عزيزي بنيامين.. الشالوم عليكم | The Levant

عزيزي بنيامين.. الشالوم عليكم

ثائر الزعزوع
ثائر الزعزوع

كانت ردة فعل الشارع «العربي» عام ٢٠١٧ أقلّ من المتوقع، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب القدس عاصمة لدولة إسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، بعد أن تردّد وماطل غيره من الرؤساء الأميركيين في فعل ذلك، ففي عام ١٩٩٥، أصدر الكونغرس «قانون سفارة إسرائيل» والذي ينصّ على أنّه ينبغي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل. بنيامين

وكان يجب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس خلال خمس سنوات من ذلك التاريخ، لكن كل رئيس أمريكي كان يوقع تمديداً لمدة ستة أشهر، حتى جاء دونالد ترمب وفعلها. ورغم خروج عدد من المظاهرات في هذه المدينة أو تلك، إلا أنّ الأمر لم يتجاوز ذلك الحدّ، ولم يتطوّر ليصير حركة شعبية منظّمة، رافضة، فأيّ حراك شعبي يمكن أن يتطوّر بشكل أو بآخر ليتحول إلى مظاهرة، والمظاهرات صارت تثير حساسية لدى الأنظمة العربية، لأنّها قد تحرّك المياه الراكدة لدى الشعوب، و«تثور». بنيامين

الطريف في الأمر أنّ نظام دمشق، وهو الذي يدّعي بأنّه الأمين على القضية الفلسطينية، نظّم، على سبيل المثال، مهرجاناً خطابياً حماسياً، وندّد واستنكر، وحصر «المناضلين»، وبينهم قادة فصائل فلسطينية، في قاعة مكيفة، ليلقوا كلمات وقصائد، هزّت أعمدة البيت الأبيض.. وكتب عدد من الرفاق الأعضاء العاملين في حزب البعث الحاكم مقالات في صحيفة البعث، كشفت «الغطرسة الأميركية» و«النفاق الدولي»… كذا إلى آخره من عبارات وكليشيهات جاهزة، سوف لن أفضح سراً إن قلت إنّنا بتنا نصاب بالقرف من سماعها، ليس لأنّها غير حقيقية، فالغطرسة الأميركية واقع يعلمه الجميع، وحتى الأميركيون أنفسهم، وكتب ناوم تشومسكي، وهو واحد من أهم المفكرين الأميركيين، كتاب «الدول المارقة»، يتحدّث فيه عن بلده وغطرستها، والنفاق الدولي ليس جديداً، فلطالما كان المجتمع الدولي منافقاً، ولكن أن تصدر تلك العبارات عن نظام قصف بالبراميل المتفجرة المباني السكنية والمستشفيات، ومدارس الأطفال، وتحالف مع عصابات عابرة للحدود ضد أبناء الشعب، ويملأ السجون والمعتقلات بالمواطنين، وحفر قبوراً جماعية كي يداري سوءته التي لا يمكن مداراتها، فهذا مصدر القرف.

فلنعد للحديث عن السلام، وقد تم إنجاز اتفاقيتين جديدتين بين إسرائيل والإمارات والبحرين، تضافان إلى الاتفاقيات السابقة مع مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية. يا عزيزي بنيامين، دعني أحدثك بقصة حدثت معي منتصف العام ٢٠١٢، في العاصمة الفرنسية، فقد صادف أن كنت جالساً في مطعم يقدم المأكولات اللبنانية، و جلس قريباً مني شاب ملامحه شرقية، وحاول أن يفتح حديثاً معي بإنكليزية مكسرة، قال إنّ الأكل لذيذ، تحدثنا قليلاً عن الفلافل والفتة والفول المدمس، ثم قال لي إنّه إسرائيلي.

ساعتها لن أخفي عليك يا عزيزي بنيامين انتابني شعور غريب، فهذه كانت المرة الأولى في حياتي التي ألتقي فيها شخصاً يقول إنّه إسرائيلي، ارتبكت، فإسرائيل بالنسبة لي تعني دولة احتلال، وهذه قناعة لم يعلمني إياها نظام الحكم المستبد، لكن تعلمتها من كتب التاريخ، وهي حقيقة يعلمها الجميع، تماماً كما تبين لي أنّ محدثي الإسرائيلي الطارئ يعلمها، فقد قال لي الشاب الأسمر إنّه يشعر بالخجل كونه إسرائيلياً، وهو يمضي وقتاً أطول خارج إسرائيل كيلا يضطر لرؤية ما تفعله قوات الاحتلال، وهو عضو ناشط في جمعية تقاوم الاستيطان، ولديه أصدقاء كثر من الفلسطينيين، وأخبرني أنّه شارك في الكثير من الوقفات الاحتجاجية ضد الحكومة الإسرائيلية، ولكنه لم يعتقل، ولم يطرد من عمله، وهو ما زال قادراً على الذهاب والإياب وقتما أحب.

الغريب أنّني حين قلت لمحدثي إنّني سوري لم يشعر بالخوف مني، ولم تتغيّر ملامحه، بل اكتفى بأن قال عبارة «على راسي»، التي يبدو أنّه تعلمها من أصدقائه الفلسطينين، ولن أخفيك إن قلت إنني كنت خائفاً، حتى وأنا أغادر المطعم وأمضي في سبيلي، خفت أن يراني أحد، خفت من أصدقائي، من عائلتي، من كل من أعرفهم. ماذا سيقولون عني إن علموا أنّي جلست مع «إسرائيلي»؟ تماماً كما كان السوري يخاف خلال عشرين سنة، إن تواصل مع «عراقي»، فقد ظل العراق يعامل معاملة إسرائيل طيلة عشرين سنة، وكان يكتب على جوازات السفر السورية «ما عدا إسرائيل والعراق»، ليس لأنّ العراق احتل أراضي سورية، ولكن لأنّ الديكتاتورين اختلفا على من هو الأحق بحمل لواء مقاتلتكم وتحرير فلسطين منكم، وحرمت عمتي من رؤية بناتها وأحفادها، لأنّهم كانوا يقيمون في العراق، ومزقت عوائل بأكملها ما بين سوريا والعراق، واعتقل عشرات الآلاف بتهمة أنّهم «عملاء للعراق». بنيامين

هكذا نحن يا عزيزي السيد بنيامين، شعوب تقودها أنظمة مستبدة، تقرر لنا ماذا نشرب وماذا نأكل، ومع من نتحدث، أو لا نتحدث.. نخاف من كل شيء، تعلمنا أن نخاف منكم، ومع هذا كانت أنظمتنا تريد «إلقاءكم في البحر»، وهم كانوا يعتقلون من لديه رغبة في مقاومتكم، و سأختم حديثي بحادثة أخيرة يا عزيزي بنيامين، في تسعينيات القرن الماضي، اعتقل أحد أصدقائي الفلسطينيين لأنه ينتمي إلى مجموعة تنوي القيام بعمليات عسكرية داخل «الأراضي المحتلة» أقصد «دولتكم»، وقد اختفى تماماً، ولم نعد نسمع عنه شيئاً من يومها، وقد استدعينا للتحقيق، نحن أصدقاءه، وعذبنا، فقط لأنّنا أصدقاؤه.

أعلم عزيزي بنيامين أنك تعلم كل ذلك، وأعلم أنّ أجهزة مخابراتكم موجودة في كل مكان، ولكني أحببت أن أذكر لك هذه الحوادث فقط لتعلم أننا شعوب لا تقرر شيئاً، وأنّ أولئك المحتفلين والراقصين لأجل السلام، ليسوا سوى أراجوزات، مهرجين في مسرحية هزلية، قيل لهم ارقصوا فرقصوا، وقيل لهم اضحكوا فضحكوا، وقيل لهم تحدثوا بالعبرية فقالوا: “الشالوم عليكم ورخمة الله”، نحن شعوب اعتدنا ألا يؤخذ رأينا في شيء، وحين أردنا أن نتحرّر وقفتم كلكم ضدنا ودعمتم قاتلنا، وربما تكون أنت أولهم. بنيامين

ليفانت – ثائر الزعزوع  

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

عزيزي بنيامين.. الشالوم عليكم

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب