مُسلسل الانحناء التركي أمام العاصفة الأوروبية يفشل.. والعقوبات رهن بالتراجع

تركيا

على مدار شهور عدة، وجهت أنقرة خطاباً تصعيدياً تجاه الدول الأوروبية، وبشكل خاص اليونان وقبرص، منذ بداية العام الجاري، عبر تهديد أثينا بموجات جديدة من اللاجئين السوريين، الذين تحولوا إلى ورقة إتجار تركي، يجري التلويح بها كلما شدّ شديد، ومن ثم عبر شراء سفينة تنقيب ثالثة، في فبراير الماضي، في إطار مساعيها لاستغلال اتفاقها مع حكومة الوفاق الإخوانية في ليبيا، والتي أثارت حفيظة الأوروبيين ومختلف دول حوض المتوسط.

كما شهد العام الجاري، توجيه اليونان (على سبيل المثال) العديد من الاتهامات لـتركيا، ففي مارس الماضي، قالت أثينا إنّ أنقرة تحولت إلى مُهرّب رئيس للبشر، وذكرت أنّها تكذب بخصوص أعداد المهاجرين لديها، وأكد وقتها رئيس الوزراء اليوناني، أنّ اتفاق الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا “ميت”، فيما دعمت بروكسل أثينا بالأموال لحماية حدود الاتحاد، وأرسلت قوّاتها لحماية حدود القارة، بينما دعا المستشار النمساوي، سيباستيان كورتز، الاتحاد الأوروبي إلى عدم الاستجابة للضغوط التي يمارسها أردوغان.

ملف شرق المتوسط

وإلى جانب كل تلك الملفات الشائكة والمعقدة التي أقحمت أنقرة نفسها فيها، جاء ملف التنقيب شرق المتوسط ليزيد الطين بلة، فتضخمت معها كرة اللهب أكثر، للحدّ الذي جعل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يقول فيه، في الثامن والعشرين من أغسطس الماضي، بأنّه اتخذ “موقفاً صارماً” فيما يرتبط بأعمال تركيا في شرق المتوسط من خلال وضع “خطوط حمراء” أمامها، مشيراً إلى أنّ أنقرة “لا تحترم سوى الأفعال”.

 

خطٌ أحمر فرنسي، أعاد وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، التلميح إليه، في السادس من سبتمبر، عندما أكد أنّ اجتماع المجلس الأوروبي (بداية أكتوبر)، سيُخصّص في الدرجة الأولى للمسألة التركية والتوتر شرق المتوسط، وخاصة للنظر في فرض عقوبات على أنقرة، متّهماً أردوغان بخلق “جو إسلامي- قومي” يهدف إلى “إخفاء حقيقة الوضع الاقتصادي في تركيا”.

وأردف الوزير الفرنسي، آنذاك: “نقول لتركيا.. من الآن وحتى عقد المجلس الأوروبي، يجب إبداء القدرة على مناقشة شرق المتوسط أولاً”، متابعاً أنّ “أمر مناقشة هذه المسألة يعود للأتراك.. هذا ممكن!”، وأكمل بالقول: “حينها، ندخل في مرحلة فعالة حول جميع المشاكل المطروحة”.

الرسالة الفرنسية وصلت.. وتركيا: سمعاً وطاعة

تحذيرات أدركت معها أنقرة أنّ الرياح في المتوسط لا تسير كما تشتهي سفنها، بالرغم من استعراض العضلات الذي حاولت التباهي به، لكنه أثبت خيبته كما في كل مرة، مثلما حصل في إدلب، التي خسرت فيها أنقرة قرابة نصف المساحة المسيطر عليها من قبل مسلحين موالين لها، وفي ليبيا التي رسمت فيها مصر خطاً أحمر متمثلاً بخط سرت الجفرة، وأخيراً فرنسا التي رسمت خطوطاً حمراء لتركيا في المتوسط.

ليباشر عقبها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، البحث عن منافذ للخروج من المأزق الذي أقحم نفسه فيه، فطلب في السابع من سبتمبر، من المجلس الأوروبي، إقناع اليونان ودول أوروبية أخرى بالتراجع في شرق المتوسط، لكن رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، رفض ذلك، وذكر في العاشر من سبتمبر، أنّه يتوجب على بروكسل أن تفرض عقوبات “مجدية” على أنقرة، إذا لم تسحب قطعها البحرية من المناطق المتنازع عليها شرق المتوسط.

 

ولفت ميتسوتاكيس أنّ “عليهم التراجع (في إشارة إلى الأتراك) والعودة إلى الطاولة واستئناف العمل من النقطة التي غادروا عندها، عندما تركوا المحادثات الاستكشافية في العام 2016، وإن لم نستطع أن نتّفق، فعلينا السعي إلى حلّ في لاهاي”، في إشارة إلى المحكمة الدولية التي تنظر في النزاعات بشأن السيادة.

مسلسل الانحاء التركي

ومع تيقنها من أنّ العاصفة الأوروبية قادمة لا محالة تحت مسمى “العقوبات”، تواصل مسلسل الانحاء التركي، سعياً لتجنب الانكسار، خاصة من الناحية الاقتصادية، إذ بدأت تلامس الليرة التركية مؤخراً عتبة الـ7.8 ليرة لكل دولار، وهو رقم يشير لانهيار كبير وفق متابعي الاقتصاد التركي، ولن تكون أنقرة سعيدة أبداً بعقوبات قد تُخرج الأتراك في الداخل عن طورهم.

فذكر الناطق الرئاسي التركي، إبراهيم قالن، في العشرين من سبتمبر، أنّ أنقرة وأثينا قد تستأنفان في وقت قريب المفاوضات بخصوص مطالبات كل منهما في البحر المتوسط، بيد أنّه اعتبر أنّ تهديد زعماء الاتحاد الأوروبي، بفرض عقوبات على أنقرة، لن يجدي نفعاً، متناسياً أنّه لولا التلويح بتلك العصا، لما فكر المتحكمون بالقرار في أنقرة في بحث الحوار من أساسه، إذ ما لبثت أنقرة أن سحبت سفينتها “أوروتش رئيس”، في الثالث عشر من سبتمبر، عقب قمة أوروبية متوسطية جمعت سبع دول بقيادة فرنسا، في العاشر من ذات الشهر، في جزيرة كورسيكا، حيث تذرّع الاتراك بأنّ (أوروتش) ستشهد أعمال صيانة دورية.

 

وفي الثاني والعشرين من سبتمبر، شدّدت الرئاسة التركية، على جاهزية أنقرة وأثينا لاستئناف المحادثات الاستكشافية، بغية حل الخلافات بين الدولتين في شرق البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة، وأتى في بيان للرئاسة التركية، أنّ القمة التي جمعت أردوغان، والمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، شارل ميشيل، “ناقشت مستجدات الأوضاع في شرق المتوسط، وأكدت استعداد تركيا واليونان للشروع بمحادثات استكشافية”.

وفي الثامن والعشرين من سبتمبر، قال إبراهيم قالن، الناطق باسم أردوغان، إنّ بلاده ترى في قمة الاتحاد الأوروبي المقبلة، فرصة لإصلاح العلاقات بين أنقرة وبروكسل، وعقبها بيوم، وتحديداً، في التاسع والعشرين من سبتمبر، أعلنت وزارة الدفاع التركية، انتهاء الاجتماع الفني السادس بين الوفدين العسكريين، التركي واليوناني، والمخصّص لبحث “أساليب فضّ النزاع”، في مقرّ الناتو ببروكسل.

فات الأوان

لكن، ورغم محاولات أنقرة تحسين صورتها قبيل الاجتماع الأوروبي، لا يبدو أنّها تمكّنت من إصلاح ما أفسده “أردوغان”، فقد انتهت القمة الأوروبية، أمس الجمعة/ الثاني من أكتوبر، في بروكسل، بعد أن وجّه قادة الدول الأوروبية، التحذير الأخير إلى تركيا، من مواصلة التنقيب غير القانوني في شرق المتوسط، مع بقاء خيار العقوبات مطروحاً إذا لم تتوقف أنقرة عن التنقيب عن الغاز، عبر إخضاع الأخيرة لمُراقبة خطواتها في شرق المتوسط.

وقد منح الأوروبيون الجانب التركي مهلة ثلاثة أشهر، لوقف انتهاكاته للسيادة المائية اليونانية والقبرصية، إذ سيعود القادة الأوروبيون للنظر في السلوك التركي خلال قمتهم المقبلة، في ديسمبر (كانون الأول)، فيما قالت رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين: “إنّ العقوبات يمكن فرضها بشكل فوري، وهي جاهزة في حال استمرّت أنقرة في أنشطتها غير الشرعيّة”.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

على مدار شهور عدة، وجهت أنقرة خطاباً تصعيدياً تجاه الدول الأوروبية، وبشكل خاص اليونان وقبرص، منذ بداية العام الجاري، عبر تهديد أثينا بموجات جديدة من اللاجئين السوريين، الذين تحولوا إلى ورقة إتجار تركي، يجري التلويح بها كلما شدّ شديد، ومن ثم عبر شراء سفينة تنقيب ثالثة، في فبراير الماضي، في إطار مساعيها لاستغلال اتفاقها مع حكومة الوفاق الإخوانية في ليبيا، والتي أثارت حفيظة الأوروبيين ومختلف دول حوض المتوسط.

كما شهد العام الجاري، توجيه اليونان (على سبيل المثال) العديد من الاتهامات لـتركيا، ففي مارس الماضي، قالت أثينا إنّ أنقرة تحولت إلى مُهرّب رئيس للبشر، وذكرت أنّها تكذب بخصوص أعداد المهاجرين لديها، وأكد وقتها رئيس الوزراء اليوناني، أنّ اتفاق الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا “ميت”، فيما دعمت بروكسل أثينا بالأموال لحماية حدود الاتحاد، وأرسلت قوّاتها لحماية حدود القارة، بينما دعا المستشار النمساوي، سيباستيان كورتز، الاتحاد الأوروبي إلى عدم الاستجابة للضغوط التي يمارسها أردوغان.

ملف شرق المتوسط

وإلى جانب كل تلك الملفات الشائكة والمعقدة التي أقحمت أنقرة نفسها فيها، جاء ملف التنقيب شرق المتوسط ليزيد الطين بلة، فتضخمت معها كرة اللهب أكثر، للحدّ الذي جعل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يقول فيه، في الثامن والعشرين من أغسطس الماضي، بأنّه اتخذ “موقفاً صارماً” فيما يرتبط بأعمال تركيا في شرق المتوسط من خلال وضع “خطوط حمراء” أمامها، مشيراً إلى أنّ أنقرة “لا تحترم سوى الأفعال”.

 

خطٌ أحمر فرنسي، أعاد وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، التلميح إليه، في السادس من سبتمبر، عندما أكد أنّ اجتماع المجلس الأوروبي (بداية أكتوبر)، سيُخصّص في الدرجة الأولى للمسألة التركية والتوتر شرق المتوسط، وخاصة للنظر في فرض عقوبات على أنقرة، متّهماً أردوغان بخلق “جو إسلامي- قومي” يهدف إلى “إخفاء حقيقة الوضع الاقتصادي في تركيا”.

وأردف الوزير الفرنسي، آنذاك: “نقول لتركيا.. من الآن وحتى عقد المجلس الأوروبي، يجب إبداء القدرة على مناقشة شرق المتوسط أولاً”، متابعاً أنّ “أمر مناقشة هذه المسألة يعود للأتراك.. هذا ممكن!”، وأكمل بالقول: “حينها، ندخل في مرحلة فعالة حول جميع المشاكل المطروحة”.

الرسالة الفرنسية وصلت.. وتركيا: سمعاً وطاعة

تحذيرات أدركت معها أنقرة أنّ الرياح في المتوسط لا تسير كما تشتهي سفنها، بالرغم من استعراض العضلات الذي حاولت التباهي به، لكنه أثبت خيبته كما في كل مرة، مثلما حصل في إدلب، التي خسرت فيها أنقرة قرابة نصف المساحة المسيطر عليها من قبل مسلحين موالين لها، وفي ليبيا التي رسمت فيها مصر خطاً أحمر متمثلاً بخط سرت الجفرة، وأخيراً فرنسا التي رسمت خطوطاً حمراء لتركيا في المتوسط.

ليباشر عقبها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، البحث عن منافذ للخروج من المأزق الذي أقحم نفسه فيه، فطلب في السابع من سبتمبر، من المجلس الأوروبي، إقناع اليونان ودول أوروبية أخرى بالتراجع في شرق المتوسط، لكن رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، رفض ذلك، وذكر في العاشر من سبتمبر، أنّه يتوجب على بروكسل أن تفرض عقوبات “مجدية” على أنقرة، إذا لم تسحب قطعها البحرية من المناطق المتنازع عليها شرق المتوسط.

 

ولفت ميتسوتاكيس أنّ “عليهم التراجع (في إشارة إلى الأتراك) والعودة إلى الطاولة واستئناف العمل من النقطة التي غادروا عندها، عندما تركوا المحادثات الاستكشافية في العام 2016، وإن لم نستطع أن نتّفق، فعلينا السعي إلى حلّ في لاهاي”، في إشارة إلى المحكمة الدولية التي تنظر في النزاعات بشأن السيادة.

مسلسل الانحاء التركي

ومع تيقنها من أنّ العاصفة الأوروبية قادمة لا محالة تحت مسمى “العقوبات”، تواصل مسلسل الانحاء التركي، سعياً لتجنب الانكسار، خاصة من الناحية الاقتصادية، إذ بدأت تلامس الليرة التركية مؤخراً عتبة الـ7.8 ليرة لكل دولار، وهو رقم يشير لانهيار كبير وفق متابعي الاقتصاد التركي، ولن تكون أنقرة سعيدة أبداً بعقوبات قد تُخرج الأتراك في الداخل عن طورهم.

فذكر الناطق الرئاسي التركي، إبراهيم قالن، في العشرين من سبتمبر، أنّ أنقرة وأثينا قد تستأنفان في وقت قريب المفاوضات بخصوص مطالبات كل منهما في البحر المتوسط، بيد أنّه اعتبر أنّ تهديد زعماء الاتحاد الأوروبي، بفرض عقوبات على أنقرة، لن يجدي نفعاً، متناسياً أنّه لولا التلويح بتلك العصا، لما فكر المتحكمون بالقرار في أنقرة في بحث الحوار من أساسه، إذ ما لبثت أنقرة أن سحبت سفينتها “أوروتش رئيس”، في الثالث عشر من سبتمبر، عقب قمة أوروبية متوسطية جمعت سبع دول بقيادة فرنسا، في العاشر من ذات الشهر، في جزيرة كورسيكا، حيث تذرّع الاتراك بأنّ (أوروتش) ستشهد أعمال صيانة دورية.

 

وفي الثاني والعشرين من سبتمبر، شدّدت الرئاسة التركية، على جاهزية أنقرة وأثينا لاستئناف المحادثات الاستكشافية، بغية حل الخلافات بين الدولتين في شرق البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة، وأتى في بيان للرئاسة التركية، أنّ القمة التي جمعت أردوغان، والمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، شارل ميشيل، “ناقشت مستجدات الأوضاع في شرق المتوسط، وأكدت استعداد تركيا واليونان للشروع بمحادثات استكشافية”.

وفي الثامن والعشرين من سبتمبر، قال إبراهيم قالن، الناطق باسم أردوغان، إنّ بلاده ترى في قمة الاتحاد الأوروبي المقبلة، فرصة لإصلاح العلاقات بين أنقرة وبروكسل، وعقبها بيوم، وتحديداً، في التاسع والعشرين من سبتمبر، أعلنت وزارة الدفاع التركية، انتهاء الاجتماع الفني السادس بين الوفدين العسكريين، التركي واليوناني، والمخصّص لبحث “أساليب فضّ النزاع”، في مقرّ الناتو ببروكسل.

فات الأوان

لكن، ورغم محاولات أنقرة تحسين صورتها قبيل الاجتماع الأوروبي، لا يبدو أنّها تمكّنت من إصلاح ما أفسده “أردوغان”، فقد انتهت القمة الأوروبية، أمس الجمعة/ الثاني من أكتوبر، في بروكسل، بعد أن وجّه قادة الدول الأوروبية، التحذير الأخير إلى تركيا، من مواصلة التنقيب غير القانوني في شرق المتوسط، مع بقاء خيار العقوبات مطروحاً إذا لم تتوقف أنقرة عن التنقيب عن الغاز، عبر إخضاع الأخيرة لمُراقبة خطواتها في شرق المتوسط.

وقد منح الأوروبيون الجانب التركي مهلة ثلاثة أشهر، لوقف انتهاكاته للسيادة المائية اليونانية والقبرصية، إذ سيعود القادة الأوروبيون للنظر في السلوك التركي خلال قمتهم المقبلة، في ديسمبر (كانون الأول)، فيما قالت رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين: “إنّ العقوبات يمكن فرضها بشكل فوري، وهي جاهزة في حال استمرّت أنقرة في أنشطتها غير الشرعيّة”.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit