نحن السوريين وسردية الانتظار

ريما

طوال السنوات العشر الماضية ونحن ننتظر، نعيش سردية الانتظار بأدقّ تفاصيله، حيث يفترسنا القلق والتوق والحنين لمستقبل تخيلناه ولم نعرفه، ووطن أحببناه ولم يحبنا، نعيش على مدى تلك السنوات ونحن نلاحق تصريحات الدبلوماسية العالمية، المعارضين السوريين، النظام، الأمم المتحدة، قادة كل الدول والقوى والمجموعات التي ارتأت أنّ لها حق الوصاية على مصائرنا. 

إن نبسوا ولو بحرف يتعلّق ببلدنا، أو بحلمنا المصلوب النازف على تلال آمالنا، وصل بنا اليأس لنلاحق توقعات الفلكيين والمنجّمين ونقرأ الأبراج، وأن نقوم بأيّ شيء يجعل مرارة هذا الانتظار أقلّ وطأة، كتحقيق انتصارات صغيرة، وخلق معارك جانبية مبتذلة نفرغ فيها غضبنا وألمنا وقلّة حيلتنا بشكل هستيري.

وترانا نمعن في تحليل التحليلات، وتأويل التأويلات، وتكثيف العناوين السابحة على شريط الأخبار، دون أن نصل إلى لحظة واضحة ينكشف فيها الضباب وتشرق فيها الشمس لتتضح الصورة، أو نصل إلى قرار، شعور قاتل بالعجز والانتظار، حيث يئنّ الشعب السوري بالداخل السوري تحت وطأة الفقر والبرد والجوع والإذلال، والتغيير الديموغرافي، والحرمان من الحقوق، وحيث يواجه القتل اليومي تحت رحى الحرب العبثية بأدواتها القذرة، سواء عبر النظام وحلفائه، أو القوى المتطرّفة، أو قوى الأمر الواقع بمختلف ارتباطاتها وانتماءاتها، حرب لم تنتهِ بعد، تنفّذ بالوكالة، ويدفع ثمنها المدنيون السوريون في كل مكان من سوريا التي تم احتلالها وتقاسمها على مرأى ومسمع من الجميع.

يفشل قطاع الخدمات في داخل سوريا، حيث غابت أجيال بكاملها عن منظومة التعليم، وحيث يرضخ المواطن المسكين للعوز وللقدرة على تحصيل كل الخدمات التي تتعلق بالتموين والصحة والحصول على الوقود والدواء والكهرباء، في سوريا يتم استخدام الأطفال في الحروب وتجنيدهم ضمن ميليشيات، ويتم غسل أدمغتهم بأيدولوجيا سياسية أو دينية أو عصبية، في سوريا يئنّ المعتقلون والمعتقلات تحت سياط الجلادين كل يوم، ويقتلون تحت التعذيب، حيث نقف أمام هول الفاجعة، حيث مئات الآلاف من المختفين قسرياً والمغيبين، معتقلين، مخطوفين أو مجهولي المصير.

يحدث اليوم في سوريا أن يتاجر بالنساء، كما يحدث أن يتم استغلاهنّ، تعذيبهنّ، اغتصابهن، سواء بالمعتقلات وبأماكن احتجازهن، كمخطوفات، وحتى في المخيمات، بل إنّ النساء تم يبعهنّ كسبايا على يد الفصائل المتطرّفة القذرة في بعض المحطات من الصراع الدامي، يحدث أيضاً أن تزوج القاصرات وتعنّف النساء، ويمارس القانون بذاته العنف القانوني ضد النساء. في سوريا تضيع الحقوق القانونية، فيما يتعلق بالملكية، ويُستولى على الأملاك، سواء من قبل النظام، أو المحتالين، أو فصائل وقوى الأمر الواقع، في سوريا تضيع الحقوق ويضيع الناس ولا أحد يكترث.

يخطِئ من يظنّ أنّ السوريين في الخارج يعيشون باستقرار أو أنّهم قد تجاوزوا المحنة، فالسوريون في الخارج يعانون من التهجير والحرمان، حيث يواجهون أسوأ الظروف الإنسانية والطبيعية في مخيمات اللجوء ودول الجوار، فيفترسهم الفقر والاستغلال والبرد، والحرمان ويقتلهم الانتظار، ثم يتم استخدامهم كورقة سياسية يتم الإتجار بها من قبل قادة تلك الدول ليحققوا من خلالها مكاسب سياسية على المستوى الدولي، أو انتخابية محلية على مستوى تلك الدول، ومن خلال المزيد من المعونات الدولية لدولهم، المجتمع السوري اليوم قد تم تفتيته، أفراداً وأسراً ومؤسسات، يعاني الفرد فيه من الصدمات النفسية، ويعيش ما يسمى حالة ما بعد الصدمة، ويتنازع السوريون اليوم أينما كانوا الهويات الضيقة، ويعانون التشرّد والتشتّت في كل أصقاع المعمورة، حيث خسروا كل مكتسباتهم ووجودهم، وهم مضطرون للبدء من الصفر مجدداً وكأنّهم لم يكونوا سابقاً، في مجتمعات جديدة قد تتقبلهم وقد لا تتقبلهم.

مرّ عقد من الزمن منذ أن بدأنا الانتظار.. ننتظر خبراً.. حلماً.. حدثاً.. انفراجاً.. وأتساءل، هل كانت المشكلة فينا، أم بأحلامنا، أم بكل العالم من حولنا؟ حيث كانت أصغر من الاتساع لحلمنا، وكأن أجسادنا وأرواحنا تعيش إحساس السقوط في كابوس قرّر أن يحلّ مكان أحلامنا المعلقة حتى إشعار آخر، حيث يحدث أن نرتطم بأرض الواقع مرة بعد مرة، دون أن يتاح لنا للأسف أن نستيقظ لنأخذ نفساً وندرك أنّه كابوس، عسى أن نلتقي بحلمنا بدلاً من هذا الكابوس المرعب يوماً ما.

ليفانت – ريما فليحان

طوال السنوات العشر الماضية ونحن ننتظر، نعيش سردية الانتظار بأدقّ تفاصيله، حيث يفترسنا القلق والتوق والحنين لمستقبل تخيلناه ولم نعرفه، ووطن أحببناه ولم يحبنا، نعيش على مدى تلك السنوات ونحن نلاحق تصريحات الدبلوماسية العالمية، المعارضين السوريين، النظام، الأمم المتحدة، قادة كل الدول والقوى والمجموعات التي ارتأت أنّ لها حق الوصاية على مصائرنا. 

إن نبسوا ولو بحرف يتعلّق ببلدنا، أو بحلمنا المصلوب النازف على تلال آمالنا، وصل بنا اليأس لنلاحق توقعات الفلكيين والمنجّمين ونقرأ الأبراج، وأن نقوم بأيّ شيء يجعل مرارة هذا الانتظار أقلّ وطأة، كتحقيق انتصارات صغيرة، وخلق معارك جانبية مبتذلة نفرغ فيها غضبنا وألمنا وقلّة حيلتنا بشكل هستيري.

وترانا نمعن في تحليل التحليلات، وتأويل التأويلات، وتكثيف العناوين السابحة على شريط الأخبار، دون أن نصل إلى لحظة واضحة ينكشف فيها الضباب وتشرق فيها الشمس لتتضح الصورة، أو نصل إلى قرار، شعور قاتل بالعجز والانتظار، حيث يئنّ الشعب السوري بالداخل السوري تحت وطأة الفقر والبرد والجوع والإذلال، والتغيير الديموغرافي، والحرمان من الحقوق، وحيث يواجه القتل اليومي تحت رحى الحرب العبثية بأدواتها القذرة، سواء عبر النظام وحلفائه، أو القوى المتطرّفة، أو قوى الأمر الواقع بمختلف ارتباطاتها وانتماءاتها، حرب لم تنتهِ بعد، تنفّذ بالوكالة، ويدفع ثمنها المدنيون السوريون في كل مكان من سوريا التي تم احتلالها وتقاسمها على مرأى ومسمع من الجميع.

يفشل قطاع الخدمات في داخل سوريا، حيث غابت أجيال بكاملها عن منظومة التعليم، وحيث يرضخ المواطن المسكين للعوز وللقدرة على تحصيل كل الخدمات التي تتعلق بالتموين والصحة والحصول على الوقود والدواء والكهرباء، في سوريا يتم استخدام الأطفال في الحروب وتجنيدهم ضمن ميليشيات، ويتم غسل أدمغتهم بأيدولوجيا سياسية أو دينية أو عصبية، في سوريا يئنّ المعتقلون والمعتقلات تحت سياط الجلادين كل يوم، ويقتلون تحت التعذيب، حيث نقف أمام هول الفاجعة، حيث مئات الآلاف من المختفين قسرياً والمغيبين، معتقلين، مخطوفين أو مجهولي المصير.

يحدث اليوم في سوريا أن يتاجر بالنساء، كما يحدث أن يتم استغلاهنّ، تعذيبهنّ، اغتصابهن، سواء بالمعتقلات وبأماكن احتجازهن، كمخطوفات، وحتى في المخيمات، بل إنّ النساء تم يبعهنّ كسبايا على يد الفصائل المتطرّفة القذرة في بعض المحطات من الصراع الدامي، يحدث أيضاً أن تزوج القاصرات وتعنّف النساء، ويمارس القانون بذاته العنف القانوني ضد النساء. في سوريا تضيع الحقوق القانونية، فيما يتعلق بالملكية، ويُستولى على الأملاك، سواء من قبل النظام، أو المحتالين، أو فصائل وقوى الأمر الواقع، في سوريا تضيع الحقوق ويضيع الناس ولا أحد يكترث.

يخطِئ من يظنّ أنّ السوريين في الخارج يعيشون باستقرار أو أنّهم قد تجاوزوا المحنة، فالسوريون في الخارج يعانون من التهجير والحرمان، حيث يواجهون أسوأ الظروف الإنسانية والطبيعية في مخيمات اللجوء ودول الجوار، فيفترسهم الفقر والاستغلال والبرد، والحرمان ويقتلهم الانتظار، ثم يتم استخدامهم كورقة سياسية يتم الإتجار بها من قبل قادة تلك الدول ليحققوا من خلالها مكاسب سياسية على المستوى الدولي، أو انتخابية محلية على مستوى تلك الدول، ومن خلال المزيد من المعونات الدولية لدولهم، المجتمع السوري اليوم قد تم تفتيته، أفراداً وأسراً ومؤسسات، يعاني الفرد فيه من الصدمات النفسية، ويعيش ما يسمى حالة ما بعد الصدمة، ويتنازع السوريون اليوم أينما كانوا الهويات الضيقة، ويعانون التشرّد والتشتّت في كل أصقاع المعمورة، حيث خسروا كل مكتسباتهم ووجودهم، وهم مضطرون للبدء من الصفر مجدداً وكأنّهم لم يكونوا سابقاً، في مجتمعات جديدة قد تتقبلهم وقد لا تتقبلهم.

مرّ عقد من الزمن منذ أن بدأنا الانتظار.. ننتظر خبراً.. حلماً.. حدثاً.. انفراجاً.. وأتساءل، هل كانت المشكلة فينا، أم بأحلامنا، أم بكل العالم من حولنا؟ حيث كانت أصغر من الاتساع لحلمنا، وكأن أجسادنا وأرواحنا تعيش إحساس السقوط في كابوس قرّر أن يحلّ مكان أحلامنا المعلقة حتى إشعار آخر، حيث يحدث أن نرتطم بأرض الواقع مرة بعد مرة، دون أن يتاح لنا للأسف أن نستيقظ لنأخذ نفساً وندرك أنّه كابوس، عسى أن نلتقي بحلمنا بدلاً من هذا الكابوس المرعب يوماً ما.

ليفانت – ريما فليحان

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit