زيارة ماكرون لفيروز.. من يستفيد ممن؟

مصطفى عباس

اهتمام جماهيري كبير على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي حظيت بها الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيت السيدة فيروز في بيروت.. اهتمام أفرغ- إعلامياً على الأقل- زيارة ماكرون الثانية له خلال أسابيع من مضمونها السياسي، الذي هو الحث على الإسراع بتشكيل حكومة مؤلفة من خبراء، قادرة على القضاء على الفساد والهدر والإهمال وإعادة البناء بعد الانفجار المدمر الذي شهده مرفأ بيروت الشهر الماضي، وأودى بحياة نحو مئتي شخص.

ماكرون قلد أيقونة الغناء العربي فيروز أرفع وسام فرنسي، وهو وسام جوقة الشرف من رتبة كوموندور، ولكنها ليست المرة الأولى التي تنال صاحبة ” بحبك يا لبنان” أوسمة فرنسية، فقد سبق ماكرون كل من فرانسوا ميتيران الذي منحها وسام قائد الفنون والآداب عام 1988، وجاك شيراك عبر وسام فارس جوقة الشرف 1998.

لم يخطئ ماكرون عندما زار فيروز، فلا يمكن ذكر الأخيرة دون ذكر لبنان، وكلاهما مرتبطان ببعضهما ارتباطاً عضوياً، سيما وأن لبنان الكبير الذي مضى على تأسيسه من قبل الفرنسيين نحو مئة سنة يمر الآن بأسوأ أيامه على الإطلاق، فحتى خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت 15 عاماً كان لبنان منارة ثقافية في الشرق الأوسط، ولكنه منذ أيار 2008 وهو تحت السيطرة الفعلية لميليشيا حزب الله، التي غاب معها البلد الملون، أرض الثقافة والفن ودور النشر، وليغدو “لبنان الأخضر” كما تقول فيروز في إحدى أغنياتها، لبنان الأسود، الذي بدلاً من الثقافة بدأ يصدر الفكر الثأري والانتقامي، المستند إلى ترهات تاريخية تخلط الروايات الصحيحة بالكاذبة، لتَخرُجَ بذلك المزيج ذي اللون القاتم حاضراً ومستقبلاً، ما لم يتم تجريد هذه الميليشيا من سلاحها، الذي بات موجهاً بالدرجة الأولى لصدور اللبنانيين والسوريين واليمنيين، وغيرهم.

رغم أني في الفترة الأخيرة لا أحبّذ سماع أغاني فيرز لما فيها من لحن حزين، ورتم جنائزي، فـ ” ما فيني من الحزن يكفيني ” ولكن (نهاد حداد) بكل الأحوال تعتبر برأي بعض النقاد إحدى أضلاع مثلث الغناء العربي، بعد أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وهي لا تظهر على وسائل الإعلام لا العربية ولا اللبنانية، وإن تم تسريب عدة فيديوهات لها على وسائل التواصل من قبل ابنتها ريما وهي تتلو الصلوات، أحدها مؤخراً في بيتها، بل في ذات الغرفة التي استقبلت بها ماكرون. عزلة طوعية تقول لنا إن الظهور الإعلامي مع ما يحمله من نشوة للكثيرين لا يعني لأم زياد شيئاً.

لكن الرئيس الفرنسي الذي لا يوفر فرصة للظهور لا يحظى بكثير من الشعبية في بلاده، بل كادت احتجاجات الستر الصفراء أن تطيح به قبل عامين، لولا خروجه على وسائل الإعلام معتذراً، وإلغاؤه قرار رفع أسعار الوقود. وهو لم يستطع بكل الأحوال إخراج فرنسا من المشاكل العالقة فيها، كالبطالة والهجرة وانخفاض مستوى الدخل، مقارنة بدول الجوار الفرنسي كألمانيا وسويسرا وهولندا، بل حتى إنه خشي على نفسه من الشعبية الكبيرة التي كان يحظى بها رئيس وزرائه السابق إدوار فيليب، الذي قاد عملية الحجر الصحي قبل أشهر بكل اقتدار، لذلك سارع ماكرون إلى عزله، حسبما يقول بعض المراقبين الفرنسيين.

لم يستطع ماكرون أن يحسن الوضع الداخلي الفرنسي، ولكنه عندما انفجر ميناء بيروت قبل أسابيع كان اول الواصلين تضامناً مع لبنان، المنكوب اقتصادياً، وتدور على أرضه انتفاضة منذ أواخر السنة الماضية للقضاء على الطبقة السياسية الفاسدة، ولكن ما الذي بإمكان ماكرون فعله، هل سيفعل في لبنان ما عجز عنه في فرنسا؟

رحب الكثيرون – وأنا منهم بهذه الزيارة، لمسح الغبار عن أيقونة مازال بريقها لامعاً رغم العقود التسعة من عمرها، في بلاد لا تتذكر المبدع إلا بعد موته، وهذا الوتر الأخير هو الذي أراد ماكرون الدندنة عليه، عله يكسب شعبية في بلادنا، سيما وأنه رئيس شاب منتخب ديمقراطياً، بينما في بلادنا الرؤساء الجمهوريون الانقلابيون تحكمهم قاعدة ” من القصر إلى القبر” وهم بعد ذلك يورثون أبناءهم، ولا بأس دائماً من تزوير انتخابات أحادية تكون نتيجتها 99 بالمئة، أما الرئيس اللبناني ميشيل عون الهرِم الذي لا يكاد يصحو حتى ينام، أو ” بين الصاحي والغفيان”، كما تقول فيروز في إحدى أغانيها، فتحالف عون مع ميليشيا حزب الله فيما عرف باتفاق مار مخايل 2005 ووقع لها على بياض، فقط مقابل إيصاله إلى سدة الحكم، وهذا ما كان، ولكن الثمن هو الحال الذي وصل إليه بلد الأرز اليوم.

ولنفترض ان ماكرون حصل على ما أراد، فهل ستفيده الشعبية في لبنان خلال الانتخابات الرئاسية القادمة؟ ربما ينظر ماكرون إلى لبنان كأحد أهم مراكز الفرنكفونية في الشرق الأوسط، والاهتمام به قد يرفع من شعبيته قليلاً لدى الفرنسيين، الذين يرون أن جذوة بلدهم في الخارج تخفت شيئاً فشيئاً، وبالتالي يزيد من رصيده خلال انتخابات رئاسية لم تعد بعيدة.

مصطفى عباس