكون الضربة الروسية الثانية في تركيا هو احتمال أصبح وارداً رغم صعوبته.

كل المعطيات تشير بوضوح إلى أنّ توقيت الفرملة التركية قد آن أوانه، سواء في أذربيجان أو في ليبيا، وأنّ على أنقرة أن تتجه إلى التهدئة، حتى فيما يتعلّق بالأزمة مع اليونان، لأنّ فرص المواجهة على عدة جبهات أصبحت قوية، والمواجهة المباشرة مع موسكو هي اللعبة الأخطر التي لا يمكن أبدا التكهن بحجم الخسارات والمهالك التي يمكن أن تسببها.

ليفانت – رفيق قوشحة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit