سقوط محمود عزت يعزّز فرضيات نهاية الإخوان في مصر

محمود عزت
محمود عزت

لأول مرة في تاريخها… الجماعة تواجه أزمة تدويل منصب المرشد العام والغنوشي مرشحا

اتهامات متبادلة بالخيانة والصراعات تقتحم الإعلام الإخواني

أروبا ملجأ.. الجماعة تبحث عن حواضن بديلة لنشاطها

 

رشا عمار

عكست حالة الجدل التي تبعت خبر القبض على محمود عزت القائم بأعمال مرشد جماعة الإخوان في مصر فرضيات جديدة عن مستقبل التنظيم  الذي ظل متماسكا بفضل قدرته على الاحتفاظ بالهيكل التنظيمي التاريخي ومركزية القرارات وانصياع القواعد لها في الداخل والخارج إعمالًا لمبدأ السمع والطاعة الذي طبقه أبناء “البنا” بقبضة من حديد منذ أكثر من 100 عام.

وبالرغم من كون محمود عزت “صيد ثمين” بات بقبضة الأمن المصري ما يعني أن قدرًا ضخما من المعلومات الهامة قد انكشفت وأفشلت مخططات الجماعة الإرهابية للفترة المقبلة، إلا أن الأزمة الداخلية لدى الجماعة بدت أبعد من ذلك بكثير، لأن “عزت” كان بمثابة صمام أمان مُحكم، حافظ على تماسك التنظيم خلال السنوات الماضية رغم تتابع الانشقاقات والانهيار الداخلي، لعل أبرزها انشقاق عضو مكتب الإرشاد محمد كمال ومجموعته المسلحة وإعلان نفسه مرشدًا بديلا عن محمد بديع، في حالة عصيان لم تشهدها الجماعة على مدار تاريخها.

لكن محمود عزت الذي حالفه الحظ دائما، وكان أحد الشباب الذين رفض الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر التصديق على حكم الإعدام الصادر بحقهم في عام 1966 في القضية الإخوانية الأشهر (تنظيم65) والذي أعدم فيها سيد قطب ومجموعة من أعضاء التنظيم، لأنه لم يتجاوز وقتها 19عام فلت من السقوط كما فلت من الإعدام لصغر سنه، ولم يكن يعلم وقتها أنه سيقود التنظيم لمدة تتجاوز 40 عاما ويبقى الرجل الأقوى والأطول تمسكا بمنصبة داخل مكتب الإرشاد، قمة الهرم التنظيمي في الجماعة لعدة عقود.

ويقول المفكر الإسلامي المصري ثروت الخرباوي، إن “عزت” نجح في حسم كافة المعارك التي خاضها داخل التنظيم لصالحه على مدار أكثر من 6 عقود، وإنه كان من أكثر المتطرفين داخل مكتب الإرشاد لأنه التليمذ الأوفى لشكري مصطفى مؤسس تنظيم التكفير والهجرة صاحب المرجعية الدموية والمشرع لعمليات القتل والعمل المسلح.

انهيار المركزية

وفي حديث لـ”ليفانت” عبر “الخرباوي” عن  اعتقاده بأن جماعة الإخوان في مصر قد وصلت محطتها الأخيرة، وأنها ستواجه انهيارا مركزيا لن تقوى على الصمود أمامه، مؤكدًا أن محمد عزت تم تنصيبه كمرشد عام للتنظيم منذ عدة سنوات بديلا عن محمد بديع، موضحًا أن القرار كان سببا في إشعال الخلاف والصراع بين مجموعة عزت ويمثلها محمود حسين الأمين العام للجماعة، وإبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي من ناحية، ومجموعة محمد كمال أو من أطلقوا على نفسهم الكماليون من ناحية أخرى.

وتابع “الخرباوي” أن الجماعة حاولت خداع المصريين بأن الخلاف كان بسبب الأيدلوجيا وان تيارا داخل التنظيم يرفض حمل السلاح وقتل الأبرياء، لكن الخلاف كان في جوهره لسباب تتعلق بتقسيم مراكز القوى وصناعة القرار والتمويلات، لكنهم يتفقان في الفكرة والعقيدة.

تصدع داخلي

وبالرغم من مكانة عزت الكبيرة وقبضته الحديدة داخل التنظيم إلا أن ردود الفعل من جانب عناصر التنظيم على الخبر كانت باردة وتوحي بأن هناك ارتياح عند قطاع كبير، بالتحديد القائميين على إدارة اللجان الإلكترونية، بهذا الخبر، ليس ذلك فحسب بل أن مؤشرات تلك الفرضية زادت بسبب النغمة التي تحدث بها القيادي الإخواني عصام تليمة المدير السابق لمكتب يوسف القرضاوي في فيديو نشره على “يوتيوب” عقب ساعات من القبض على محمود عزت، أكد فيه أن المرشد كان عاملا محوريا في الصراع بين قطبي التنظيم وانحاز للصقور أو القيادات التاريخية وظلم الشباب على حد تعبيره، وأعاد الحديث عن الاتهام القديم لعزت بأنه بلغ الأمن المصري عن مكان اختباء محمد كمال ومجموعته انتقاما منه لعدم انصياعه لأوامر القيادة التاريخية وانشقاقه عنهم وإعلان نفسه مرشدا على الإخوان.

ويقول الباحث المصري المتخصص في التنظيمات الإرهابي عمرة فاروق إن الجماعة تشهد حاليا حالة من الفراغ التنظيمي المؤقت في ظل وجود المرشد ونوابه داخل السجن، فضلا عن عدد كبير من قيادات الجماعة المؤثرين، ما يعني أن الجماعة  ستشتعل داخلها الصراعات والخلافات حول مصير إدارة ملفات السلطة والمال.

تدويل منصب المرشد.. هل يحظى بها الغنوشي؟

وحول سيناريوهات ما بعد القبض على عزت وهوية خليفته، قال “الخرباوي” إن الجماعة تواجه أزمة كبيرة في الوقت الحالي بسبب انهيار الهيكل التنظيمي وفقدان قدرتها على التحكم من خلال القرارات المركزية، وأكد أن التنظيم الدولي في حالة انعقاد دائم منذ يوم الجمعة، لوضع خطة جديدة للتعامل مع الأزمة، مشيرًا إلى أن اسم راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإخوانية في تونس لمع مؤخرا لتولي منصب المرشد العام، لكن القيادات التاريخية رفضت ذلك لأن قضية تدويل منصب المرشد العام وخروجه من مصر طالما كانت صداعا في رأس الإخوان لكن القرار كان شبه مستحيل، باعتبار أن الجماعة في مصر هى “الجماعة الأم” ومكتب الإرشاد مقره بمصر.  

ويرى عمرو فاروق أن يفتح القبض على محمود عزت الباب على مصرعيه أمام طرح قضية “تدويل منصب المرشد”،  والخلاص من فكرة قصره على إخوان مصر ضمنيًا، دون غيرهم باعتبار أن القاهرة مهد الحركة الأم التي تأسست على يد حسن البنا، وطور بنيانها الفكري سيد قطب، ومن ثم لايجوز نهائيا أن ينتقل منصب المرشد خارج حدود القاهرة، لاسيما في ظل وجود أزمة حقيقية موجودة منذ تسعينات القرن الماضي بين إخوان مصر وإخوان الكويت ولبنان وتونس،والتي تولد عنها ما عرف بـ”بيعة المقابر” تهربا من الصدام المباشر مع قيادات التنظيم الدولي وقتها.

وأكد “فاروق أنه من الضروروي أن تعلن جماعة الإخوان خلال الساعات القلية المقبلة خليفة محمود عزت، أو كاهن المعبد الجديد، أمام الرأي العام من خلال بيان رسمي، لقطع الطريق على جبهات وأطراف كثيرة ترغب في اقتناص المنصب، وكرسالة تطمينية للقواعد التنظيمية داخل مصر وخارجها بأن الجماعة مازالت قادرة على الاستمرار والمواجهة في ظل الملاحقات والضربات الأمنية، فضلا عن أن الجماعة لديها سيناريوهات في عملية تدويل المناصب القيادية في حال القبض على القيادات المؤثرة وقيادات الصف الأول.

وبقول “فاروق” إنه من المرجح أن لا يخرج كاهن المعبد الجديد ، عن قيادات التيار القطبي المهيمن على المشهد ومفاصل الجماعة منذ سبيعنات القرن الماضي،  وعن القيادات التي كانت ضالعة في قضية تنظيم (65) الذي أسسه سيد قطب، ومن ثم يعتبر أهم القيادات المرشحة لهذا المنصب وتتوافر فيها شروط التيار القطبي، هم، محمد البحيري، المقيم حالياً بلندن، ويعتبر الذراع الاساسية لمحمود عزت في الخارج،  والمتهم رقم (25) في قضية تنظيم سيد قطب، وتلميذ مصطفى مشهور، ويحظى بتأييد واسع من قواعد الإخوان التنظيمية

البحث عن حواضن جديدة

بعد النهيار الكبير الذي شهدته جماعة الغخوان في عدة بلدان عربية عقب أحداث الربيع العربي ومن ثم وصولها للحكم ثم سقوطها بعد أقل من عام سواء في مصر أو تونس، وما تبع ذلك من أزمات، تحاول الجماعة جاهدة البحث عن حواضن بديلة لنشاطها.

وقال المرصد المصري للحركات الإرهابية، التابع لدار الإفتاء، في تقرير نشره إن جماعة الإخوان المسلمين تعمل على الانتشار والتوسع في المجتمعات الغربية بشكل كبير، عبر تشكيل ما يسمّى بالكيانات الموازية لتكون بديلا للدولة والمجتمع بالنسبة لأفرادها، وذلك تنفيذا لوصايا مؤسسها حسن البنا إلى المنتمين للجماعة بصناعة مجتمعات موازية في الغرب والسعي للسيطرة على صناع القرار فيه.

وتضمن تقرير المرصد الحديث عن التفاصيل المتعلقة بخطة جماعة الإخوان الانتشار في المجتمعات الأوروبية، من خلال السيطرة عليها فكريا واختراق مؤسساتها الثقافية والسياسية.

وأشار إلى أن التنظيم يسعى إلى تدعيم حضوره في مجالات جديدة مثل البلدان الاسكندينافية التي لم يكن له فيها وجود سابق مثل السويد والنرويج والدنمارك، نظرا لتوفر المناخ المناسب الذي يشجع على النمو، بعيدا عن المضايقات الأمنية والاعتقالات والتضييق الاقتصادي، حيث تسهل ممارسة أفعاله المشبوهة.