بين لعنةِ التشدّد وسياسةِ اللامبالاة

عبير نصر
عبير نصر

من المؤكد أنّ المرشحَ الديمقراطي بايدن يختلفُ عن نظيره الجمهوري ترامب، في الكثيرِ من الأهدافِ والرؤى السياسيةِ والاقتصاديةِ والعسكرية، ما سيحدثُ فرقاً واضحاً في السياساتِ العالمية، لكن دون المساسِ بقدسيّةِ شرطي العالم الذي لا يُعصى له أمر.

وفي سياقٍ موازٍ، اعتبرتْ مجلةُ (فورين بوليسي) أنّ نتائجَ الانتخاباتِ الرئاسيةِ الأمريكية ستحدّد مستقبلَ الرئيس السوري، مؤكدةً أنّ نهجَ الإدارةِ الأميركية تجاه سوريا لن يتغير، إنّما التوجهات المتشعبة تجاه حلفائها، وكان الدعمُ الإيراني عنصراً حاسماً في بقاءِ النظامِ السوري على قيدِ الحياة، واستغلّ هذا الدعم في هزيمةِ تنظيمِ داعش وقواتِ المعارضة، وإعادةِ نفوذه إلى معظمِ أنحاء البلاد، حيث تجاوزَ دعمُها الحليفَ الروسي، الذي لعبَ دوراً رئيساً على الصعيدِ السياسي، من خلال حمايةِ سوريا أكثر من (14) مرةً من قراراتِ الأمم المتحدة.

وتبنّتْ إدارتا أوباما وترامب رؤيةً مشتركةً تجاه سوريا، وفرضتْ عقوباتٍ اقتصاديةً صارمةً على النظامِ السوري، خاصة خلال حكم ترامب المتشدّد سياسياً، والذي عاثَ فساداً في البلادِ بعدما اتخذَ شعارَ (أميركا أولاً)، فمن سرقةِ النفطِ إلى تغطيته للاعتداءاتِ الإسرائيلية المتكررة على المواقعَ العسكريةِ السورية بالإضافة إلى تبنّيه طموحاتِ الرئيس التركي وعقليةِ الفتوحاتِ العثمانية، فغضَّ النظرَ عن سياساتِ التوسّعِ التركية في غربِ الفرات، ما أدّى إلى اجتياحِ منطقةِ عفرين عام 2018، وتكرّرَ الأمرُ ليستغلَّ أردوغان إعلانَ الولايات المتحدة، مطلع تشرين الأول عام 2019، الانسحاب من شرقي سوريا، فما كان منه إلاّ أن أطلقَ عمليةً ثالثة سُميت (نبع السلام) استهدفتْ شمالي شرق البلاد لتحقيقِ ما فشلَ فيه في (غصن الزيتون ودرع الفرات)، وعلى إثرها سيطر على حوالي خمسين قريةً في مدينتَي تل أبيض ورأس العين.

ومقابل كلّ هذه الانتهاكاتِ التركيةِ المخالفةِ للمواثيق الدولية، كان بايدن واضحاً ومنذ البداية تجاه أنقره، حيث أطلقَ تصريحاتٍ واضحةً تتهم أردوغان بدعمِ الإرهابيين في سوريا، وإدخالهم عبر الحدودِ التركية، لذا لا تُخفي بعضُ الأوساط الكردية تمنياتها بفوزِ المرشحِ الذي أظهر في العلن موقفاً مناوئاً للرئيس التركي، بينما تميلُ قوى وأحزابٌ كرديةٌ إلى ترامب، مراهنة على فوزه في الانتخابات، لأنّه سيستمر دون شكّ في نهجِ الدعمِ العسكري والمادي لقواتِ سوريا الديمقراطية (قسد)، كذلك لمجلسِ سوريا الديمقراطي (مسد)، والإبقاءِ على القواتِ الأمريكية التي تسيطرُ على منابع النفطِ في الجزيرة السورية، وتأمينِ الدعمِ المالي لها، واستثنائها من عقوباتِ قانون قيصر، إضافةً إلى إبرام اتفاقياتٍ نفطيةٍ معها.

وأهم ما تضمّنَ البرنامجُ الانتخابي لبايدن فيما يطال تأثيرُه سوريا، رغبته في العودةِ إلى الاتفاقِ النووي مع طهران، مترافقاً مع تقليصِ العقوبات، ما سيخفّفُ الضغطَ على النظام السوريّ في مواجهةِ التحديات، في المقابل يريد ترامب بقاءَ قواتٍ أميركيةٍ محدودةٍ في الشمال الشرقي وقاعدةِ التنف، لمواجهةِ إيران في سوريا والعراق، الأمر الذي سيستمرّ في حرمانِ دمشقَ من سلّتها الغذائية وحوامل الطاقةِ من النفط والغاز، بغية الدفعِ بها نحو حلٍّ سياسي وفق القرار 2254، ويدرك ترامب أنّ قوةَ إيران تعزّز حظوظَ الأسد في الاستمرارِ وإحكامِ قبضته على بلاده المُستنزفة، وإضعاف حليفتها يعني زيادة الضغطِ على رأسِ النظام ومنابعه الحيوية، لذا فإن فاز ترامب بدورةٍ ثانية، فإنّه للسوريين أن يتوقعوا المزيدَ من الضغط على بلادهم كذلك على إيران، ما سيضطرُ الأخيرةَ إلى تركيزِ مواردها على اقتصادها المتداعي والشعور المتنامي بالاستياء العام تجاهها.

والسيناريو الكارثي للنظامِ السوري في حال فوز ترامب سيتبدّلُ نسبياً إنْ فاز بايدن، وإنْ صدقتْ وعودُه سيعودُ الأخير للدبلوماسيةِ في التعاملِ مع إيران، والسماحِ لها باستخدامِ مواردها المالية والعسكرية مرّة أخرى في الخارج، وعودة تدفق الأموال من إيران سيقوّي النظامَ السوري، وسيسمح له بإعادةِ شرعيته بتخفيفِ السخطِ بين السوريين الفقراء، لذا ليس من المستبعد أنّ مؤيديه يفضلون فوزَ بايدن، بحكمِ كونه أقل تشدّداً حيال إيران، الداعم الأكبر لنظامهم، رغم أنّ مواقفَ بايدن لا تختلف كثيراً عن مواقف منافسه حيال القضيةِ السورية، والذي ركّز في برنامجه على استعادةِ الانخراط دبلوماسياً في هذا الملف، وعلى دعمِ القوى الحليفة، والإبقاءِ على وجود القوات الأمريكية في شمال شرقي سوريا، بوصفه وسيلة ضغطٍ على النظامِ السوري، إضافةً إلى أنّ إدارته ستمنع الدعمَ لإعادةِ إعمارِ البلاد حتى يوافقَ النظامُ على وقفِ الأعمالِ الوحشية التي يرتكبها، مع إعلانها الالتزام بالوقوفِ مع المجتمعِ المدني والشركاء المؤيدين للديمقراطية على الأرض.

أما الأوساط السورية المعارضة فتتابعُ باهتمامٍ كبيرٍ السباقَ الانتخابي الأمريكي المحموم بين اللاعبَين الدوليين، وأثرَ فوز أحدهما عليها، من جهةِ أنّ النظرَ في رؤيةِ كلٍّ من ترامب وبايدن للقضيةِ السورية يمكنه الإسهام في استشرافِ التغيراتِ والتحولاتِ المحتملةِ في السياسةِ الأمريكية تجاهها، ويُبنى معظمها على مقارنةٍ تفيدُ بأنّ المسؤولين الجمهوريين كانوا على الدوام أشدّ حزماً حيال النظام السوري من نظرائهم الديمقراطيين، وبالتالي لا تخفي ثُلّةٌ من المعارضةِ السورية انحيازَها إلى الرئيس ترامب، الذي سيتخذُ مواقف أكثر تشدّداً حيالَ النظامِ السوري وداعميه حالَ فوزه، وستمارس إدارته ضغوطاً أقوى على الحليفة إيران، فيما تعتبر ثُلّةٌ أخرى أنّ وصولَ بايدن إلى الرئاسةِ يعني العودة إلى سياسة أوباما التي كانت تميل إلى عدم الاكتراثِ بالوضعِ السوري واعتمادِ اللغةِ الدبلوماسية، وعدمِ معاقبةِ النظام على جرائمه، وتطبيعِ العلاقات مع إيران، غير أنّ أوساطاً أخرى تشكّك في جدوى سياسةِ الرئيس ترامب ودعمها لقضيتهم المهمّشة، التي لم تسفر عن رضوخِ النظام أو انصياعه للانخراطِ في الحلّ السياسي، ولا عن توقفِ داعميه له.

ويجب أن لا نغفل عن حقيقةٍ مفادها أنّ (جو بايدن) كان يتولّى منصبَ نائب الرئيس في حكم أوباما، وخاصة عام 2012، عندما حذّرتِ الإدارةُ الأميركية من استخدامِ الأسلحةِ الكيميائية، وبعدها استخدمتْ في سوريا دون أي رادع، وإنْ لم يُحمّلْ هذا الخطأ لبايدن، باعتباره الرجل الثاني وليس الرئيس، مع هذا من المؤكد أنّ العقوباتِ الأمريكيةَ ستبقى وإن فازَ بايدن، لأنّها تحظى بموافقةِ الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، والسياسيةُ الأميركية التي تقومُ على مبدأ استعراضِ قوتها والزهوّ بمكانتها القويةِ بين دولِ العالم، لم تقمْ إلا على مبدأ استثمارِ أزمات الشعوب المغلوب على أمرها لتحقيق غاياتها الخبيثة المبطنة، لذا فإنّ الاعتقادَ السائدَ لدى المتوازنين من السوريين يفيد بأنّ اختلافَ الإداراتِ في الولايات المتحدة الأمريكية، لن يجلب الخير أو السلام أبداً، لذا لم تشكلِ القضيةُ السورية، التي تعاني من انسدادِ الأفق السياسي، الأولويةَ لسياساتها إلا فيما يخصُّ المصالح الذاتية البحتة.

والدليلُ على هذا أنّه خلال حكم أوباما جلّ ما شغله آنذاك المشروع النووي الإيراني، والذي كان جزءاً من صفقته مع إيران بيعُ القضية السورية، بأسسٍ وتأثيرٍ إيراني، ألغاه ترامب الذي حوّلَ النصرَ العسكري للنظامِ السوري إلى رماد، وحافظَ على استمرارِ الانهيارِ السريع الذي يشهده اقتصادُ البلد اليوم، ومن هنا برزتْ أهميةُ القضيةِ السورية بالنسبة للأميركيين، لذا التعويلُ عليهم يُعتبر ضرباً من الغباء السياسي المحض الذي سيجرّ المزيدَ من الويلاتِ إلى هذه البلادِ المنكوبة.

 

ليفانت : عبير نصر