ناغورني قره باغ.. صراعات الماضي ومآلات الحاضر | The Levant

ناغورني قره باغ.. صراعات الماضي ومآلات الحاضر

آلان عبد القادر
آلان عبد القادر

يعدّ إقليم ناغورني قره باغ ذا أهمية إستراتيجية كبيرة، وذا موقع جغرافي بالغ الأهمية، يتميز أيضاً بغنى أرضه بالبترول والغاز ومناجم الذهب، كل هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى أن يكون هذا الإقليم ساحة صراع دائم منذ القدم، وحتى وقتنا الحاضر.

بدأ الصراع في هذا الإقليم منذ عشرينات القرن الماضي، حيث قام جوزيف ستالين (أثناء الحقبة السوفيتية) بتطبيق سياسة التفريق بين الإثنيات وإشعال نار العداء بينها وتفتيت قواها، وتعمَّد بضم الأقلية الأرمينية من سكان قره باغ (كاراباخ) داخل حدود أذربيجان رغم رغبة السكان في التبعية الأرمنية، وبالمقابل فقد أبقى الأقلية الأذربيجانية في إقليم ناختشيفان داخل جمهورية أرمينيا.

ومع بداية عهد لينين في 7 تموز عام 1923، تأسست جمهورية كوردية ذاتية الحكم تابعة لحكومة أذربيجان، سميت بـكردستان الحمراء وعاصمتها لاتشين، وكانت تضم مدن كلباجار وقوبادلي، والتي تقع اليوم داخل منطقة ناغورني قره باغ، وكان الكرد يشكلون 72 % من سكانها، لكنها انتهت بشكل تراجيدي في 8 نيسان عام 1929، إذ إنّ تدخل ستالين والقمع السوفييتي المستمر ضد الأقليات في القفقاس (القوقاز)، أدّى إلى اضمحلال الوجود الكردي عبر تطبيق سياسات التتريك الآذرية والتهجير السوفياتية التي اتبعها ستالين، حيث هجر الآلاف من الكرد من أذربيجان وأرمينيا وجورجيا إلى قفاري كازاخستان وسيبيريا، ليُلاقوا هناك الموت المحتم بدعوى مساندتهُم للهجوم النازي، وقد شمل هذا التهجير أغلبية الأقليات والقوميات الصغيرة في القوقاز (شيشان، أبخاز، أكراد، داغستانيين) بين أعوام 1935 /1944.

حيث بقي الوضع مجمداً تحت السياسة القمعية السوفيتية (الحديد والنار)، إلى أن تراخت في عهد كورباتشوف. وفي شباط عام 1988 تجرّأ المجلس السوفييتي القره باغي وطلب من موسكو انضمام ناغورني قره باغ إلى أرمينيا، فاعترض القادة الأذريون لدى موسكو، ثم اشتبك وتصارع الأذر مع الأرمن في قره باغ، ليتحول الصراع بسرعة إلى حرب أهلية خلَّفت قتلى وجرحى ولاجئين من الطَّرفين. وفي كانون الأول من عام 1989 أعلن المجلس السوفييتي الأرمني توحيد إقليم ناغورني قره باغ مع جمهورية أرمينيا.

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي في 25/12/1991، وتحديداً في مطلع عام 1992 تم إعلان استقلال إقليم ناغورني قره باغ عن أذربيجان دون الانضمام إلى أرمينيا، فأمدَّت أرمينيا المقاتلين في إقليم قره باغ بالسلاح والرجال، بل وتوغلت القوات الأرمنية إلى داخل أذربيجان فاحتلت رواق لاتشين (وهو الشريط الفاصل جغرافياً لقره باغ عن أرمينيا)، واحتلَّتْ أراض من 6 مقاطعات أخرى شرق وجنوب قرة باغ، وفي منتصف عام 1993 احتلَّت القوات الأرمينية 20 % من مُجمل أراضي أذربيجان. وبعد استيلاء القوات الأرمينية على مقاطعة لاتشين قامت عمداً بتشريد ما تبقى من سكانها الأذربيجانيين والأكراد بالقوة ليصبحوا لاجئين داخل معسكرات أذربيجانية عديدة (منها حول العاصمة باكو)، ووطنت بدلاً عنهُم لاجئين أرمن من أذربيجان وسكاناً أرمن من أرمينيا وأرمن من بلدان أخرى، ووعدت بإعطائهم أراضٍ ومواشٍ وفوائد اجتماعية، وهو ما حصل بالفعل.

وفي مسعى لوقف الحرب، أصدر مجلس الأمن عام 1993 قراره رقم 822، وطالب فيه القوات الأرمينية بالانسحاب من الأقاليم المحتلة في أذربيجان، لكن القوات الأرمينية لم تمتثل للقرار وأعلنت عن جمهورية ناغورني قره باغ دون أن تعترف بها أيَّةُ دولة. واستمرَّت أرمينيا في التعامل معها كجزء منها. وانتهى القتال بين أذربيجان وأرمينيا على ناغورني قره باغ عام 1994، عندما تم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين، لكن جبهة ناغورني قره باغ وعلى مدار العقدين ونيف السابقين لم تهدأ من التوترات والمناوشات العسكرية بين الجانبين، رغم محاولات المجتمع الدولي وقيام وساطة روسية أميركية فرنسية تحت اسم “مجموعة مينسك”، لحثّ البلدين على توقيع اتفاق سلام يضع حداً لنهاية هذا الصراع، لكن هذا الإقليم بقي في محور العلاقات المتوترة بين يريفان وباكو.

في الوقت الحاضر، فإنّ إقليم ناغورني قره باغ يعتبر من حيث الواقع دولة مستقلة مسماة بجمهورية ناغورني قره باغ، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع جمهورية أرمينيا وتستخدم عملتها القومية، وترتبط الحياة السياسية فيها مع أرمينيا ارتباطاً وثيقاً. وتعرضت السلطات الأرمنية وما تزال تتعرّض دوماً لضغوط من طرف القوى الداخلية الداعية إلى ضم إقليم قره باغ لأرمينيا، غير أنّها لا تجرؤ على ذلك خوفاً من رد الفعل الدولي الذي ما يزال يعتبر قره باغ جزءاً من أذربيجان.

مؤخراً في 27 سبتمبر (أيلول) عام 2020، حصلت اشتباكات جديدة بين الجانبين الأرمني والأذربيجاني، ولم تكن تلك الاشتباكات سوى سلسلة طويلة من أوضاع وقف إطلاق نار هش تعيشه المنطقة الواقعة في قلب القوقاز، فالاشتباكات الأخيرة أتت في أعقاب تصعيد على طول الحدود بين البلدين، إذ لاحت نذر الحرب مجدداً بين أذربيجان وأرمينيا مع اندلاع جولة عنيفة جديدة من التصعيد العسكري في الإقليم، حيث سقط قتلى وجرحى من الجانبين، وأعلن الأرمن حالة الحرب وسط دعوات إقليمية ودولية لوقف القتال، إذ أعلن رئيس الإدارة الأرمينية، أرايك أرتونيان، حالة الحرب والتعبئة العامة في جميع أراضي الإقليم، وقال خلال جلسة طارئة للبرلمان في عاصمة الإقليم ستيباناكرت، أنّه قرر إعلان الأحكام العرفية وتعبئة جميع الذكور القادرين على الخدمة العسكرية، ممن تتجاوز أعمارهم 18 عاماً.

ومع اشتداد المعارك واستمرارها، تدخلت موسكو على خط النزاع بين الجانبين، الأرمني والأذربيجاني، إذ أعلن عن مفاوضات بين الطرفين وعلى إثرها تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إلا أنّ اتفاق وقف إطلاق النار هذا بين الطرفين بقي هشاً، وذلك لأنّ كل طرف ظل متمسكاً بموقفه، فأذربيجان تطالب بعودة الإقليم إلى سلطتها، بينما تدعم أرمينيا انفصال الإقليم عن أذربيجان، إذ لا بد من تدخل القوى الدولية الكبرى لفض هذا النزاع وإيجاد حل له، وإلا فإنّ هذه الحرب سوف تستمر وسوف تحصد مزيداً من الأرواح وستخلف المزيد من الخراب والدمار.

ليفانت – آلان عبد القادر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

ناغورني قره باغ.. صراعات الماضي ومآلات الحاضر

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب