الخطر القادم من الشرق | The Levant

الخطر القادم من الشرق

مع نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت القِوى العظمى بالانسحاب من منطقة الشرق الأوسط بعد أن ساهمت في ولادة دولة إسرائيل، وخلَّفت وراءها دولاً مستقلّة ذات حكومات تابعة لها بشكل من الأشكال، وكلّفت شاه إيران بلعب دور شرطي الخليج لحماية مصالحها في المنطقة، وفي العام ١٩٧٥، غدر الشاه بالثورة الكوردية بإبرام اتفاقية الجزائر المشؤومة مع العراق، وقد وقعّها عن الجانب العراقي صدام حسين، الذي كان نائباً للرئيس.  الشرق

ولكنّ عدالة السماء أبتْ إلّا أن تقول كلمتها، لقد وقّع طرفا الاتفاقية في شرّ أعمالهما، ففي العام ١٩٨٠، وبعد سنة من انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ألغى صدام حسين -الذي كان قد خلع الرئيس أحمد حسن بكر واستولى على الحكم في العراق- اتفاقية الجزائر من طرف واحد، وأعلن الحرب على إيران، تلك الحرب التي استمرّت لثماني سنوات، ثم عادت إلى نقطة البداية بخسارة الطرفين دون انتصار أحدهما على الآخر، وجاء احتلال الكويت كنتيجة حتميّة لإفلاس صدام حسين بنهاية حربه مع إيران، ثم حرب تحرير الكويت من قِبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي غيّرت وجه المنطقة بالتزامن مع الأحداث التالية:

– اعتماد مجلس الأمن القرار رقم ٦٦١ الصادر في ٦ آب عام ١٩٩٠م بعد الغزو العراقي للكويت بأيام، القاضي بفرض حظر تجاري شامل على العراق، باستثناء الإمدادات الطبية والمواد الغذائية وغيرها من المواد الضرورية للحاجة الإنسانية، ويتم تحديدها من لجنة عقوبات مجلس الأمن.

– صدور قرار مجلس الأمن رقم ٦٨٨ تاريخ ٥ نيسان عام ١٩٩١م، الذي طالب العراق بالكف عن ملاحقة واضطهاد الشعب الكوردي واحترام حقوق الإنسان في شمال العراق، تلاه فرض منطقة حظر جوي بين خطي العرض ٣٦ شمالاً و٣٢ جنوباً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، بالاستناد إلى قرار مجلس الأمن. وساهم إلى حدّ كبير في نشر الأمن والاستقرار، ممّا هيّأ الأجواء لإجراء انتخابات محليّة وتشكيل برلمان، ثمّ الإعلان عن إقليم كردستان العراق. لقد أدّى قرارا مجلس الأمن السابقين إلى زوال خطر صدام حسين على دول وشعوب المنطقة، بخلع أنيابه وتقليم مخالبه وقصقصة أجنحته.

– التواجد الدائم لقوات التحالف في منطقة الخليج بعد تحرير الكويت، وإنشاء قواعد ثابتة لها ما زالت قائمة إلى يومنا هذا.

– تفكُّك الاتحاد السوفيتي في ٢٦ تشرين الثاني عام ١٩٩١م، والاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة. الشرق

إيران ما بعد الحرب لن تكون كما قبلها، لقد تخلّت عن لعب دور شرطي الخليج بعد خلع الشاه، وقررت أنْ تلعب لنفسها لعبة الشطرنج (حيث التخطيط والحسابات والتضحية بالأقل أهمية للحفاظ على الأهم) مع الكُل بما فيهم الشياطين، للمضيِّ قُدُماً بمشروعها الطامع إلى إحياء أمجاد الإمبراطورية الفارسية على حساب شعوب ودول المنطقة، مستغلِّة بعض الأحداث المذكورة سابقاً، ومستفيدة من غياب أي مشروع عربي، وتأييد أبناء الطائفة الشيعية في دول المنطقة لها، كون الولاء الطائفي لأغلبيتهم يطغى على ولائهم الوطني، واستخدامهم فيما بعد كوقود لمشروعها، فضلاً عن تأييد جماعة الإخوان المسلمين للخميني والتواصل معه دون انقطاع منذ ما قبل سقوط الشاه، وأخيراً استقدام بعض علماء وخبراء الاتحاد السوفيتي بعد انهياره للاستفادة منهم في التصنيع العسكري والبدء بالبرنامج النووي.

كما أنّ المشروع التركي مشروع عثماني لا علاقة له بالإسلام السنّي، فقط يستخدم السُنّة وقوداً له، كذلك فإنّ المشروع الإيراني مشروع فارسي بإمتياز، ويُخطئ من يظن أنّه مشروع شيعي، فقط يستخدم الشيعة وغير الشيعة كوقود له، ولا أدلُّ على ذلك من دعم تركيا دون إيران لأذربيحان الشيعية في حربها مع أرمينيا.

سأل أحد الصحفيين وزير خارجية إيران، كمال خرزاي، بعد سقوط بغداد في العام ٢٠٠٣م: لقد سقطت بغداد، وجاء الدَور على طهران لتسقط هي الأخرى، فماذا أنتم فاعلون؟ أجابه: إنّ ما حدث في العراق لن يتكرّر في إيران، أخطأ صدام حسين عندما حارب الأمريكان على أبواب بغداد، أمّا نحن سنحاربها على أبواب بيروت ودمشق.. في إشارة واضحة إلى مدى انتشار النفوذ الإيراني.

وبالفعل كانت البداية من لبنان، مع تنصيب حسن نصر الله أميناً عاماً لحزب الله عام ١٩٩٢م، خلفاً لعباس موسوي الذي اغتالته إسرائيل، بدأ نشاطه العسكري بمحاربة حركة أمل الشيعية لِتحييدها مع حلفائها في المقاومة الوطنية اللبنانية آنذاك ضد إسرائيل، بهدف حصر المقاومة المزعومة بنفسها فقط، تمهيداً للسيطرة على قرار السِلم والحرب في لبنان، وصولاً إلى تعطيل الدولة كما هو حاصل الآن، والإبقاء عليها كرهينة بيد إيران للمساومة عليها مع أمريكا.

يقوم المشروع الفارسي على زرع أذرع مُسرطنة في جسد الدول لسهولة تفكيكها والسيطرة عليها، وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، واتّباع أبشع الأساليب المتاحة للوصول إلى مآربه، ومن أهمِّها دسّ السُّم في العسل وتقديمها إلى الآخرين على طبق من الفضة، تمهيداً للتدخل في شؤونهم بإقامة مراكز التشيُّع وبناء الحسينيات في المناطق النائية والفقيرة، مع بعض المعونات المادية مقابل تشيُّعهم ليكونوا قنبلة موقوتة تفجّرها إيران عند اللزوم لخلق أزمات تتفاوض عليها فيما بعد مع القِوى العظمى لِحل المشاكل العالقة لديها على حساب شعوب تلك الدول.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى تلجأ إلى دعم أحزاب وجماعات موجودة أصلاً بالمال والسلاح حتى تصبح أقوى من جيوش دولها، فتعمل على تعطيل مؤسساتها، فتصبح دولاً مشلولة وفاشلة بكل المعايير، ثم تقوم بإلغائها تماماً، وفرض نفسها بقوة السلاح كبديل عنها بالسيطرة على مراكز صنع القرار، كما هو حاصل الآن في لبنان واليمن والعراق. إنّ اليد التي تصافح إيران ولو لمرة واحدة لا يمكن سحبها بسهولة متى شاء صاحبها، وحتّى إذا تمكّن من سحبها لن يكون سليماً معافى، كما هو الحال مع حزب العمال الكوردستاني الذي رهن قراره لإيران، ويحارب المشروع الكوردي أينما كان، وكذلك الحال مع حركة حماس الفلسطينية التي وضعت يدها بيد إيران منذ أكثر من عقدين، وما زالت على خلافٍ حادّ مع حركة فتح، ولا تعترف بدولة إسرائيل ممّا تجعل من نفسها عائقاً أمام قيام الدولة الفلسطينية. الشرق

أمّا سوريا فلم تكن علاقتها مع إيران على حساب علاقتها مع الدول العربية، وخاصة السعودية في عهد الأسد الأب، وكانت الكفة راجحة لصالحها، إلّا أنّ الوضع تغيّر جذرياً في عهد الأسد الابن وخاصة بعد عام ٢٠١١م، وتدخّل إيران بكل ثقلها لإنقاذ النظام من السقوط. والعراق ليس بأحسن حال من سوريا، بعد إهدائه لإيران من قبل أمريكا قبل الانسحاب منه، تديره كيفما شاءت، ولها حصة من جيشه المتمثّلة في ميليشيات الحشد الشعبي التابعة لها، تأتمر بأوامرها دون العودة إلى قيادة الجيش العراقي على غِرار حزب الله اللبناني، وتشنّ بين الحين والآخر هجمات صاروخية على البعثات الدبلوماسية في بغداد بأوامر من إيران.

ولتأكيد صدارتها على لائحة وزارة الخارجية الأمريكية للدول الداعمة والراعية للإرهاب، لم تكتفِ إيران بتسخير أبناء الطائفة الشيعية لتنفيذ مخططاتها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، بدعم ورعاية التنظيمات الإرهابية وتوجيهها إلى حيث تشاء، وعلى رأسها تنظيم القاعدة، وداعش فيما بعد، حسب تصريح العدناني (المتحدّث باسم داعش قبل قتله في شمال حلب عام ٢٠١٦م)، حيث قال على قناة العربية: كنا نطلب من الظواهري السماح بتنفيذ عمليات داخل إيران، إلّا أنّه كان يرفض، ويبرر رفضه بكون إيران تساعدهم في نقل المجاهدين والأسلحة من أفغانستان إلى العراق، وتقيم لهم معسكرات تدريب وإيواء على أراضيها، ثم أضاف العدناني: حتىّ بعض القادة الميدانيين يتم اختيارهم من قبل الحرس الثوري الإيراني.

لنعد إلى الأذرع الطويلة لإيران، وهي كثيرة، أهمُّها حزب الله اللبناني وحزب الدعوة العراقي، الّلذان نفَّذا الكثير من العمليات الإرهابية في العالم بأوامر مباشرة من إيران، نذكر بعضها: سلسلة تفجيرات الكويت عام ١٩٨٣م، ومحاولة اغتيال أمير الكويت، الشيخ جابر الأحمد الصباح، عام ١٩٨٥م، وتفجير المركز الثقافي اليهودي في عاصمة الأرجنتين، بيونس أيروس، عام ١٩٩٤م، واغتيال رئيس وزراء لبنان السابق، رفيق الحريري، عام ٢٠٠٥م، وتفجير حافلة تقلُّ سيّاحاً يهوداً في بلغاريا عام ٢٠١٢م… والقائمة تطول، فضلاً عن تخزين المواد المتفجرة في إنكلترا وألمانيا وقبرص وغيرها من الدول، لنقلها لاحقاً أو استخدامها في تنفيد العمليات الإرهابية.

إنّ اكتفاء أمريكا بالقيادة من الخلف فيما يخُص منطقة الشرق الأوسط، وإدارة الأزمات دون إيجاد حلول عادلة لها كقضية فلسطين والقضية الكوردية، وغض النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الأنظمة الشمولية، فتح المجال لإيران للقيام بدور تخريبي في المنطقة، وخاصة في عهد الرئيس السابق أوباما، مهندس الاتفاق النووي عام ٢٠١٣م بين إيران ومجموعة الدول الخمسة زائد الأمم المتحدة،أ والتي جاءت على حساب أمن شعوب المنطقة، حيث منح إيران مزايا الدولة النووية دون امتلاك السلاح النووي (حفاظاً على أمن إسرائيل)، وذلك بإطلاق يدها في المنطقة للتدخل في شؤونها والعبث بأمنها واستقرارها. إلّا أنّ الوضع اختلف كثيراً مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، حيث ألغى الاتفاق النووي مع إيران من جانب أمريكا، وفرض عقوبات اقتصادية قاسية عليها، ممّا وضع حداً مؤقتاً لأطماعها في التوسع وبسط النفوذ.

إنّ خطر إيران يتجاوز حدود المنطقة إلى جميع أنحاء العالم إذا تُرِكتْ دون رقابة وعقاب، ونجاح مشروعها سيشجع تركيا هي الأخرى على المضي قُدماً في مشروعها العثماني.. على الرئيس الأمريكي القادم إدراك حقيقة أنّ ثمن التدخُّل لإنقاذ العالم من خطر إيران أقل بكثير من ثمن عدم التدخُّل. الشرق

ليفانت – محمد رجب رشيد  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

الخطر القادم من الشرق

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب