دولة بلا نكهات سياسية سلطوية.. هل هذا ممكن؟ | The Levant

دولة بلا نكهات سياسية سلطوية.. هل هذا ممكن؟

جمال الشوفي
جمال الشوفي

ثمة خلاف مستعصٍ لليوم، تقوم حوله السجالات والخلافات، وتتشكل خلفه المحاور والاستعصاءات، وهو الدولة وإعطاؤها صفاتها الجسمية والقانونية والدستورية والسلطوية، قبل أن تتحقق الدولة ذاتها، كمن يكسي شقّته قبل أن يبني هيكلها الأولي ويمتّن أساساتها، فبدل أن تتحدّد الأسس الأولى وضعياً، أي بالفعل بواقع المخاض الثوري، بدأ الخلاف مبكراً على صفات الدولة، فاختلفت من بعد الأسس وبات كل فريق يؤسس في مكان له صفات تشبهه وتنفي غيره في جزيرة سياسية ضيقة، وليتها كانت دولة ذات شعب بل مجرد حكم واقع لا يتعدّى سطوة عسكرية ما أو تبعية دولية يتحكّم فيها فريق دون غيره.

والنتيجة اليوم، وعلى الرغم من عديد المحاولات البحثية والانقاذية لتفادي كارثة التشظّي هذه، إلا أنّها تصطدم بجدار تلك المشاريع، مشاريع “دويلة” ذات صفات ما، تفيد جهة ما وتنفي الأخرى، وكل في فلك يسبحون.

وحتى لا يصنّف المقال تهكمياً، أو جلداً للذات، أو يحاول اختزال المسألة في صراع سياسي محدود، تبدو محاور الصراع الدولي أكثر قسوة ووطأة وقوة منه، أتساءل مع من يتساءلون: لماذا الدولة يجب أن تكون مدنية أو علمانية أو إسلامية أو ماركسية أو قومية وغيرها؟

لنعدّد الفرضيات في الأساس:

-عندما تكون الدولة مدنيّة فهذا يعني أنّها حيدت حكم العسكر والسلطة عن رقاب الشعب، إذاً تحييد وفصل للسلطة والعمل السياسي عن العسكر وسلطة العسكر الذي أتى بكل هذه الويلات والكوارث، فكيف إذا ما أضفنا إليها نزعة كوارث الفصائلية والأسلمة والثورة المضادة، وويلات التطرّف التي عانى منها ناشطو المجتمع المدني بالأساس، ونقول ناشطي المجتمع المدني لا الدولة المدنية تحديداً.

-ولكن عندما تكون الدولة علمانية يعني أنّها حيّدت حكم الدين وموروثه القدسي من التحكّم في رقاب الشعب أيضاً، وبمعنى أكثر حرفية حين يتم الفصل بين الدين والسلطة السياسية، فأصل المشكلة هو هذا الموروث الغارق في بحر من التخلّف والشرعية الدينية، وكل فريق أو ملّة أو طائفة تريد فرض شرعيتها على الآخر حتى لو أعملت بها السيف، وهو ما نعانيه لليوم من قمع للحريات والفكر المختلف والتأطير العام في بوتقة مظلمة.

-أن تكون الدولة إسلامية، فالإسلام دين الإخاء والمساواة، دين التسامح والمحبة، دين العدالة التي أسّست في المدينة المنورة رضائيّاً حين آخى الرسول العربي (ص) بين الأنصار والمهاجرين حيث لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وما خروج فئة الضالين والمرتدّين عن هذا الدين إلا سبب البلاء الذي نعيش من قتل وثارات أوصلتنا للكارثة.

-وماذا لو كانت ماركسية، فالعدالة الاجتماعية وديكتاتورية البرولتياريا أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير هي الهدف والأساس، وما سبب بلوانا اليوم سوى تلك الإمبريالية الرأسمالية التي تتحالف مع سلطات العسكر التي سببت كل موبيقات هذه العصر الذي نحيا.

-وماذا لو كانت قومية، “وحدة طيف وحدة كيفما شئتي أقدمي”، كما قال شاعرٌ قومي يوماً، تنقذنا من المشروع الصهيوني والأمريكي ومن اتفاقات السلام المذلّة التي نعيشها اليوم، فلماذا لا نقرّ أنّ فشل الربيع العربي لليوم هو الصهيونية التي لا تريد مشروع الوحدة العربية.

تبدو كل فرضية بذاتها مكتملة الأركان بمسلماتها وبديهياتها ونتائجها، وفق منطق صوري مكتمل الأركان، فالنتيجة متضمنة بالمقدمات سلفاً، وما عليك سوى اتّباع ذات المنطق للوصول للدولة التي تريد، لدرجة أنّك أيّها المواطن لم تدرك مصلحتك بعد فالتحق بإحدى هذه النماذج من الدول وستجد جنة الفردوس أمامك، ولا تنسى في هذه الاثناء أن تلقي بالويل والثبور وعظائم الأمور على من ضيع حلم الدولة “الحق” التي نريد من باقي الفرق الضالة، والضلال هنا كل خارج عن رؤيتي وفكرتي صاحب مشروع الدولة وكسوتها المميزة.

هكذا يدور حوار الساسة لليوم، وهكذا تدار حلقات التحالفات السياسية لدرجة الكيدية وتشكيل الأخويات بذاتها التي تنبذ غيرها، وهكذا نجد بسهولة دون الحاجة لكل هذا المنطق في التحليل، نتائج حجم الكارثة التي نعيش، فهل يحتاج مزراب دم بهذا الوضوح لبرهان؟

أين الدولة بين هذا وذاك؟ وهل صفات الحكم الممكنة هي صفات الدولة؟ فمن السهولة القول بأنّها سلطة العسكر، سلطة البعث السياسي، سلطة مجلس السوفييت الأعلى، سلطة رجال الدين، سلطة وسلطة وسلطة… لكن أين الدولة إذا ما تمكّنت هذه السلط من حكم المجتمع دون الإقرار بوجود شعب ذي ميول واختلافات عرقية ودينية وثقافية وسياسية؟ وحقيقة لليوم لا أعلم شخصياً لماذا كل فريق يريد أن يصبغ الآخر بصبغته السياسية مدّعياً أنّه الحق الأعلى الذي من غيره لا تتحقق الدولة.

إذا ما دخلنا بالحيّز النظري والفكري، فإنّنا سندخل في سجالات عريضة فكرية وسياسية، هي سجالات بدأت تاريخياً ولم تنتهِ لليوم فكرياً ومعرفياً، وقد يكون الإدلاء بها اليوم حق حواري لا غنى عنه بل لازم وضروري، لكن ما يجب أن نبحث به هي تلك الأسس الإنسانيّة ذات الوجه الذي يليق بالسوريين، السوريين أصل الحدث وصانعي كل هذه التباينات والمشاريع التي تتزايد يوماً وراء يوم على حسابهم، وهذه الأسس الواجبة:

1-حق الإنسان الفرد وكل انسان (رجل امرأة طفل) أيّاً كان انتماؤه الديني أو السياسي المدني أو الأهلي وكل صفاته الجنسية والشخصيّة بالحياة الكريمة، بضمان فرص العمل المتكافئة والعلم والصحة.

2-حقّ تشكيل الجمعيات والأحزاب والمؤسسات المدنية خارج مؤسسات الدولة الرسمية، وحقّ تمثيلها الانتخابي وإقامة تحالفاتها السياسية ضمن القانون الوضعي.

3-الإقرار بأنّ القانون الوضعي هو تعاقد البشر الرضائي على طريقة إدارة أمور حياتهم وفق حدّي عدم الاعتداء الشخصي أو العام، دون ميزة لجهة سياسية أو دينية على الأخرين.

هذه الثلاث تحديداً هي جذر مفهوم الدولة بلا صفات أو نكهات، حيث مثّلث: الشعب والمؤسسات ضمن حيّز جغرافي مضافاً لها الإرادة الشعبية، أو هويتها الذاتية، شخصيتها العمومية، والتي تقرّ بوجود الجميع بأفكارهم ومعتقداتهم جميعاً مهما اختلفوا فيما بينهم، لكنهم ملتزمون ببقاء الدولة شعباً ومؤسسات وإرادة حرة غير مرتهنة لا لعسكر ولا لدين ولا مشاريع استثمارية تدار من الخارج، فهل هذا يتعارض مع العلماني أو المدني أو الإسلامي أو الماركسي أو القومي؟

نعم يتعارض فقط مع فكرة الوصول للسلطة فقط دون الشعب، بل وتحويل الشعب لجمهور مصفق لقائدهم الملهم او الخالد، وبالضرورة هي صراع عالسلطة بالأساس، وكل فريق يزينها ويفصلها حسبما يريد ويلبسها للدولة التي يريد والدولة والشعب براء من كل هذا.

البحث عن هذا التوافق، والتنازل عن أحقيّة ما سواء كانت فكرية أو مادية أو سياسية أو أكثرية أو أقلية، قد يبدأ بترجيح أحقيّة المشروع السوري في خضم صراعات الأمم على تركة سورية التي أجهضتها صراعاتها من جهة، وانسياقنا الطوعي خلف أوهامنا السلطوية دون الأخذ بالجذر والأساس، وهو السوري في دولة بلا صفات سياسية بل بمحددات دستورية وقانونية ومؤسساتية، لنصل إليها اولاً، ثم نختلف على سلطات الحكم سياسياً ومدنياً بحق الانتخاب الديموقراطي، فهل هذا ممكن؟ أم سترجّح مشاريع الدويلات ونعود لمشابهة التاريخ قبل ألف عام مع استمرار المذبحة؟

ليفانت – جمال الشوفي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

دولة بلا نكهات سياسية سلطوية.. هل هذا ممكن؟

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب