في ضرورة استثمار الفلسفة | The Levant

في ضرورة استثمار الفلسفة

أسامة هنيدي
أسامة هنيدي

ربما تكون الفلسفة من أكثر الحقول التي تعرّضت للهجوم عبر التاريخ بوصفها نشاطاً فكرياً خلاقاً مرتبطاً ارتباطاً صميمياً بميزة الكائن العاقل، أي التفكير، فتارة كان رجال الدين في طليعة المهاجمين، وتارة أخرى كانت السلطات الحاكمة على مختلف أشكالها في موضع الهجوم، ومرة ثالثة كانت عرضة لهجوم اجتماعي تمثّل بصيغة ربطها بالكلام الفارغ البعيد عن الواقع، حيث ما تزال عبارة الفيلسوف يجلس في برجه العاجي الرديئة حاضرة في عقول الكثيرين.

وقلت الرديئة لعدّة أسباب، أهمها أنّها تناقض تلك الحركة الفكرية، بل ولا أبالغ إن قلت الفطرية المشبعة بالسؤال، والتي ترافق الكائن العاقل، فكيف للفلسفة أن تتعايش أو تعيش خارج نطاق الواقع، فحتى أكثر الأفكار المجردة في الفلسفة بعد أن تتلبّس لغتها وعدة مفاهيمها ومصطلحاتها وسياقها عند الفحص الدقيق، تجدها تسأل باحثة عن أدّق التفاصيل والوقائع في حياتنا اليومية، إذ لا معنى لأيّ فلسفة خارج نطاق الوجود وموضوعاته، فكيف تم ويتم التعامل مع صورة الفلسفة في مجتمعات أحوج ما تكون إلى رصدها وإشكالاتها وتماسها مع هواء الناس ورغيفهم وشتّى حاجاتهم؟ وهل يتم محاكمتها، أي الفلسفة، وفق هذا المعيار؟

فعلى سبيل المثال، ماذا يعني بحث أفلاطون وأرسطو في أنظمة الحكم؟، فأنظمة الحكم إن هي إلا أنظمة قائمة في زمانهم والتي إما حاولوا تبرير بقائها أو حاولوا تصوّر أنظمة حكم بديلة لها. أوليس ذلك في الجانبين تفكير بالواقع المعاش والبحث عن شروط أفضل فيه، بغض النظر عن صوابية فكرتيهما أم خطئها؟

لقد تعمّدت الإتيان بنماذج بعيدة عنّا زمانياً عن قصد، لأحاول القول والتدليل أنّه حتى النماذج القديمة من التفكير أو في واحد من مجالاته، هو حاضر اليوم وبقوة، وأقصد فرضية أنظمة الحكم، والتي وبعد تراكم تاريخي دموي تعتبر قضية منتهية بوصول كثير من الدول إلى النموذج الديمقراطي المنشود، لكن الأمر ليس كذلك، إذ تبزغ في أعتى الأنظمة الديمقراطية اليوم حركات تكاد تكفر بالديمقراطية، التي كابد أجدادهم لبنائها، وعلى حدّ تعبير الساخر جورج برنارد شو: “أنا أكره الديمقراطية لأنّها يمكن تأتي بالأغبياء إلى السلطة”.

وإذا شئنا الحديث عن استثمار الفلسفة بحدّها الأقصى في التربية، سنجد العجب العجاب، فكيف يمكن لعاقل أن ينسى جهد جان جاك روسو في كتابه الشهير إيميل عبر معاينة عقل حصيف للنظام التربوي السائد في فرنسا في وقته، والذي إذا أتينا بمثال منتقى منه ربما سيبرر ما نحن بصدد الدفاع عنه من فكرة التصاق الفلسفة بالواقع وعدم انزياحها عنه، يقول روسو في كتابه أنّه يجب إبعاد الطفل عن الأسرة لمافيها من بعد عاطفي قد يعرقل استقلال الشخصية، وليس لمجرد الإبعاد، وهذا أمر عشناه بحده الأقصى كأسر كبيرة الحجم، أكلت ما أكلته من استقلاليتنا الشخصية وأسهمت إسهاماً عظيماً في شعورنا بالتبعية وانعدام الذات لصالح الجماعة، الأمر التي كرّسته المؤسسات الجمعية بصقل جماعيتنا ومسخها بطريقة أمعنت في إلغائنا كذوات لصالح جماعة لا نفقه تنوعها وتعدديتها.

وبعد كل ذلك قد يقول قائل: الفلسفة ليست لصيقة بمشاكل الناس، والسؤال: ماهي مشاكل الناس إن لم تكن مشكلات سياسية أو تربوية أو اقتصادية؟

إذ سينهض سؤال مباشر آخر، وهو أنّ هناك نمطاً آخر من المشكلات وهي المشكلات النفسية، وربما سيتم الرد مباشرة بأنّ أصل تلك المشكلات إنما ينبع من ذلك الثالوث الآنف الذكر، السياسي والتربوي والاقتصادي، وكيلا نغفل شأناً، ما قد تجيب البيولوجيا عن الموضوع وهي شأن ليس بمنأى عن الشأن الفلسفي.

ولذلك أعتقد أنّ معنى ما للفلسفة يجب أن يكون مبرراً ومشروعاً، بل وضرورياً للبحث عن السبل الأفضل في كل تلك النواحي، والتي من شأنها أن تجعل حياتنا أكثر ملائمة للتغيرات، بل الأهم هو الآليات التي نجعل بها الناس قابلة لضرورة التفكير الفلسفي عبر الاتجاه نحو حاجاتهم بشكل مباشر، وأقول بشكل مباشر لا لأنّ الفلسفة بسيطة، ولا لأنّ لغتها يجب أن تبسط بشكل يفقدها مزاياها الخاصة، ولكن بتقريبها وإن لم يكن كمصطلحات، بل كآلية إنتاج لأسئلة للناس، ومحاولة اقتراح حلول وأجوبة واقعية، والتي وإن لم تسهم في تغيير أحوالهم دراماتيكياً، إلا أنّها تحرّك مياههم المعرفية الراكدة، وتساهم في استنهاض وعيهم لتفعيل أدوارهم في أي عملية تغيير، وعلى أي صعيد كانت.

ليفانت – أسامة هنيدي  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

في ضرورة استثمار الفلسفة

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب