لاحرية التعبير

مها حسن
مها حسن

بعد الأيام الأولى لمقتل الأستاذ الفرنسي صموئيل باتي، خفّتْ رغبتي في الكتابة عن الحدث. وكلما مرّ يوم على الجريمة، تضاءلت رغبتي بالكتابة عنها.

في اليوم الأول لجريمة القتل المروعة، توقعت أن تكون ردود الفعل العربية مجمعة على إدانة الجريمة. كان بديهياً بالنسبة لي أن يستنكر المسلمون قيام أحدهم بقتل إنسان، باسم دينهم، وأن يتنكّروا من القاتل!

لكن ما حدث في الأيام التالية، وأنا أتابع النقاشات على مواقع التواصل ، جعلني أشعر الشعور بالهزيمة، وأتوقف عن الكتابة، حيث لا أهمية لما أقوله.

اليوم، لست أرغب في الكتابة عما حدث لصموئيل باتي، بل في الكتابة عن عدم الرغبة في هذا: ما الذي يجعلني فاقدة الرغبة في التعبير؟

لم تكن صدمتي بسبب مواقف ” العاديين” من الشماتة والتبرير والدعوات للقاتل بالجنة التي سيكافؤه الله بها على فعله، بل بسبب مواقف الناشطين والمنتمين إلى المشهد المُنادي بالحرية في سوريا، الذين وقفوا ضد الاستبداد السياسي لنظام الأسد، وأغلبهم متواجد في أوربا كلاجئ و هارب من الاعتقال أو الموت في سوريا، ليقوم هؤلاء لا فقط بتسويغ فعل المجرم، بل وبالاعتداء المعنوي علينا، نحن الذين نستنكر هذه الجريمة، عبر التهكم منا مرة، وعبر اللجوء إلى مواد القانون الأوربي في حماية حقوق التعبير وحرياته، ليتم تدوير المسألة ونقلها من حقل إدانة القاتل، إلى حقل إدانة الذين نادوا بإدانته!

لو أن متفرّغا للأرشفة، يقوم بتسجيل التعليقات الساخطة على الفرنسيين وعلى الرئيس الفرنسي وعلى كل من يعيش في فرنسا، لامتلأت آلاف الصفحات بدعوات من قبيل ” اللهم اسخطهم جميعا.. ليموتوا جميعا..” . حتى صار أي خبر عن فرنسا، كارتفاع حالات الكوفيد ، أو إمكانية العودة إلى تطبيق الحجر الصحي أو أي خبر يتعلق بفرنسا، عن الأزياء أو الموسيقا، فسوف تأتي التعليقات ناقمة وساخطة على الذين قاموا بإهانة الرسول، وتمنّي الموت لهؤلاء.. لنا جميعاً!

أمام هذا المد الهائل والحشود الكثيرة التي تجد نفسها على صواب، لأن الله يقف معها، وهذه بديهية لا يمكن مناقشتها مع أحدهم، يبدو الحديث العقلاني والحوار ضرباً من المجازفة، بل وسبباً لجلب النقمة والشتم وربما التفكير بالانتقام من طرف ذلك الفريق القوي، المستند إلى الله الجبار القادر على سخطنا إلى قرود وكلاب وحرق حيواتنا وتدمير بيوتنا وقطع رؤوسنا!

من هنا وجدت أن الكلام عن حرية التعبير التي دفع صموئيل باتي حياته ثمناً لشرحها، سوف تتحول إلى علاقة معكوسة الوجهة، وسوف تكون حرية تعبير القاتل والذابح والمعتدي هي الأوسع، طالما يتمتع بحماية الله من جهة، وحماية شريحة واسعة من الشعبويين والنخب الفاسدة المستفيدة من شعارات الاضطهاد الديني لركب موجات الشهرة والانتشار من جهة أخرى، وحماية القوانين الغربية التي لاتزال ” تطبطب” للمستبدين عبر منحهم منصات تعبير عن دمويتهم وساديتهم للقتل باسم الله من جهة ثالثة، ولا أرغب بالحديث عن حمايات أخرى تقوم بها الأنظمة السياسية في الغرب ذاته، للاستفادة من هذا الجدل لتطبيق أجنداتها السياسية ولو على حساب أرواح المواطنين…

لكل هذا أجد أن أي كلام اليوم، يقوم به أحدنا، نحن الذين لا ننتمي إلى الشعبوية والتأجيج والعنف والكراهية، هو سيف ضدنا، قد يتحول في أية لحظة إلى سلاح يقطع أعناقنا..

عليّ وأمثالي الصمت والتصفيق بانكسار وهزيمة ،لهذا المد الشعبوي الهائل الذي يمارس جميع أنواع الرذائل والموبقات من كذب وسرقة واغتصاب وعنف وكراهية …. وبتواطؤ فيما بينه على ” الاستتار عن المعاصي” لكنه يجاهر ” بحب الله ورسوله” والتشجيع على قتل من يختلف معه… كأن الله خاص بهؤلاء الذين حرمونا حتى من أن يكون لنا حقّ في حب الله ، ولكن بطريقة تليق بالمحبوب، لنرى الله جميلاً وعادلاً وداعياً إلى التآخي والسلام، لا القتل والذبح والإقصاء…

ستمضي موجة التضامن مع صموئيل باتي، وسيكون هناك ضحايا جُدد، في فرنسا أو غيرها من بلاد ” الكفار” ، وسينتصر الرعاع والشعبويون، طالما أن حرية التعبير ذاتها صارت ذريعة وحقاً وصارت مكسباً للمجرمين والساديين وعشاق الدم، وصار علينا، نحن المدافعين عن حرية الرأي والتعبير، أن نتنحّى جانباً، لنسمح لهذا التيار القوي، الواسع، بفرض نظامه علينا، هذا النظام ذاته، الذي حكمنا منذ قرون، ولا يزال يتابع انتصاره الساحق: انتصار العنف والجهل والكراهية، على قيم السلام والمحاججة العقلانية والأخوة بين الشعوب…

نحن ضحايا حرية التعبير، لا نملك هذه الحرية، نحن صموئيل باتي المتكرر الظهور، أضعف من أن ننصر هذه الحرية، طالما أن قوانين الأغلبية هي السائدة، هؤلاء الذين يؤمنون على : إن ينصرهم الله، فلا غالب بهم، وقد تمكنت الشعبوية الفكرية من إقناع هؤلاء، أن الله لهم وحدهم، ومعهم، ولا غالب لهم.

مها حسن

 

 

بعد الأيام الأولى لمقتل الأستاذ الفرنسي صموئيل باتي، خفّتْ رغبتي في الكتابة عن الحدث. وكلما مرّ يوم على الجريمة، تضاءلت رغبتي بالكتابة عنها.

في اليوم الأول لجريمة القتل المروعة، توقعت أن تكون ردود الفعل العربية مجمعة على إدانة الجريمة. كان بديهياً بالنسبة لي أن يستنكر المسلمون قيام أحدهم بقتل إنسان، باسم دينهم، وأن يتنكّروا من القاتل!

لكن ما حدث في الأيام التالية، وأنا أتابع النقاشات على مواقع التواصل ، جعلني أشعر الشعور بالهزيمة، وأتوقف عن الكتابة، حيث لا أهمية لما أقوله.

اليوم، لست أرغب في الكتابة عما حدث لصموئيل باتي، بل في الكتابة عن عدم الرغبة في هذا: ما الذي يجعلني فاقدة الرغبة في التعبير؟

لم تكن صدمتي بسبب مواقف ” العاديين” من الشماتة والتبرير والدعوات للقاتل بالجنة التي سيكافؤه الله بها على فعله، بل بسبب مواقف الناشطين والمنتمين إلى المشهد المُنادي بالحرية في سوريا، الذين وقفوا ضد الاستبداد السياسي لنظام الأسد، وأغلبهم متواجد في أوربا كلاجئ و هارب من الاعتقال أو الموت في سوريا، ليقوم هؤلاء لا فقط بتسويغ فعل المجرم، بل وبالاعتداء المعنوي علينا، نحن الذين نستنكر هذه الجريمة، عبر التهكم منا مرة، وعبر اللجوء إلى مواد القانون الأوربي في حماية حقوق التعبير وحرياته، ليتم تدوير المسألة ونقلها من حقل إدانة القاتل، إلى حقل إدانة الذين نادوا بإدانته!

لو أن متفرّغا للأرشفة، يقوم بتسجيل التعليقات الساخطة على الفرنسيين وعلى الرئيس الفرنسي وعلى كل من يعيش في فرنسا، لامتلأت آلاف الصفحات بدعوات من قبيل ” اللهم اسخطهم جميعا.. ليموتوا جميعا..” . حتى صار أي خبر عن فرنسا، كارتفاع حالات الكوفيد ، أو إمكانية العودة إلى تطبيق الحجر الصحي أو أي خبر يتعلق بفرنسا، عن الأزياء أو الموسيقا، فسوف تأتي التعليقات ناقمة وساخطة على الذين قاموا بإهانة الرسول، وتمنّي الموت لهؤلاء.. لنا جميعاً!

أمام هذا المد الهائل والحشود الكثيرة التي تجد نفسها على صواب، لأن الله يقف معها، وهذه بديهية لا يمكن مناقشتها مع أحدهم، يبدو الحديث العقلاني والحوار ضرباً من المجازفة، بل وسبباً لجلب النقمة والشتم وربما التفكير بالانتقام من طرف ذلك الفريق القوي، المستند إلى الله الجبار القادر على سخطنا إلى قرود وكلاب وحرق حيواتنا وتدمير بيوتنا وقطع رؤوسنا!

من هنا وجدت أن الكلام عن حرية التعبير التي دفع صموئيل باتي حياته ثمناً لشرحها، سوف تتحول إلى علاقة معكوسة الوجهة، وسوف تكون حرية تعبير القاتل والذابح والمعتدي هي الأوسع، طالما يتمتع بحماية الله من جهة، وحماية شريحة واسعة من الشعبويين والنخب الفاسدة المستفيدة من شعارات الاضطهاد الديني لركب موجات الشهرة والانتشار من جهة أخرى، وحماية القوانين الغربية التي لاتزال ” تطبطب” للمستبدين عبر منحهم منصات تعبير عن دمويتهم وساديتهم للقتل باسم الله من جهة ثالثة، ولا أرغب بالحديث عن حمايات أخرى تقوم بها الأنظمة السياسية في الغرب ذاته، للاستفادة من هذا الجدل لتطبيق أجنداتها السياسية ولو على حساب أرواح المواطنين…

لكل هذا أجد أن أي كلام اليوم، يقوم به أحدنا، نحن الذين لا ننتمي إلى الشعبوية والتأجيج والعنف والكراهية، هو سيف ضدنا، قد يتحول في أية لحظة إلى سلاح يقطع أعناقنا..

عليّ وأمثالي الصمت والتصفيق بانكسار وهزيمة ،لهذا المد الشعبوي الهائل الذي يمارس جميع أنواع الرذائل والموبقات من كذب وسرقة واغتصاب وعنف وكراهية …. وبتواطؤ فيما بينه على ” الاستتار عن المعاصي” لكنه يجاهر ” بحب الله ورسوله” والتشجيع على قتل من يختلف معه… كأن الله خاص بهؤلاء الذين حرمونا حتى من أن يكون لنا حقّ في حب الله ، ولكن بطريقة تليق بالمحبوب، لنرى الله جميلاً وعادلاً وداعياً إلى التآخي والسلام، لا القتل والذبح والإقصاء…

ستمضي موجة التضامن مع صموئيل باتي، وسيكون هناك ضحايا جُدد، في فرنسا أو غيرها من بلاد ” الكفار” ، وسينتصر الرعاع والشعبويون، طالما أن حرية التعبير ذاتها صارت ذريعة وحقاً وصارت مكسباً للمجرمين والساديين وعشاق الدم، وصار علينا، نحن المدافعين عن حرية الرأي والتعبير، أن نتنحّى جانباً، لنسمح لهذا التيار القوي، الواسع، بفرض نظامه علينا، هذا النظام ذاته، الذي حكمنا منذ قرون، ولا يزال يتابع انتصاره الساحق: انتصار العنف والجهل والكراهية، على قيم السلام والمحاججة العقلانية والأخوة بين الشعوب…

نحن ضحايا حرية التعبير، لا نملك هذه الحرية، نحن صموئيل باتي المتكرر الظهور، أضعف من أن ننصر هذه الحرية، طالما أن قوانين الأغلبية هي السائدة، هؤلاء الذين يؤمنون على : إن ينصرهم الله، فلا غالب بهم، وقد تمكنت الشعبوية الفكرية من إقناع هؤلاء، أن الله لهم وحدهم، ومعهم، ولا غالب لهم.

مها حسن

 

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit