في الطريق إلى الشرق الأوسط الجديد | The Levant

في الطريق إلى الشرق الأوسط الجديد

خالد المطلق
خالد المطلق

عندما يطلّ علينا عام 2023، سينتهي مفعول معاهدة لوزان التي فرضها المنتصر في الحرب العالمية الثانية، وهذا يعني بداية مرحلة جديدة من مراحل تاريخ منطقة الشرق الأوسط، وبدء عودة تركيا وألمانيا للمشهد في محاولة لإيجاد موقع لها بين أصحاب النفوذ الاقتصادي أو العسكري أو كليهما معاً، من خلال سيطرتها على الثروات وتوسيع نفوذها العسكري لتلتحق في ركب الدول العظمى التي سيطرت على العالم منذ تلك المعاهدة.

أما روسيا الطامحة للحفاظ على وجودها في حوض المتوسط، والراغبة في البقاء كقطب منافس ولاعب دولي وتاريخي فاعل، هي بدورها تبحث عن موطئ قدم وأسواق جديدة لها في المنطقة بعد غيابها لأكثر من نصف قرن عن أحد أغنى الأسواق في منطقة الشرق الأوسط، فالمنطقة تزدحم فيها الصراعات وتختلف فيها الرغبات وتعاني من عدم اتفاق المتصارعين، وهذا يعني أنّ احتمالات الحرب قائمة لكي يفرض المنتصر إرادته من جديد قائمة وبقوة على المشهد الجيوسياسي في المنطقة.

يجري كل هذا بعد تدمير القوى الرئيسة في المنطقة “العراق وسوريا” وإضعاف “مصر”، وحصار هذه القوى التي يمكن أن تعيق مخططات المستعمرين العائدين من جديد، والعمل على احتواء ما تبقى من قوى منطقة الخليج العربي أو إغراقها في ملفات ثقيلة، وخلق عدو داهم على حدودهم كفزّاعة، وإفقار بعضها وتوريطه بالديون لصالح البنك الدولي، وإبقاء هذه الدول بلا هوية، وعدم السماح لها بامتلاك البنية التحتية لأي نهضة عسكرية أو اجتماعية أو علمية، ولسنا ببعيدين عن حوادث اغتيال مئات العلماء العرب في شتّى الاختصاصات، وبظروف غامضة، واحتواء ما سُمي ثورات الربيع العربي وتدجينها والسيطرة على مفاصلها عبر أذرعهم بأزياء عدة، منها الإسلامية ومنها العلمانية وغيرها، أما ايران فستبقى قوة جاثمة يريدها الغرب لتحريكها وقت اللزوم عندما تخرج أياً من هذه الدول عن الخط المرسوم لها “فزاعة قوية لا أكثر”.

وتبقى القوة الرئيسة واللاعب الأقوى في مصير المنطقة، والتي تمتلك الكثير من أوراق القوة التي تستخدمها لصالح كيانها، إنّها إسرائيل، وإذا سألنا ماذا تريد؟ وإلى ماذا تطمح؟ لوجدنا أجوبتنا في جملة معلقة على باب الكنيست الإسرائيلي تقول وبكل وضوح “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”، هذا الحلم الذي تسعى لتحقيقه منذ معاهدة بازل في سويسرا “1897”، ولربما تستطيع تحقيق هذا الحلم من خلال دعم ما يجري من عمليات تهجير أبناء المناطق الممتدة من حوض نهر الفرات إلى حوض نهر النيل، وهذا ما حدث فعلياً في فلسطين والعراق ويحدث في سوريا واليمن وليبيا، من خلال تدمير الحواضر العامرة وسحق الإنسان عبر الحصار والتجويع وصولاً إلى استسلامه للأمر الواقع، ليقبل بأي حل يُقرّبه من الخلاص من هذا الجحيم الذي يحيط به، فكل ما حدث في العالم منذ أحداث “11 سبتمبر/ أيلول”، مروراً بغزو أفغانستان والعراق وتفكيك سوريا وحصار مصر مائياً وإشعال الصراعات، غربها وشرقها وجنوبها، وفرض التطبيع على عدد من الأنظمة العربية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ليس صدفة بل كل هذا يأتي في إطار تحقيق حلم إسرائيل في السيطرة العسكرية والاقتصادية على دول الشرق الأوسط.

وبهذا تكون الدول التي تخلصت من قيود معاهدة لوزان استطاعت التغلغل في المنطقة، مستغلة ضعف أبنائها وتشرذم قياداتها، محاولة اقتطاع أكبر قدر من منطقة الشرق الأوسط في سباق مع الزمن، لتتقاسم مع إسرائيل هذه المنطقة الحيوية الذي أطلق عليها الأمريكان منذ عقود تسمية “الشرق الأوسط الجديد”، ومن هنا يتضح وبشكل جلي أنّنا مقبلون على سنوات حالكة الظلمة تُهيّء لنشوء نظام عالمي جديد، مُنطلقه الشرق الأوسط، ومن المتوقع أن يكون متعدد الأقطاب على أثر ظهور قوة ناشئة عسكرية واقتصادية وعلمية هائلة تتمثل في الصين، إلا إذا تم حسم الصراع عسكرياً بين هذه الدولة المتخمة في التكنولوجيا العسكرية التقليدية وغير التقليدية، وبين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، الذين وحسب مجريات الأحداث سينفضّون عنها عاجلاً نتيجة هيمنتها المطلقة على العالم طوال الأربعة عقود الماضية في حال أثبتت القوى الأخرى وجودها على الأرض.

ليفانت – خالد المطلق

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

في الطريق إلى الشرق الأوسط الجديد

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب