ممالك بلا عروش، فصام سلطوي وفطام عن الحرية

جمال الشوفي
جمال الشوفي

كنا نعتقد أن عهد الملوك قد مضى، وبات عصر الدولة بدستورها الوضعي وعقدها الاجتماعي الحديث، هو مطمح الشعوب الباحثة عن استقرارها وأمانها ومكانتها بين شعوب الأرض. فعلى الأقل حتى تلك الدول التي يحكمها النظام الملكي، احتكمت لدستور في الحكم البرلماني يعبر عن الإرادة الشعبية للبشر في نموذج حياتها السياسية والمدنية دون أن يكون للمَلك دور فيها سوى التشريفي والارث التقليدي مع الحفاظ على الحريات وسيادة القانون الوضعي بآن؛ كبريطانيا وغيرها من دول العالم الحديث، وربما تتيح الدراسات الحديثة القاء الضوء على حكومات المغرب والأردن في الجوار القريب منا.

أما وأن يعود التاريخ بعجلته للخلف وتصحو نزعة شبهة الفصام السلطوي، ولو على بضعة أمتار من الأرض، وتنازع الدويلات واستعادة الذاكرة لعصر المماليك المتحاربة في القرون الوسطى عربياً واسلامياً، فهذا محط تساؤل يشي بما خلفه خاصة في عالم اليوم، وأكثر خصوصية في دول الربيع العربي!

اليوم، وفي خضم اللوحة الممتدة من العراق فسوريا فلبنان، وصولاً لليمن وليبيا، وليس حال مصر المستقرة على قلق أفضل بكثير. ففي ذات دول الربيع العربي اليوم تبرز الدويلات، بل أقل منها لدرجة المحميّات العسكرية الميليشاوية، على أنقاض ما كان يسمى دولاً عربية، ولوقت قريب سميت دول تقدمية اشتراكية! ولوقت أقرب كانت محط أنظار العالم في دهشة حضور متموج من الشعب وهو يسابق الزمن في عمليات التغيير السياسي والانتقال إلى مصاف الدول الحديثة: حريات وقوانين ودساتير عصرية، فهل كان حلماً؟ أم لازال واقع مؤجل؟

في مراجعة عامة لمجريات الحدث اليوم في دول الربيع العربي هذه، تطفو على السطح دويلة حفتر بمقابل السراج ليبياً، ودويلة الحوثي بمقابل صالح يمنياً، ودويلة نصرالله وعون وصهره باسيل بمقابل دويلات هنا وهناك لبنانياً، ودويلات للميليشات في سورية والعراق متعددة الأجناس والأوصاف. دويلات احتراب الكل ضد الكل بينياً، والاستقواء بمن خلفها وداعمها إقليمياً ودولياً، ولم يستطع أحد لليوم أن يثبت عرشه كملك، بل مجرد بيدق على رقعة شطرنج متهاوية، كل مربع فيها قابل للتآكل بمن يحل محله قوة، واللوحة كلها لا منتصر فيها سوى سمة تاريخية متخارجة مع العصر هو عصر الدويلات والمماليك في تاريخنا الغابر والأسود.

الربيع العربي الذي سلم نفسه لتجاذبات الدول الكبرى وقبلها الإقليمية، لم يستطع ان ينجز لليوم مشروعاً يخطو بين هذه التناقضات، بينما سيل من الأوراق والأفكار المقدمة كحالات انقاذية، تكاد تتشابه في مضمونها والمختلفة في أدواتها، باحثة في حلول معضلات هذا الواقع المتشابك والمعقد؛ فإن كانت غالبية الدراسات والأبحاث التي تشير إلى موقع متداخل دولياً ينذر بحروب كبرى على هذه البقعة من المعمورة هي السبب الرئيس في هذا الواقع المتردي لدول الربيع العربي، إلا انه من الضرورة بمكان ابراز سماتها العامة:

  • حكومات العسكر التي حكمت دول الربيع العربي كانت وريثاً غير شرعي لحركات التحرر العربي أواسط القرن الماضي، وأظهرت فرطاً من الوحشية المتطرفة في قمع، وصلت درجة الإبادات الجماعية تهجيراً وقتلاً، شعوبها المطالبة بالحريات بأبسط قواعدها الدستورية في تداول السلطة سلمياً واحترام حق الفرد والعمل السياسي والمدني، وهي، أي سلط العسكر، ما فتئت تتغنى بالديموقراطية والاشتراكية والعصرية زيفاً وبطلاناً، فلا يمكن لقيم الديموقراطية أن تلتقي والنزعة الجرمية العامة إلا في نموذج فصامي نفسي يمكن تسميته فصام السلطة، كسلوك غير طبيعي يفشل في تمييز الواقع واختلاطه بالأهواء، وفطام عن الحرية وامتناع كلي عن امتدادتها المؤسسة للدولة.
  • لم تسطع المعارضات الوطنية تقديم شرط كفايتها كبديل سياسي عام لمنظومات العسكر المتحكمة في النظم المسمات جمهوريات التي اجتاحتها موجات الربيع العربي، بل شابهتها بالكثير من سمات الفصام والفطام أمنياً وعسكرياً وسياسياً.
  • تنامي نزعة الهيمنة والاحتكام للغة البندقية على حساب اللغة السياسية، ما سمح لمزيد من التدخلات الإقليمية والدولية والارتهان لمشاريع خارجية، وفقدان مقومات المشاريع الوطنية لأرضيتها وبوصلتها.
  • تركة الدم الكبيرة واتساع رقعة المظالم عززت نزعتي الثأرية الغرائزية الانتقامية، والتمدد السلطوي المحلي على حساب النسيج المجتمعي المتماسك، فبدلاً من تنامي الشعور بضرورات وحدة المصير العامة وطنياً، باتت الشروخات المحلية والدينية والقَبْلية (قبل دولة) هي المتحكم في شروط الوجود السياسي، والتي تنذر بتقسيم متتالي في هذه الدول.
  • عودة وبروز ظواهر أمراء الحرب والقادة المحليين لإحكام السيطرة الشعبية وفق مشاريع ضيقة الانتماء والهوية، وليس فقط، بل عدمية انفتاحها على العقل السياسي الذاهب باتجاه استعادة الهوية الوطنية على أرضية الاعتراف بالآخر وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح.
  • طفو متتالي من انهيار القيم الأخلاقية والمعيارية الإنسانية واحلال محلها قيم الاستهلاك البشري والخطف والقتل المباح والاستثمار في مشاعر الناس الذين لاحول ولا قوة لهم سوى الاحتماء بقوي من بطش غيره. فذات يوم كتب “ابن خلدون” أنه: عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والأفاقون والمتفقهون والانتهازيون وتعم الاشاعة وتطول المناظرات وتقصر البصيره ويتشوش الفكر.

التساؤل الذي يطرح نفسه تلقائياً اليوم: إذا كانت الشعوب الأوروبية التي مرت بمراحل من الاقتتال الدامي في عصور سلفت، قد سمت تلك الحقبة بعصر الظلمات وانطلقت اتجاه عصر الحريات والدستورية، وإن كانت ثورات الربيع العربي تتخذ منها معياراً في التحقق، فهل لازلنا سنتمسك موروثياً وشعبياً بماضينا المجيد ونعيد انتاجه على شكل دويلات وممالك بلا عروش؟ أم سنذهب قبل فوات الأوان لاعادة تسمية الأشياء بمسمياتها على أنه عصر الظلمات الواجب نفيه خارج سياق العصر، وهذا ما له مقومات وأدوات مختلفة عن مجريات المرحلة الحالية اليوم، فالحكم نتيجة الحكمة، والعلم نتيجة المعرفة فمن لا حكمة له لا حكم له، ومن لا معرفة له لا علم له، حسب “ابن عربي” تاريخياً، وحسب فكر العصر الحديث أيضاً، فهل من يستمع أمراء متقاتلون على حكم زائل اليوم أو غداً!

لم يستمع أواخر خلفاء المسلمين لعقلانية “اخوان الصفا” قبيل انهيار عصر الدولة العباسية، فباتو ممالك ودويلات متحاربة، سهلت مهمة العثمانيين فاجتاحوا المنطقة لقرون بعدها، ولم نتعلم بعد، ولم نسمع للغة العقل بعد، ونمهد الطريق لكل صنوف الغزاة الفارسية والعثمانية والروسية والأمريكية وغيرها، ولا زلنا نؤثر من التاريخ جانبه النزاع نحو “العنجهية” والبطولات الفردية خاصة اذا ما امتلك احدنا بندقية لينصب نفسه ملكاً معتقدا أن الباقين حاشيته، ليأتي من يزيحه ويصبح بديله، ونعيد انتاج عروش بلا ملوك ودويلات بلا حريات، وسلطات بلا شعوب!

جمال الشوفي

كنا نعتقد أن عهد الملوك قد مضى، وبات عصر الدولة بدستورها الوضعي وعقدها الاجتماعي الحديث، هو مطمح الشعوب الباحثة عن استقرارها وأمانها ومكانتها بين شعوب الأرض. فعلى الأقل حتى تلك الدول التي يحكمها النظام الملكي، احتكمت لدستور في الحكم البرلماني يعبر عن الإرادة الشعبية للبشر في نموذج حياتها السياسية والمدنية دون أن يكون للمَلك دور فيها سوى التشريفي والارث التقليدي مع الحفاظ على الحريات وسيادة القانون الوضعي بآن؛ كبريطانيا وغيرها من دول العالم الحديث، وربما تتيح الدراسات الحديثة القاء الضوء على حكومات المغرب والأردن في الجوار القريب منا.

أما وأن يعود التاريخ بعجلته للخلف وتصحو نزعة شبهة الفصام السلطوي، ولو على بضعة أمتار من الأرض، وتنازع الدويلات واستعادة الذاكرة لعصر المماليك المتحاربة في القرون الوسطى عربياً واسلامياً، فهذا محط تساؤل يشي بما خلفه خاصة في عالم اليوم، وأكثر خصوصية في دول الربيع العربي!

اليوم، وفي خضم اللوحة الممتدة من العراق فسوريا فلبنان، وصولاً لليمن وليبيا، وليس حال مصر المستقرة على قلق أفضل بكثير. ففي ذات دول الربيع العربي اليوم تبرز الدويلات، بل أقل منها لدرجة المحميّات العسكرية الميليشاوية، على أنقاض ما كان يسمى دولاً عربية، ولوقت قريب سميت دول تقدمية اشتراكية! ولوقت أقرب كانت محط أنظار العالم في دهشة حضور متموج من الشعب وهو يسابق الزمن في عمليات التغيير السياسي والانتقال إلى مصاف الدول الحديثة: حريات وقوانين ودساتير عصرية، فهل كان حلماً؟ أم لازال واقع مؤجل؟

في مراجعة عامة لمجريات الحدث اليوم في دول الربيع العربي هذه، تطفو على السطح دويلة حفتر بمقابل السراج ليبياً، ودويلة الحوثي بمقابل صالح يمنياً، ودويلة نصرالله وعون وصهره باسيل بمقابل دويلات هنا وهناك لبنانياً، ودويلات للميليشات في سورية والعراق متعددة الأجناس والأوصاف. دويلات احتراب الكل ضد الكل بينياً، والاستقواء بمن خلفها وداعمها إقليمياً ودولياً، ولم يستطع أحد لليوم أن يثبت عرشه كملك، بل مجرد بيدق على رقعة شطرنج متهاوية، كل مربع فيها قابل للتآكل بمن يحل محله قوة، واللوحة كلها لا منتصر فيها سوى سمة تاريخية متخارجة مع العصر هو عصر الدويلات والمماليك في تاريخنا الغابر والأسود.

الربيع العربي الذي سلم نفسه لتجاذبات الدول الكبرى وقبلها الإقليمية، لم يستطع ان ينجز لليوم مشروعاً يخطو بين هذه التناقضات، بينما سيل من الأوراق والأفكار المقدمة كحالات انقاذية، تكاد تتشابه في مضمونها والمختلفة في أدواتها، باحثة في حلول معضلات هذا الواقع المتشابك والمعقد؛ فإن كانت غالبية الدراسات والأبحاث التي تشير إلى موقع متداخل دولياً ينذر بحروب كبرى على هذه البقعة من المعمورة هي السبب الرئيس في هذا الواقع المتردي لدول الربيع العربي، إلا انه من الضرورة بمكان ابراز سماتها العامة:

  • حكومات العسكر التي حكمت دول الربيع العربي كانت وريثاً غير شرعي لحركات التحرر العربي أواسط القرن الماضي، وأظهرت فرطاً من الوحشية المتطرفة في قمع، وصلت درجة الإبادات الجماعية تهجيراً وقتلاً، شعوبها المطالبة بالحريات بأبسط قواعدها الدستورية في تداول السلطة سلمياً واحترام حق الفرد والعمل السياسي والمدني، وهي، أي سلط العسكر، ما فتئت تتغنى بالديموقراطية والاشتراكية والعصرية زيفاً وبطلاناً، فلا يمكن لقيم الديموقراطية أن تلتقي والنزعة الجرمية العامة إلا في نموذج فصامي نفسي يمكن تسميته فصام السلطة، كسلوك غير طبيعي يفشل في تمييز الواقع واختلاطه بالأهواء، وفطام عن الحرية وامتناع كلي عن امتدادتها المؤسسة للدولة.
  • لم تسطع المعارضات الوطنية تقديم شرط كفايتها كبديل سياسي عام لمنظومات العسكر المتحكمة في النظم المسمات جمهوريات التي اجتاحتها موجات الربيع العربي، بل شابهتها بالكثير من سمات الفصام والفطام أمنياً وعسكرياً وسياسياً.
  • تنامي نزعة الهيمنة والاحتكام للغة البندقية على حساب اللغة السياسية، ما سمح لمزيد من التدخلات الإقليمية والدولية والارتهان لمشاريع خارجية، وفقدان مقومات المشاريع الوطنية لأرضيتها وبوصلتها.
  • تركة الدم الكبيرة واتساع رقعة المظالم عززت نزعتي الثأرية الغرائزية الانتقامية، والتمدد السلطوي المحلي على حساب النسيج المجتمعي المتماسك، فبدلاً من تنامي الشعور بضرورات وحدة المصير العامة وطنياً، باتت الشروخات المحلية والدينية والقَبْلية (قبل دولة) هي المتحكم في شروط الوجود السياسي، والتي تنذر بتقسيم متتالي في هذه الدول.
  • عودة وبروز ظواهر أمراء الحرب والقادة المحليين لإحكام السيطرة الشعبية وفق مشاريع ضيقة الانتماء والهوية، وليس فقط، بل عدمية انفتاحها على العقل السياسي الذاهب باتجاه استعادة الهوية الوطنية على أرضية الاعتراف بالآخر وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح.
  • طفو متتالي من انهيار القيم الأخلاقية والمعيارية الإنسانية واحلال محلها قيم الاستهلاك البشري والخطف والقتل المباح والاستثمار في مشاعر الناس الذين لاحول ولا قوة لهم سوى الاحتماء بقوي من بطش غيره. فذات يوم كتب “ابن خلدون” أنه: عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والأفاقون والمتفقهون والانتهازيون وتعم الاشاعة وتطول المناظرات وتقصر البصيره ويتشوش الفكر.

التساؤل الذي يطرح نفسه تلقائياً اليوم: إذا كانت الشعوب الأوروبية التي مرت بمراحل من الاقتتال الدامي في عصور سلفت، قد سمت تلك الحقبة بعصر الظلمات وانطلقت اتجاه عصر الحريات والدستورية، وإن كانت ثورات الربيع العربي تتخذ منها معياراً في التحقق، فهل لازلنا سنتمسك موروثياً وشعبياً بماضينا المجيد ونعيد انتاجه على شكل دويلات وممالك بلا عروش؟ أم سنذهب قبل فوات الأوان لاعادة تسمية الأشياء بمسمياتها على أنه عصر الظلمات الواجب نفيه خارج سياق العصر، وهذا ما له مقومات وأدوات مختلفة عن مجريات المرحلة الحالية اليوم، فالحكم نتيجة الحكمة، والعلم نتيجة المعرفة فمن لا حكمة له لا حكم له، ومن لا معرفة له لا علم له، حسب “ابن عربي” تاريخياً، وحسب فكر العصر الحديث أيضاً، فهل من يستمع أمراء متقاتلون على حكم زائل اليوم أو غداً!

لم يستمع أواخر خلفاء المسلمين لعقلانية “اخوان الصفا” قبيل انهيار عصر الدولة العباسية، فباتو ممالك ودويلات متحاربة، سهلت مهمة العثمانيين فاجتاحوا المنطقة لقرون بعدها، ولم نتعلم بعد، ولم نسمع للغة العقل بعد، ونمهد الطريق لكل صنوف الغزاة الفارسية والعثمانية والروسية والأمريكية وغيرها، ولا زلنا نؤثر من التاريخ جانبه النزاع نحو “العنجهية” والبطولات الفردية خاصة اذا ما امتلك احدنا بندقية لينصب نفسه ملكاً معتقدا أن الباقين حاشيته، ليأتي من يزيحه ويصبح بديله، ونعيد انتاج عروش بلا ملوك ودويلات بلا حريات، وسلطات بلا شعوب!

جمال الشوفي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit