من هم الوطنييون المستقلون في الحالة الكردية السورية؟

صلاح بدر الدين

تعريف السياسي المستقلّ، كما جاء في المراجع العلمية، من معاني الاستقلالية السياسية، الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بل إنّ من مفاهيم الاستقلالية هي أن يقف المستقل مع الحق بالقراءة والدليل، بشرط ألا يكون منتفعاً من أحد، فلو كان منتفعاً من أحد سقطت عنه صفة الاستقلالية، وليس المستقل هو الذي لا ينتمي إلى هذا الحزب أو ذاك التنظيم أو هذه الفكرة أو تلك فقط، بل إنّ الاستقلالية هي مفهوم عميق. الوطنييون المستقلون 

هي تبنّي قضايا الجماهير المظلومة والدفاع عنها، وتعرية المتربّصين والمنتفعين والمتسلقين الذين أمسوا أبواقاً، تهتف بحياة هذا الحزب، وتحمد لذاك الزعيم. المستقل الحقيقي هو ذلك الإنسان المستنير، والمثقف، والسياسي، والمتواضع، الذي يُقرّ بأنّه أخطأ هنا وأصاب هناك، على عكس غيره من المغالين.

المستقلّ في الحالة الكردية السورية

لايمكن توصيف السياسي الكردي المستقل، من دون التوقف على الظروف الزمانية والمكانية والحالة العامة التي تمر بها سوريا، والخصوصيات التي تحيط بشكل ومضمون الحركة الكردية، فمن المعلوم أنّ عشرة أعوام على اندلاع الثورة السورية، وانعكاساتها على الوضع الكردي السوري، جمهوراً، وأحزاباً، وتطورات متسارعة، قد أفرزت الكثير من النتائج والعبر والدروس، من أهمها هزيمة القوى والأحزاب التقليدية، من قومية، وإسلامية، ويسارية، على الصعيد الوطني العام، وتحملها مسؤولية تراجع الثورة، وإخفاق المعارضة، وإضافة المزيد من التعقيد على القضية السورية.

أضيفت هذه المحصلة من النتائج السلبية، إلى تراكمات سابقة مشابهة، حصلت بالساحة الكردية في مراحل سابقة، وتحديداً عام ٢٠٠٤، عندما توقفت الهبة الكردية الآذارية الدفاعية في مكانها، من دون التحوّل الى انتفاضة كردية- سورية، بسبب هزالة وعجز الأحزاب الكردية التقليدية، وقد أشارت النخب الفكرية والثقافية الكردية الى مكامن الخلل، واستخلصت نتائجها الكارثية في حينها، والتي تتلخص في سقوط الحزب الكردي وانتهاء دوره ووظيفته في قيادة النضال القومي والوطني، حيث تتالت الانسلاخات الهادئة من دون ضجيج عن الهياكل الحزبية، وابتعد الكثيرون من الكوادر المتوسطة والقاعدية عن العمل الحزبي، الذي تحوّل عاراً في الوسط الشعبي الكردي، مما دفع كل ذلك إلى اصطفافات سياسية مستجدة، وظهور كتلة تاريخية من مناضلين حزبيين سابقين، اندمجوا مع وطنيين محايدين، ومع الحراك الشبابي الصاعد عبر التنسيقيات، ذلك الحراك لم يكن صنيعة الأحزاب، بل ظهر متقدماً سياسياً على الهياكل الحزبية، ومعبراً بصدق عن هموم وطموحات الشارع الكردي منذ الأيام الأولى للانتفاضة السورية.

نبذة تاريخيّة سريعة عن المستقلّ عبر مسار الحركة الكرديّة السوريّة

منذ نشوء الحزب الكردي الأول عام ١٩٥٧، وفي مرحلة التمدّد التنظيمي وتعيين وانتخاب المسؤولين بالمحافظات والمناطق، ومنذ الوهلة الأولى لنشوب الصراعات داخل اللجنة المركزية، والمكتب السياسي، استخدمت عبارة “كتلة المستقلين” للمرة الأولى في منطقة الجزيرة، من وطنيين ووجهاء، طالبوا بمواقع خاصة لهم ضمن قيادات الحزب، وتكرر المشهد بعد ذلك بعقود، بظهور لجان من الوطنيين أطلقت على نفسها صفة الحياد والمستقلين لإصلاح ذات البين بين (اليسار واليمين)، وسبق ذلك في عام ١٩٧٠، خلال المؤتمر التوحيدي “بناوبردان_ كردستان العراق” لحزبي اليسار واليمين، بمبادرة من الزعيم الكبير الراحل مصطفى بارزاني، ضم المؤتمر طيفاً من الوطنيين المستقلين الذين لم يكونوا منتظمين بالأحزاب، ثم اختيروا لرئاسة الحزب (الحيادي الجديد) الذي لم يدم طويلاً، وانفرط عقده الذي بني على أساسه، بعد انسحاب اليمين واليسار، وظلّت مجموعة لتستمرّ باسم حزبيّ مستجد.

في الآونة الأخيرة، ومن خلال مانشر حول مبادرة السيد “مظلوم عبدي” لتوحيد الصف الكردي، التي تقلصت إلى (اتفاق الأحزاب) الخمسة والعشرين، قيل أنّ نسبة معينة في أعضاء (المرجعية) المزمعة تشكيلها ستكون للمستقلين، من دون معرفة أوصاف وشروط وطبيعة أولئك المستقلين؟.

تغير الوضع بشكل جذري بعد عام ٢٠٠٤، مروراً بالعشر سنوات الأخيرة، حيث كما ذكرنا تراجعت جماهيرية الأحزاب الكردية السورية، ودبّ الانقسام بصفوفها، واخترقت صفوفها الأجهزة الأمنية بعهد اللواء الأمني “محمد منصورة”، مدير المخابرات العسكرية في القامشلي، والمسؤول عن الملف الكردي العام في حينه، (نهاية الثمانينات وحتى قبل أعوام)، ثم اشتداد الصراع بين أحزاب طرفي الاستقطاب (تف دم والأنكسي)، حيث تضاعفت أعداد الوطنيين المستقلين الذين غادروا صفوف الأحزاب المنقسمة على نفسها، والمتجاوزة كل معايير العمل الحزبي المعروفة.

محاولة في تعريف الوطنيين المستقلين الكرد السوريين

السياسي الكردي المستقل، هو منتمٍ للحركة الكردية، فكرياً وسياسياً، ومن حيث الالتزام الأخلاقي، يتمسك بحقوق شعبه المشروعة، ويسعى إلى إعادة بناء وتوحيد الحركة الكردية، واستعادة شرعيتها، عبر المؤتمر الكردي السوري الجامع بغالبية من الوطنيين المستقلين، الذين يشكلون النسبة الأكبر في الوقت الراهن بالساحة الوطنية، في الداخل والخارج، ويؤمن بعدم استبعاد أحد شرط قبول كل مشترك قرارات وتوصيات المؤتمر.

السياسي الكردي المستقل، يؤمن بأهداف الثورة السورية المغدورة، في زوال الاستبداد، وإجراء التغيير الديموقراطي، وبسوريا الجديدة التعددية التشاركية، وحل القضية الكردية حسب إرادة الكرد في تقرير مصيرهم السياسي والإداري، وبصيغة تناسب الطموحات المشروعة والحالة السورية، ضمن سوريا الموحدة، وبالتوافق مع الشريك العربي، وبضمانة الدستور الجديد المبني على العقد الاجتماعي السياسي الجديد.

السياسي الكردي المستقل، ليس تابعاً لحزب أو فرد أو جماعة، وهو يوجّه النقد للآخر بهدف الإصلاح والتراجع عن الخطأ، وليس طرفاً في صراعات الأحزاب والجماعات، ويؤمن بالحوار الديموقراطي السلمي دون عنف أو إكراه، وهو ليس بالضد من العمل المنظم، ويؤمن بأنّ أي شعب مناضل، وخاصة الكرد، بحاجة إلى وسائل التنظيم وأساليب النضال، ولكن بشكل ديموقراطي ونزيه، وهو مع نشر الثقافة والعلوم وتعزيز الجمعيات والمنظمات الثقافية والمهنية والفنية ومراكز البحث غير الحكومية، وغير المرتبطة بالأحزاب.

السياسي الكردي المستقل، يسعى إلى بناء العلاقات القومية المتينة مع الجوار الكردستاني، خصوصاً، مع إقليم كردستان الفدرالي، وإعادة تشييد العلاقات الكردستانية، على قواعد الاحترام المتبادل والتنسيق، واحترام خصوصيات البعض وصيانة الشخصية الوطنية الكردية السورية، كما يسعى إلى علاقات الصداقة والتضامن مع الشعوب العربية والتركية والإيرانية.

في أصناف “المستقلين”

من خلال مسار البعض من حركات التحرر بالمنطقة، وكذلك أساليب الأحزاب الملتوية، تم التعتيم على حقيقة الوطنيين المستقلين بل تشويه صورتهم، وهذا ما حدث في ساحتنا الكردية أيضاً، حيث يتطلّب الأمر إعادة تصنيف، حيث هناك مستقلون غير مبالين وليسوا متابعين، وهناك مستقلون ‘مقنعون” مرتبطون بأحزاب معينة، أو منتمون إلى كيانات معارضة، أو أحزاب كردستانية بالخفاء، أو متواجدون في بلدان معنية بالكرد، يوالون سياسات حكوماتها، والأصناف الخمسة الأخيرة لا تعتبر من المستقلين.

الصنف الأبرز الذي تنطبق عليه الشروط الكاملة، هو حراك “بزاف”، فكما ذكرنا فإنّ الساحة تضم الغالبية الساحقة من الوطنيين الكرد المستقلين، بالداخل والخارج، بمعنى عدم انتمائهم إلى الأحزاب، وإلى هياكل المعارضة السورية، أو الحكومات في الدول المعنية بالملفين الكردي والسوري، وهذه الغالبية ليست منظمة في إطار واحد معين، وأستطيع القول أنّ حراك “بزاف” لإعادة بناء الحركة الكردية، هو الحراك الوحيد بالساحة الذي لايشكل تنظيماً حزبياً، أو تحالفاً سياسياً، أو محوراً تابعاً لمحاور أخرى، أو مرتبطاً بحزب أو جهة أو نظام محلي وإقليمي ودولي، وهو حراك فكري ثقافي سياسي حواري، متكوّن من لجان متابعة تطوعية في العديد من البلدان، مهامها ترتيب اللقاءات التشاورية، وشرح ونقد وتعديل مشروع “بزاف” البرنامجي، بشقيه القومي والوطني، ولم يرضخ لكل التهديدات والتجاهل المقصود من جانب الأحزاب، كما رفض كل الدعوات لاستصدار بيانات مشتركة مع أحزاب ومنظمات، فليس له قيادة مركزية ولا نظام داخلي في هذه المرحلة الانتقالية.

عندما يحاول البعض إحراج المستقلين

في الوقت الذي تتجنّب فيه قيادات أحزاب قطبي الاستقطاب التعامل مع ظاهرة الوطنيين المستقلين، التي تتعاظم يوماً بعد يوم، أفقياً وعمودياً، وهو أسلوب انهزامي متخلّف، نسمع بين الحين والآخر من حزبيين أو محسوبين على الطرفين تعبيرات تحمل نوعاً من التهكم والاستخفاف بعقول الآخرين، من قبيل “أين المستقلون؟ ومن هو ممثلهم؟ أو فليتفضلوا ويحرروا -إن كان بمقدورهم- عفرين وتل أبيض ورأس العين، أو فليؤمنوا الموارد التموينية والصحية للمواطنين…”.

الإجابة على هؤلاء هي: ١- إن الوطنيين المستقلين، وأعني المؤيدين لحراك “بزاف”، لايسعون إلى الحلول محل سلطة الأمر الواقع، ولا مواقع “الأنكسي” ولايطرحون أنفسهم بديلاً. ٢– الأحزاب الكردية السورية مسؤولة مباشرة عن كل ما حصل، وهي عليها إعادة الأمور إلى نصابها. ٣– الوطنييون المستقلون يعملون على توفير شروط الانتصار، من توحيد الحركة الكردية واستعادة شرعيتها وصياغة المشروع الكردي للسلام، والأحزاب ترفض ذلك وتعرقل المساعي الصادقة.

وأخيراً أقول: إنّ كل من يؤمن بالمبادئ أعلاه، وكل من تنطبق عليه المواصفات أعلاه، هو “بزافي”، أي غالبية الوطنيين الكرد السوريين، نساء ورجالاً.

ليفانت – صلاح بدر الدين