عن الوطن الذي قهر آباءنا

هنادي زحلوط

ما زال ذاك التصفيق القوي المستمر يرنّ في أذني، تصفيق محبب، ليس كباقي التصفيق الإجباري الذي اعتادت أذناي سماعه منذ ولادتي، التصفيق الذي سمعته حين أنهيت قراءة قصتي القصيرة الساخرة “نهاية رجل شفاف” على منصّة جامعة تشرين في احتفائها بمهرجان أدب الشباب، كانت هنالك يدان تصفقان دون انقطاع وبحماسة كادت معها الدمعة تفرّ من عيني: يدا أبي سومر، الذي سوف يكون مذ ذلك اليوم أبي الذي لم يلدني، ولكنه رباني كما أبي الحقيقي، حبيبي محمود. 

عرفني بنفسه، ومنذ ذلك اليوم بدأت علاقة جميلة تعرفت معها إلى شيء اسمه المعارضة السورية، شيء كنت كفتاة متمردة خارجة من الثانوية أبحث عنه وأدرك وجوده ولكنّي لا أراه.

كان أبو سومر، أحمد سعيد، أستاذاً للتاريخ، ابن هذا الريف الجميل العنيد، ولم أرَ مثل المزيج الذي يحمله من العنفوان والصبر، هو زوج عاشق، وأب محب، ورفيق في حزب الشعب، الحزب الشيوعي السوري المكتب السياسي، سابقاً.

كان دوما قلقاً على مستقبل أبنائه، وعلى فرض حزب البعث لأيديولوجيته في المدارس، كان يقول متألماً لبيانات الانتساب لحزب البعث التي توزّع “بدون يسرقوا ولادنا منا ونحنا ناضلنا لنبقى”، وكان في حصص التاريخ التي يدرّسها يسمي الأمور بأسمائها، فيقول عن الحركة التصحيحية: “الانقلاب”.

كنا نجلس ونتحدّث في منزله، كان أفق الحوار في كل شيء وجو العائلة الجميل يسحرني حقاً، كنت أغبط لينا، ابنته الكبرى على ما تحظى به من جو حوار حر، وكنت أحسد سومر على محبة لا تقدّر يوليها له والداه، وكان عيسى صغيرنا المدلل جميعاً، وقد أحسست أنّي بتّ فرداً من العائلة.

لا يمكنني أن أنسى دقات القلب وأنا أستعير أعداد نشرة الرأي و”آفاق”، ومناشير المعارضة الأخرى، يغلفها لي بجريدة الوحدة، التي تصدر في اللاذقية، كي أتمكن من حملها والدخول بها دون خوف عبر مدخل جامعة تشرين.

التقينا في بدايات الحراك، خلال زياراتي الأخيرة للاذقية قبل اعتقالي، لم أستغرب خروجه للتظاهر، كان ذاك هو مكانه الطبيعي الذي خلق ليعيشه بكل جوارحه وقيمه.

لا أستطيع عدّ فناجين القهوة التي دعي لها، والحياة التي عاشها تحت الضغوط الهائلة، لم يصمت حتى حين تم تسريحه تعسفياً قبل الصورة بسنوات، لكن ما أثار قهري فعلاً أنّ طلابه قاموا برمي الحجارة على شرفة منزله وبابه وشبابيكه، ليحطموا ما تعب في تأسيسه عمراً، ليس الحجر، ولكن هذا الإنسان، وفيما سعى هو لفتح مدارك طلابه، استطاعوا هم، ولو مرحلياً، استعمال هؤلاء الطلاب للانتقام منه، لكم أن تتخيلوا القهر.

لم أكفّ يوماً عن الفخر بأبي سومر والانتماء له بمناداته دوماً “يا بيي”، لطالما ذكرني بأبي محمود، هذا الأب المكافح الذي ربى ثلاثة عشر فتاة وولداً، وحاول أن يقدّم لهم كل ما يحتاجونه رغم ضيق ذات اليد، ونجح في كفايتهم، من الحب.

كان محمود حبيب ذاكرتي، كنت فتاته المدللة الصغيرة، وكان يحلو لي أن أحمل له زوادته حيث يعمل في منشأة الإسكان العسكري، وكنت في طفولتي أحياناً ما أتغيب عن مدرستي لأسقي شتلات التبغ معه، وكنت أدرس ما فاتني مساء، وأصنع له كأس الشاي لنشربه سوياً.

بعد حوالي ثلاثين عاماً من العمل، اكتشف أنّه ليس لديه ملف في التأمينات الاجتماعية، وأنّه حرم راتبه التقاعدي بسبب خطأ موظف لم يرد الاعتراف بخطئه، وحين أعادوا له ملف طلبه التقاعدي طالبين منه إعادة جمع أوراقه منذ تم قبوله للعمل منذ ثلاثين عاماً، ما كان منه إلا أن مزّق الطلب.

استمرّ أبي يعمل حارساً في منحل قريب، حتى ناهز الثمانين عاماً، كان يمشي ويعمل في الأرض بهمة شاب، لكنني وحدي كنت ألمس في عينيه تلك النظرة التي تقول لا أريد لك هذا القهر. عن الوطن

توفي أبي وأنا رهن الاعتقال الأول، ولم أعلم بوفاته إلا مصادفة، لم أكن بجانبه لامساك يده، ولم..

ومنذ غادرت سوريا، أفكر بأنّه لم يعد بوسعي رؤية “بيي”، أبي سومر”، ولم يعد بوسعي حتى زيارة قبر أبي، محمود، وطن قهر آباءنا وقهرنا بحرماننا منهم، وطن يحرم ابنة من وداع أبيها، ويكلف طلاباً برجم معلمهم، وطن يتحوّل كل يوم لعبرة بين الأوطان، فأيّ وطن هذا سوى تاريخ من القهر.

ليفانت – هنادي زحلوط

ما زال ذاك التصفيق القوي المستمر يرنّ في أذني، تصفيق محبب، ليس كباقي التصفيق الإجباري الذي اعتادت أذناي سماعه منذ ولادتي، التصفيق الذي سمعته حين أنهيت قراءة قصتي القصيرة الساخرة “نهاية رجل شفاف” على منصّة جامعة تشرين في احتفائها بمهرجان أدب الشباب، كانت هنالك يدان تصفقان دون انقطاع وبحماسة كادت معها الدمعة تفرّ من عيني: يدا أبي سومر، الذي سوف يكون مذ ذلك اليوم أبي الذي لم يلدني، ولكنه رباني كما أبي الحقيقي، حبيبي محمود. 

عرفني بنفسه، ومنذ ذلك اليوم بدأت علاقة جميلة تعرفت معها إلى شيء اسمه المعارضة السورية، شيء كنت كفتاة متمردة خارجة من الثانوية أبحث عنه وأدرك وجوده ولكنّي لا أراه.

كان أبو سومر، أحمد سعيد، أستاذاً للتاريخ، ابن هذا الريف الجميل العنيد، ولم أرَ مثل المزيج الذي يحمله من العنفوان والصبر، هو زوج عاشق، وأب محب، ورفيق في حزب الشعب، الحزب الشيوعي السوري المكتب السياسي، سابقاً.

كان دوما قلقاً على مستقبل أبنائه، وعلى فرض حزب البعث لأيديولوجيته في المدارس، كان يقول متألماً لبيانات الانتساب لحزب البعث التي توزّع “بدون يسرقوا ولادنا منا ونحنا ناضلنا لنبقى”، وكان في حصص التاريخ التي يدرّسها يسمي الأمور بأسمائها، فيقول عن الحركة التصحيحية: “الانقلاب”.

كنا نجلس ونتحدّث في منزله، كان أفق الحوار في كل شيء وجو العائلة الجميل يسحرني حقاً، كنت أغبط لينا، ابنته الكبرى على ما تحظى به من جو حوار حر، وكنت أحسد سومر على محبة لا تقدّر يوليها له والداه، وكان عيسى صغيرنا المدلل جميعاً، وقد أحسست أنّي بتّ فرداً من العائلة.

لا يمكنني أن أنسى دقات القلب وأنا أستعير أعداد نشرة الرأي و”آفاق”، ومناشير المعارضة الأخرى، يغلفها لي بجريدة الوحدة، التي تصدر في اللاذقية، كي أتمكن من حملها والدخول بها دون خوف عبر مدخل جامعة تشرين.

التقينا في بدايات الحراك، خلال زياراتي الأخيرة للاذقية قبل اعتقالي، لم أستغرب خروجه للتظاهر، كان ذاك هو مكانه الطبيعي الذي خلق ليعيشه بكل جوارحه وقيمه.

لا أستطيع عدّ فناجين القهوة التي دعي لها، والحياة التي عاشها تحت الضغوط الهائلة، لم يصمت حتى حين تم تسريحه تعسفياً قبل الصورة بسنوات، لكن ما أثار قهري فعلاً أنّ طلابه قاموا برمي الحجارة على شرفة منزله وبابه وشبابيكه، ليحطموا ما تعب في تأسيسه عمراً، ليس الحجر، ولكن هذا الإنسان، وفيما سعى هو لفتح مدارك طلابه، استطاعوا هم، ولو مرحلياً، استعمال هؤلاء الطلاب للانتقام منه، لكم أن تتخيلوا القهر.

لم أكفّ يوماً عن الفخر بأبي سومر والانتماء له بمناداته دوماً “يا بيي”، لطالما ذكرني بأبي محمود، هذا الأب المكافح الذي ربى ثلاثة عشر فتاة وولداً، وحاول أن يقدّم لهم كل ما يحتاجونه رغم ضيق ذات اليد، ونجح في كفايتهم، من الحب.

كان محمود حبيب ذاكرتي، كنت فتاته المدللة الصغيرة، وكان يحلو لي أن أحمل له زوادته حيث يعمل في منشأة الإسكان العسكري، وكنت في طفولتي أحياناً ما أتغيب عن مدرستي لأسقي شتلات التبغ معه، وكنت أدرس ما فاتني مساء، وأصنع له كأس الشاي لنشربه سوياً.

بعد حوالي ثلاثين عاماً من العمل، اكتشف أنّه ليس لديه ملف في التأمينات الاجتماعية، وأنّه حرم راتبه التقاعدي بسبب خطأ موظف لم يرد الاعتراف بخطئه، وحين أعادوا له ملف طلبه التقاعدي طالبين منه إعادة جمع أوراقه منذ تم قبوله للعمل منذ ثلاثين عاماً، ما كان منه إلا أن مزّق الطلب.

استمرّ أبي يعمل حارساً في منحل قريب، حتى ناهز الثمانين عاماً، كان يمشي ويعمل في الأرض بهمة شاب، لكنني وحدي كنت ألمس في عينيه تلك النظرة التي تقول لا أريد لك هذا القهر. عن الوطن

توفي أبي وأنا رهن الاعتقال الأول، ولم أعلم بوفاته إلا مصادفة، لم أكن بجانبه لامساك يده، ولم..

ومنذ غادرت سوريا، أفكر بأنّه لم يعد بوسعي رؤية “بيي”، أبي سومر”، ولم يعد بوسعي حتى زيارة قبر أبي، محمود، وطن قهر آباءنا وقهرنا بحرماننا منهم، وطن يحرم ابنة من وداع أبيها، ويكلف طلاباً برجم معلمهم، وطن يتحوّل كل يوم لعبرة بين الأوطان، فأيّ وطن هذا سوى تاريخ من القهر.

ليفانت – هنادي زحلوط

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit