نافذةُ العالمِ الإستراتيجية.. تختنق | The Levant

نافذةُ العالمِ الإستراتيجية.. تختنق

عبير نصر
عبير نصر

كان الاتحادُ السوفياتي السابق من أوائل الدول التي اعترفتْ باستقلال سوريا، وأقام علاقاتٍ دبلوماسية معها في عام 1944، وبعد طردِ السوفيات من مصرَ اضطر الكرملين للبحثِ عن بدائل أخرى في الشرقِ الأوسط، آنذاك، كان كلٌّ من العراق وسوريا اللذين يحكمهما حزبُ البعث العربي الاشتراكي أفضلَ تلك البدائل.

فتدفّقَ السلاحُ إلى هذين البلدين، وتعزّزتِ العلاقاتُ السورية الروسية -خاصة- لترتقي إلى مستوى التحالفِ الإستراتيجيّ عند وصولِ حافظ الأسد إلى سدّةِ الحكمِ، واعتبرَ البلدان التعاونَ بينهما متجاوباً مع مصالحهما المشتركة، وفي عام 1963 أُقيمَ مركزُ الدّعمِ الماديّ التقنيّ للأسطولِ البحريّ السوفييتيّ في ميناء طرطوس السوريّ، ليورّدَ إلى سوريا أسلحةً وغيرها من السلعِ بكمياتٍ كبيرةٍ، ما أدّى إلى تراكمِ المديونيةِ الكبيرة، وفي عام 1992 كان دينُ سوريا لروسيا يتجاوزُ مبلغَ (13) مليار دولار.

لكن لاحقاً وفي عام 2005، وُقّعتْ بين البلدين اتفاقيةُ شطبِ (73 %) من الديونِ السوريةِ، آخذين بالحسبان أنَّ المبلغَ المتبقي وقدره (2.11) مليار دولار سيتمُّ صرفُه لتنفيذِ العقودِ الروسية، ومع أنّ روسيا الاتحادية تمتدُّ على مسافةِ (17) مليون كيلو متر مربع في آسيا وأوروبا، لكن سوريا تُعتبر نافذتَها الوحيدةَ على البحرِ الأبيض المتوسط، التي سيتعزّزُ السيطرةُ عليها بعد ربيع عام 2011.

وأكدتْ مصادرُ روسية، مثل وكالة (ريا نوفوستي)، خسارةَ الكرملين نحو (4) مليارات دولار بصورةِ عقودِ أسلحةٍ عندما سقطَ النظامُ الليبيّ، لذا من الطبيعي تجنّبُ تكرارِ ذلك في سوريا، وهي الدولةُ المستهلكةُ للأسلحةِ الروسيةِ لفترةٍ طويلةٍ، ووفقاً لصحيفةِ (موسكو تايمز)، فإنّه فضلاً عن الأسلحةِ، استثمرتِ الشركاتُ الروسيةُ ما مجموعه (20) مليار دولار في سوريا منذ عام 2009، وإذا فقدَ النظامُ السوريُّ السلطةَ، فسيتمُّ إلغاءُ هذه العقود، كما أنَّ القروضَ الروسيةَ الكبيرةَ المقدّمةَ له معرضةٌ للخطر، وأُشيعَ أنّ موسكو قد أرسلتْ إلى سوريا عن طريقِ الجوِّ أكثرَ من مائتي طن من الأوراقِ النقديةِ في صيف 2011، أيّ خلال الفتراتِ التي تصاعدَ خلالها القتال، وقد تكونُ السببَ الوحيدَ الذي تمكّنَ بفضلها النظامُ السوريُّ من تجنّبِ الإفلاسِ، والاستمرارِ في دفعِ الرواتبِ إلى قواتهِ مع تضاؤلِ الاحتياطياتِ الأجنبيةِ في البلاد.

ومنذ عام 2000، سعى بوتين إلى استعادةِ مكانةِ روسيا كـقوّةٍ عظمى، لتمثّلَ سوريا موطئَ القدمِ الأكثر أهمية بالنسبة له، فموقع سوريا، المطلّ على البحرِ الأبيض المتوسط وإسرائيل ولبنان وتركيا والأردن والعراق، يجعلها ذات أهميةٍ أعظم وأخطر من أنْ يُسمحَ بخسارتها، وبلغَ بوتين من الذكاءِ السياسيّ أنّه سعى إلى خلقِ عدوّ خارجيّ لحشدِ شعبه وراء هدفٍ وطنيّ، من خلالِ استخدامِ الحربِ السوريةِ لتعزيزِ المشاعرَ المناهضةِ للولاياتِ المتحدة، وعلى الرغم من استمرارِ العروضِ والمبادراتِ من قبلِ الأخيرة، ما يزال التعنّتُ الروسيُّ مستمراً، وموقفه الثابت يتلخّصُ بأنّ رحيل الأسد لا يمكن أنْ يكونَ شرطاً مسبقاً لإجراءِ محادثاتِ سلامٍ، وخلال ذلك ركّزَ الروسُ على أولويةِ إقناعِ أطرافٍ دوليّة، وإقليميّةٍ، مؤثرةٍ في سورية، بأنّه يستطيعُ تدويرَ الزوايا، وابتكارَ حلولٍ للحربِ المُكلفة، ولهذا الهدف تسعى روسيا لفرضِ اتّفاقٍ مع الولايات المتحدّة، بعد إعطاءِ تركيا، وإيران، (والسعوديّة إن تجاوبت معها)، حصصاً تُرضيها في سورية، رغم تعثّرِ هذا الاتفاق بسببِ تعقيداتِ الوضعِ السوريّ.

وعلى هذا يبدو أنّ الروسَ لا يسعون لسيطرةٍ ميدانيّةٍ كاملةٍ على الداخلِ السوريّ، فلا حجم قواتهم البريةِ الموجودةِ في سوريا يسمحُ بذلك ولا طبيعة انتشارها، لا سيّما أنّ الذاكرة الروسيّة مُتخمة بالنتائج الكارثيّة التي حصلتْ نتيجة تدخّلها البريّ المباشر في أفغانستان، إلا أنّ مراقبين يرون أنّ الوجودَ العسكريّ الروسيّ في سوريا يسعى للقبضِ على مفاصل التحكّم لدى الجيش السوريّ، وأهمها السيطرة على المطاراتِ والقواعد الجوّيّة، ما يضمنُ للروسِ امتلاكُ السماءِ السوريّة، والتحكّمُ في حركةِ الطيرانِ وعمليّاته، خاصة أنّ سلاحَ الجوّ هو الذي أحدثَ فارقاً كبيراً، وغيّر ميزانَ القوّةِ لمصلحةِ النظامِ السوريّ، إضافة إلى أنّ روسيا هي من تُشرفُ على تجهيز المطاراتِ وتسليحها، ما ينعكسُ عليها ربحاً مضاعفاً كونها البائع، وفي الوقتِ ذاته هي المشرف على الشراءِ وعقدِ الصفقات، كما أنّ الحربَ السوريّة ساعدتها في جذبِ عملاء جدّد إلى أسلحتها، ولم يعدْ هذا مرتبطاً فحسب بالعملاء التقليديين، بدليل أنّ دولاً شرق أوسطيّة أعلنتْ عن رغبتها في شراءِ المقاتلة القاذفة (سو-34) الروسيّة، بعد إعجابها بأدائها خلال العمليّةِ الجوّيّة في الحربِ المحتدمة.

وتعلم روسيا جيداً أنّ السيطرةَ على سوريا لا تتمُّ بالضربةِ القاضية بل تُؤخذ بالنقاط، وفق ظروفِ تعقيداتِ الصراعِ فيها، وتشابكِ مصالح الدول، والدليل أنّ النظامَ السوريّ تعرّضَ في عقرِ داره، وفي مواقعَ حساسةٍ جداً، إلى ضرباتٍ جويّةٍ إسرائيليّة طالتِ الجيشَ السوري، وأهدافاً إيرانيّة وأخرى تابعة لحزب الله اللبناني، من دون أيّ ردّةِ فعلٍ روسيّة، وفي الحقيقةِ يبقى الشغلُ الشاغلُ للروس رغبتهم في السيطرةِ الكاملةِ على الإقليم الساحليّ، وهذا يبدو جليّاً من خلالِ تمدّدِ القواعد العسكريّةِ الروسيّة تمدّداً واسعاً في الساحل السوريّ، لتشملَ أربع قواعد كبرى (مرفأ طرطوس ومنشأة البحوث القريبة منه، قاعدة النسر شرق بانياس بنحو 15 كم، معسكر الطلائع في مصياف ومعمل الدفاع مقرّ الفيلق الرابع، مطار حميميم)، وعشرات النقاطِ العسكريّةِ الأخرى، وتتمتّعُ القوّاتُ الروسيّةُ في الساحل السوريّ بقدراتٍ صاروخيّةٍ، وجويّةٍ، وبحريّةٍ، وبريّةٍ، ولوجستيّة ضخمةٍ، تُعدُّ الأضخم على الساحةِ السوريّة، ولم تتوقّفْ شحناتُ الأسلحةِ والمعدّاتِ عن التحرّكِ من مرفأ طرطوس إلى هذه النقاط بوتيرةٍ عاليةٍ منذ عام 2015 وحتى الآن.

والتطوّرُ المثير للاهتمام الذي حصل مؤخراً، أنّه وبعد ثماني سنواتٍ، يزورُ وزيرُ الخارجيةِ الروسيّ (سيرغي لافروف) دمشق، ومن الواضح أنٍه لا يحمل في جعبته حلولاً نهائية للأزمةِ السورية في ظلّ حكومةٍ متهالكة لا مبالية، لكن بالتأكيد يحملُ قواعدَ توطيدِ استقرارِ بلاده على سواحلِ المتوسط، ومع كلّ ما خيّمَ على الاجتماعاتِ السورية_الروسية من طابعٍ اقتصاديّ، يعتقدُ سياسيون مطلعون على مجرياتِ المفاوضات، أنّ موسكو تحاولُ دفعَ عجلةِ اجتماعاتِ اللجنةِ الدستورية نحو مساحةٍ جديدةٍ من الحوار، تحاولُ فيها الضغطَ نحو تحريكِ حلٍّ سياسيّ بشكلٍ جديّ قبل الوصولِ إلى موعدِ انتخابات 2021.

وخلال الزيارة، ظهرَ الرئيسُ السوريّ مرتدياً كمامةً طبية في إطارِ الإجراءاتِ الاحترازيةِ للوقايةِ من فيروس كورونا، بينما أطلَّ الوفدُ الزائرُ من دونِ كماماتٍ، ومن المرجّحِ أنّ ثقةَ المسؤولين الروس تعودُ إلى (سبوتنيك)، اللقاح الروسي ضد (كوفيد-19)، وأبدى رئيسُ الوفدِ الروسيّ ونائبُ رئيس الوزراء، يوري بوريسوف، حماساً كبيراً للعملِ على استعادةِ النّظامِ لمنابع الطاقةِ في شمالِ شرقيّ البلاد، كما كشفَ عن جملةٍ واسعةٍ من الاتفاقياتِ تضمُّ أكثرَ من أربعين مشروعاً، بما فيها الاستثمارات لإعادةِ إعمارِ البنى التحتيّة في مجالاتِ الطاقة خاصة، ويحرصُ المسؤولون الروس على ضرورةِ أنْ يشعرَ الشعبُ السوريُّ بتحسنٍ اقتصاديّ ملموس، بعد أن استسلم السوريون للحياة العبثيةِ جرّاء الخيباتِ الاقتصادية المتتالية، وفجّر بوريسوف مفاجأة من العيارِ الثقيلِ في لقاء دمشق، مضمونها مساعٍ جادّة من قبل روسيا لفكّ الحصارِ عن سوريا، مثيراً أمل السوريين بوهمٍ جديدٍ (ربما) يُضاف إلى جبالِ الأوهامِ والآلامِ في المذبحة السوريةِ.

ليفانت – عبير نصر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

نافذةُ العالمِ الإستراتيجية.. تختنق

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب