اغتيال مفتي دمشق وريفها.. لماذا لا يكون حزب الله؟

مصطفى عباس

بينما يدور شريط ذكريات الطفولة الأولى في رأسي، مظهراً لي حفلات تكريم الأوائل في معاهد الأسد لتحفيظ القرآن في مدينة قدسيا بريف دمشق، وكان حينها الشيخ عدنان أفيوني نجم هذه الحفلات المحبوب، والذي يهرع الجميع لتبجيله وتكريمه وربما تقديسه، فهو صاحب إطلالة جميلة، ويجيد العزف على عواطف الناس، واستمالتهم بمواعظه وأحاديثه الدينية.

أحدث الشيخ الأفيوني نقلة نوعية في قدسيا، تلك البلدة التي كانت تشهد حينها نهضة عمرانية، وما يرافقها من غلاء لأسعار الأراضي والعقارات القابلة للبناء، جعلت المال الوفير في يد الشباب، الذين كانوا يصرفونه على ملذاتهم الشخصية، حتى قيل إن هناك فندقاً في رومانيا محجوز لشباب قدسيا، المحدثي الثراء، ما أن يغادر فوج حتى يعود إليه فوج آخر.

ومع انتفاضة الأقصى الأولى وغزو الكويت، ومرور ما يقارب العقد من الزمن على خوف الناس من التدين، الناتج عن القمع الشديد لانتفاضة حماة التي قادها الإخوان المسلمون، ومع ماسمي بالصحوة الإسلامية وجد الأهالي في هذا الشيخ الصوفي ضالتهم، فهو من جماعة مقربة من السلطة، ولا يقترب من السياسة إلا بالدعاء الظاهر للرئيس، بالتالي لن ينالهم أي بطش من السلطة فيما لو التفوا حول هذا الشيخ الشاب الوسيم، الذي كان حينها موظفاً في أحد البنوك الحكومية، كونه خريج تجارة واقتصاد.

من جامع العرفان الصغير جداً انطلق هذا الشيخ الطموح، بل يمكن تسميته بالمصلى، وأذكر أننا كنا نقطع عند الفجر حوالي ثلاثة كيلو مترات لنصل إليه، ومثلنا عشرات الطلاب، ونحظى برؤية الشيخ، وصلاة الفجر وما يعقبها من ” جلسة ذكر” على الطريقة النقشبندية، لم نكن نفهم شيئاً حينها، من الأجواء الغامضة، والأنوار المطفأة، وما يسمى الرابطة الشريفة.

استطاع الداعية أن يلم حوله العشرات من الشباب الذين كانوا طائشين، ويحولهم لمتلزمين دينياً، يخفضون صوتهم عند الحديث ويربون لحية قصيرة، على ألا تطول أكثر من لحية الشيخ. قلة من هؤلاء كانوا جامعيين، ما لبث أغلبهم أن انفضوا عنه بعد أن رأوا أسلوب الولاء المطلق والطاعة العمياء الذي تفرضه الطريقة الصوفية على المريدين، ولكن بقي معه الأقل ثقافة، وهم الذين ما نجحوا في الشهادة الثانوية رغم تقديمهم لها عدة مرات، ولكن في معهد أبو النور الذي يتبع له الشيخ، وجدوا لهم حلاً بأن يقدموا البكالوريا الشرعية، وكل من تقدم لها تقريباً نجح، ودرس الشريعة في كلية أصول الدين المرخصة في السودان، أو كلية الدعوة الإسلامية المرخصة في ليبيا، أو غيرها من الكليات التي يحتضنها المعهد ولم يكن معترفاً حينها بشهادتها في سوريا، وبعد عدة سنوات أصبح هؤلاء المريدون ذوو التحصيل العلمي المتواضع أساساً، مشايخ وعلماء يقدمون في المجالس، وتقربهم السلطات إليها.

بعد اندلاع الثورة عول الكثير من على موقف الشيخ الأخلاقي، وهو الذي لطالما كان يتغنى بقول الحق، ويعتبر عمر ابن الخطاب مثلاً يحتذى، ويكثر في دروسه من سيرته، مردداً ” سيدي عمر”، ولكن الأفيوني الذي أمضى عقدين من الزمان في التأسيس، وصار له الكلمة الأولى في قدسيا، وحتى أن جامع الصحابة الكبير، الذي تم افتتاحه رسمياً في عام 2005، قد أوكلت مهمة الخطابة فيه لهذا الشيخ النشيط، الذي أصبح له أتباع في كل ريف دمشق الغربي، بدأ يتلكأ في قول الحق، وهو بالأساس من جماعة معروفة بممالأتها للنظام، مروراً بالشيخ أحمد كفتارو، “مفتي البعث” من عام 1964 حتى وفاته عام 2004، وهو الذي شق عصا علماء دمشق بأن شرع للبعث سياساته، ويصفه البعض بأنه عراب حافظ الأسد، الذي كان مرفوضاً دمشقياً. والسلطة البعثية لم تنسَ للمفتي خدماته ففتحت له المجال في معاهد الأسد لتحفيظ القرآن، التي كان أتباع كفتارو يسيطرون عليها في مناطق كثيرة من سوريا، ومنهم عدنان أفيوني. ومن أعطيات السلطة لكفتارو معهد أبو النور، الذي كان في البداية مسجداً صغيراً على سفح جبل قاسيون في ركن الدين، ولكنه أصبح معهداً ضخماً فيه الكثير من الكليات، وعشرات آلاف الطلاب منهم عرب وأجانب، سُمي فيما بعد مجمع الشيخ أحمد كفتارو، وصولاً إلى تلميذ كفتارو الأول: الشيخ رجب ديب الذي كان درسه في جامع أبو النور يوم الخميس يحضره الآلاف من أنحاء سوريا، وحتى لبنان، وأذكر أنه في أثناء غزو العراق، الذي كان شاغل الناس لم يتكلم الشيخ رجب شيئاً عن هذا الموضوع، فهو لا يتكلم بالسياسة إلا فيما يملى عليه. والمريد الأول للشيخ رجب هو الأفيوني.

في الشهر السادس من عام 2011 خطب الشيخ في جامع الصحابة أنه مع الإصلاحات، وهو كافل لها، وإذا لم تمضِ هذه الإصلاحات قدماً فسيكون أول المتظاهرين، وكنوع من الشكر تم استحداث منصب مفتي دمشق وريفها للأفيوني، رغم أن في دمشق وريفها من هم أكثر علماً ودراية بالفقه وأصوله من الأفيوني، ولا داعي أساساً لهذا المنصب، ولكن لكل موقف ثمن، بل حتى أن النظام أرسله انطلاقاً من منصبه الجديد إلى لبنان كي يشكر كاردينال الموارنة بشارة الراعي على موقفه المؤيد للنظام، وهنا بدأ متظاهرو قدسيا -منطلق الشيخ الأول- يرددون الشعار التالي: “قولوا لمفتي الشام وريفها يحل عن قدسيا ويعيفها”، وبدأت علاقته تتدهور بالأهالي، حتى انه حينها ترك قدسيا، وترك الخطبة في جامع الصحابة لتلميذه عادل مستو. وكان مريدوه يروجون أنه أُجبر على هذا المنصب إجباراً، وهو لم يدخل بالأساس إلى مكتب الإفتاء.

في الشهر الخامس عام 2012 هرب الأفيوني مع كل عائلته – حتى أصهاره – إلى الأردن بحجة مرض زوجته، وسُرّبت شائعة من قبل طلاب مقربين بأنه سينشق عن نظام القتل والإجرام.. ولكن حتى هذا الشرف لم ينله، ثم عاد بعد عدة أشهر إلى سوريا، دون ان يكون له الجرأة على دخول قدسيا، ليصدر بعد فترة أصدر بياناً أكد فيه أنه مازال على عمله كمفتٍ لدمشق وريفها، ليعود بعد ذلك من جديد إلى الأضواء ولكن كمدافع عن النظام، ويتصدر المجالس أثناء انتخابات الرئاسة عام 2014.
كان للأفيوني ومريده عادل مستو دور كبير بالمصالحات التي جرت في ريف دمشق، التي تم بموجبها تهجير عشرات الآلاف إلى إدلب، بل كان عرابها في بعض المناطق، كقدسيا التي دخلها رفقة محافظ ريف دمشق وضباط النظام، وجمع الناس الخائفون من التجويع- ضمن سياسة الجوع أو الركوع- لاستقبالهم. وقد قدم الأفيوني خدمات جليلة للنظام في هذا السياق.

ولكن ماذا يعني اغتيال المفتي ومساعده في وقت تم إلغاء الهيئة العامة للمصالحة الوطنية، وقد تم إقرار هذا المرسوم التشريعي في مجلس الشعب التابع للنظام.
قد يكون النظام أراد التخلص منه بعد انتهاء خدماته، سيما وأن الوصول لسيارته صعب، وهو محاط بحراسة أمنية شديدة، وقد تكون خلية تابعة للمعارضة قد نجحت في ذلك، ولكن لماذا لا يكون الفاعل مليشيا حزب الله، المعروف باتباع هذا الأسلوب من الاغتيالات. شخصياً أرجح أن يكون الفاعل هذه الميليشيا، فملعب هذا الشيخ في ريف دمشق هو المكان الذي تحاول الميليشيا السيطرة عليه، وقد نجحت في السيطرة العسكرية على عدة مناطق حدودية، وتمنع الأهالي من العودة إلى قراهم، ولكن أن يكون هناك شيخ سني يلتف الناس حوله خوفاً وطمعاً، فهذا ما لا تريده الميليشيا الطامعة للتغيير الديمغرافي، وهي دائماً تتبع سياسة قطع الرأس فيفرط الجسد، هكذا فعلت في لبنان مع الحريري، فانحل عقد تيار المستقبل، واصبح ألعوبة بيدها، ومع اللواء وسام الحسن رئيس شعبة المعلومات، فضعفت هذه الشعبة وزال تأثيرها، والأمثلة على ذلك كثيرة. ورغم أن الشيخ الأفيوني لينٌ مطواع، ولكن له حضوره وكاريزمته، وقد التف الناس المغلوب على أمرهم حوله عساه يكون عوناً لهم على القادم المجهول، وهو بكل الأحوال يشكل عقبة أمام التشييع الذي يخططون له وينفذونه على أرض الواقع.

مصطفى عباس