محاكمة كوبلنز.. مطالبُ بإضافة الاعتداءات الجنسية إلى لائحة الاتهام

محاكمة كوبلنز

لونا وطفة- ليفانت

حظيت المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز بفرصة الاستماع مرتين حتى الآن، لشهادات نساء ناجيات من المعتقلات السورية، ضمن محاكمة المتهمين أنور رسلان وإياد الغريب، الأولى كانت مع الشاهدة ل.م والثانية كانت في الجلسة الخامسة والأربعين بتاريخ 19.11.2020 مع الشاهدة والمدعية بالحق المدني، الصحفية رويدة كنعان.  

وأكّدت “كنعان” خلال شهادتها أمام المحكمة، أن عدد المعتقلين الذكور في الأفرع الأمنية السورية يزيد أضعافاً مضاعفةً عن عدد المعتقلات النساء، الأمر الذي يفسر لنا كثرة شهادات المعتقلين كمدّعين وشهود رجال، عن عددها كنساء أمام المحكمة.

جلست الصحفية مع محاميها باتريك كروكر والمترجم أمام هيئة المحكمة، وبدأت بالتعريف عن نفسها قائلة أنها تخرجت من جامعة دمشق فرع الرياضيات، تخصص معلوماتية، وأنها كانت مدرسة لمادة الرياضيات في عامي الثورة الأولين.

نتيجة حادثة جرت مع عائلتها وهي طفلة وتدخّل الأمن السوري، باتت العائلة شديدة الحرص بالتعامل مع النظام، ما جعل قرارها بالانضمام لمسار الثورة السورية يتأخر حتى سقوط أول شهيد في درعا، حين حسمت قرارها بالانضمام للثورة، مع الأخذ بعين الاعتبار كلّ ما يترتب على هذا القرار من احتمالات القتل أو الاعتقال، وحده اللجوء لم يكن ضمن اعتباراتها.

اعتقلت السيدة كنعان عدة مرات من قبل عدة أفرع أمنية. أول اعتقالٍ لها كان من مظاهرة في شهر تشرين الثاني لعام 2011 في دمشق. الاعتقال الثاني كان بتاريخ 04.02.2012 لصالح فرع الخطيب موضوع المحاكمة. ثالثُ اعتقالٍ كان يوماً واحداً فقط عام 2012، والرابع دام يومين باعتقالٍ آخر نهاية ذات العام، والأخير وهو الأطول بتاريخ 09.06.2013 واستمر عشرة أشهر لصالح فرع الجوية في دمشق. 

سُئلت الشاهدة عن الاعتقال الأول وأسبابه، فأفادت بأنها كانت مشاركة في إحدى المظاهرات في دمشق، ورأت حينها هي وفتاتان أخريان طفلاً لا يتجاوز الثالثة عشر من عمره يتعرّض للضرب من عناصر أمن، وظنوا حينها أنهنَّ كنساء لن يتعرضن لذلك في حال حاولنَّ الدفاع عن الصبي، الأمر الذي قُمنَ به وكانت نتيجته اعتقالهنَّ جميعاً وأخذهنَّ إلى قسم شرطة العمارة. 

في قسم الشرطة انتبهت الشاهدة لوجود عناصر أمن، على عكس ماهو مفترض بوجود شرطة فقط في قسم تابع للشرطة، وفهمت حينها أن هؤلاء العناصر يتبعون لفرع الجوية. ألقى العناصرُ الشاهدة والمعتقلين الآخرين أرضاً وداسوا عليهم. بعد عدة ساعات تم تحويلهم لفرع الأمن الجنائي حيث قضت الشاهدة ثلاثة أيام ومن ثم حُوِّلت إلى المحكمة وخرجت.

اعتقال بسبب حملة تبرّع بالأدوية

أما اعتقالها الثاني لصالح فرع الخطيب، فكان نتيجة قيامها ومجموعة من أصدقائها بجمع الكثير من الأدوية بُغية إيصالها لحمص التي كانت تتعرض حينها، وخاصة منطقة الخالدية، للقصف الشديد ووجود إصابات كثيرة مع نقص هائل بمواد الإسعاف الأولي والأدوية.

من خلال انضمامها لحركة تدعى “معاً من أجل سوريا حرة ديمقراطية”، قامت بالتنسيق والعمل على نقل هذه الأدوية، التي كانت قد جمعتها في شقتها أولاً وعملت على فرزها. في ذات الليلة اقتحم الأمن منزلها واعتقلوها وأشقاءها (شقيق وشقيقتين لها) واقتادوهم باتجاه فرع الخطيب.

بدأ التحقيق معها عن الأدوية وسبب جمعها لها، وما لبث أن تحول إلى الحركة السياسية المشار إليها ونشاطاتها وأعضائها وأسباب انضمامها لها.

لم تتعرض الشاهدة للضرب أثناء التحقيق معها، ولكنّها تعرضت لذلك عند اقتيادها بالسيارة باتجاه الفرع، وأثناء أخذ العناصر لها للتحقيق أو إعادتها للزنزانة أو خروجها للمرحاض، وأيضاً تعرضت كما أشارت لتحرشات جنسية كالملامسة المتعمّدة، أو فتح الباب من قبل عنصر أمني، أثناء تفتيشها جسدياً من قبل ممرضة لحظة وصولها للفرع ورؤيته لها عارية، وأيضاً تحدثت عن التهديدات الجنسية أو التهديد بالاغتصاب الذي اعتبرته تهديداً حقيقياً وليس مجرد كلامٍ، وقالت إنه لم يسبق لها بأي فرع أن تمت مناداتها بإسمها الحقيقي وإنما دائماً كانت تستخدم ألفاظٍ نابية في مناداتها. الاعتداءات

من جهة أخرى أكدت سماعها لقصص اغتصاب حدثت لمعتقلات لصالح الدفاع الوطني، الذي لم يقم فقط بالاغتصاب بل بالاتجار والدعار،ة حتى أن عناصر الأمن كانوا يدفعون المال لعناصر الدفاع المدني مقابل الحصول على الجنس مع المعتقلات، في فيلا موجودة في إحدى مناطق ريف دمشق، احتلها عناصر الدفاع المدني، وكانت سابقاً مُلكاً لأحد معارضي النظام كما أخبرتها إحدى المعتقلات.

وتحدثت أيضاً عن حالات الاغتصاب التي سمعت بها في مدينة حمص، خلال المداهمات أو على الحواجز العسكرية، وأضافت بأن الاغتصاب في سوريا عملية ممنهجة هدفها إهانة الرجال. 

الصحفية رويدة كنعان تؤكّد سماع أصوات تعذيب في فرع الخطيب

سُئلت الشاهدة عن السجن في فرع الخطيب، فأجابت بأنها وضعت أول يوم في منفردة مع شقيقتيها سوياً، وفي اليوم الثاني نُقِلت إلى منفردة وحدها، وتحدّثت عن الوضع الصحي السيئ، وعن الطعام الذي كان كافياً نوعاً ما، ولكنه كان سيئاً جداً، وعن المراحيض القذرة، واضطرارهم للشرب من الماء المتوفر في المراحيض لعدم تقديم ماء الشرب للمعتقلين. 

تحدثت أيضاً عن سماعها لأصوات التعذيب، بحكم قرب المنفردات من مكان التعذيب في القبو، وعرضت المحكمة له رسماً توضيحياً، قامت الشاهدة برسمه لدى الشرطة الجنائية الألمانية.

كما أكّدت السيدة كنعان أنها كانت قادرة على سماع أصوات التعذيب طيلة النهار، وحتى في مكتب المحقق في الطابق الأول أثناء التحقيق معها، وأن الصوت لم يكن يتوقف إلّا أثناء الليل.

وصفت أيضاً أشكال المعتقلين الآخرين الذين استطاعت رؤيتهم خلال أربعة أيام، وهي مدة بقائها في فرع الخطيب، أثناء خروجها ودخولها من الزنزانة إلى التحقيق أو المرحاض، وكان وصفاً مشابهاً لكل الشهادات السابقة، مع رؤيتها لعلامات التعذيب الظاهرة عليهم، وتحديدها لأعمارهم ما بين الـ18 والـ 25 عاماً.

بعد ثلاثة أيام أُطلِقَ سراح إخوتها جميعاً، وفي اليوم الرابع تمّ تحويلها إلى فرع إدارة المخابرات العامة 285 وحدها، حيث قضت 21 يوماً فيه وبعد ذلك حُوِّلت إلى القضاء العسكري، ومن ثم إلى القضاء المدني، وبعدها قضت يوماً في السجن المدني وأطلق سراحها في اليوم الذي يليه.

لم تستطع الشاهدة تمييز المتهم رسلان، وقالت إنها لم تره في فرع الخطيب، وإن المحقق الذي حقق معها لا يشبهه.

أما عن المتهم إياد الغريب، فقد قالت إن المتهم مألوف بالنسبة لها، وبأنها رأته ربما في مدينة غازي عنتاب أو في مكان آخر، ولكن الأكيد أنها لم تره ضمن فرع الخطيب كما قالت.

تحدّثت أيضاً عن رؤيتها مرتين لجثث معتقلين داخل فرع الجوية، وفرع إدارة المخابرات العامة 285 أثناء فترة اعتقالها عام 2013، ورؤيتها للتعذيب مباشرة في فرع الإدارة 285.

تحدثت بعدها بإسهابٍ عن المظاهرات وطريقة تعامل الأمن معها بداية الثورة السورية، وعن رؤيتها لإطلاق رصاص حي على المتظاهرين في مناطق ريف دمشق مثل برزة وقدسيا، وعدم رؤيتها لذلك في مظاهرات العاصمة دمشق، ووصفت تعامل الأمن العنيف مع المتظاهرين والاعتقالات العشوائية.

انتهت شهادة الصحفية رويدة كنعان تمام الساعة 12:30 من ظهر ذات اليوم، لتُستَكمل الجلسة بعد ذلك بقراءة طلبٍ من المحامييَن باتريك كروكر وسيباستيان شاومر، وهما من محاميي الادعاء بالحق المدني، بالنيابة عن ثمانية مدّعين ومدّعيات في هذه القضية.

مطالب للمحكمة بإدراج وقائع الاعتداء الجنسي

وطالب المحاميان بتأكيد حصول اعتداءات جنسية في الأفرع الأمنية، استناداً لشهاداتهم في هذا السياق، وشهادات الخبراء السوريين مثل المحامي أنور البني والسيد مازن درويش في هذه المحاكمة، وتأكيد منهجيتها، من خلال تقارير المنظمات الدولية كمنظمة هيومن رايتس ووتش وتقارير منظمة الأمم المتحدة وغيرهما.

ومن أنواع هذه الاعتداءات بحسب الشهادات كما تضمن الطلب: الاغتصاب الكامل، الاعتداء الجسدي بالتفتيش داخل الجسد، قطع العضو الذكري أو التسبب بإيذائه، التحرّش والإهانات الجنسية، وغير ذلك من أنواع الاعتداءات الجنسية، وأيضاً تناول البيان الفئة العمرية التي وقعت عليها الاعتداءات الجنسية، والتي شملت الأطفال والفتيات القاصرات أيضاً، وتحدّث عن استخدام الجنس كوسيلة للإخضاع بحسب عدة تقارير لمنظمات حقوقية دولية.

نتيجة لكل ّماتمّ تقديمه، ثبت للمحاميين أن الاعتداء الجنسي ممنهج في سوريا ويحدث بشكل يومي في أفرع المخابرات السورية، ما يجعله جريمة ضد الانسانية، وبناءً على ذلك أصرَّ محاميا الادعاء في طلبهما على عدم اعتبار هذه التهم تُهماً هامشية في ملف الدعوى، وطالبا بضرورة اعتبارها تُهماً رئيسية عند النطق بالحكم، باعتبار أن المتهم رسلان كان رئيساً لقسم التحقيق في فرع الخطيب، ومسؤولاً عن حدوث هذه الاعتداءات في قسمه، ليس فقط بتهمتي الاغتصاب والتحرش الجنسي، وإنما كأحد المسؤولين عن جريمة الاعتداء الجنسي، بصفتها جريمة ممنهجة وضد الإنسانية.

وأرجع المحاميان سبب طلبهما هذا، بما تسبّبه الاعتداءات الجنسية من إهانة حقيقية ومتعمّدة للضحية، ونتيجة إضراره بالحالة النفسية للمعتقل والمعتقلة، وتعرّضهم لاحقاً لنبذ مجتمعي، أو إلزام المعتقلة بزواج غير مقبول نتيجة تعرّضها للاغتصاب، أو الخوف الدائم بعد الاغتصاب من الطرف الآخر، وعدم القدرة على العيش بتوازن نفسي بعد حدوثه، مستندانِ في طلبهما إلى مواد من قانون العقوبات.

خلال الجلسات الأخيرة ذكرت هيئة القضاة أن عملية فصل قضية المتهم إياد الغريب ستبدأ بتاريخ 17.02.2021، ومن المرجح أن يصدر الحكم بتاريخ 24.02.2021، وبعد هذا التاريخ ستستمر القضية فقط مع المتهم أنور رسلان.

جدير بالذكر أن الجلسات التالية من المحاكمة، ستجري بتاريخ 25 و 26 من الشهر الحالي مع شاهدٍ سوريٍ آخر.