تركيا بين سياستي: «صفر مشاكل» و«كل المشاكل» | The Levant

تركيا بين سياستي: «صفر مشاكل» و«كل المشاكل»

عبد الناصر الحسين 
عبد الناصر الحسين 

يتساءل الكثيرون كيف انتقلت «تركيا الأردوغانية» من سياسة «صفر مشاكل» إلى سياسة «كل المشاكل» حتى رأى العالم تركيا اليوم غارقة في مشكلات معقدة لا يملك قادتها طريقاً للخروج منها.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، عام 2013، مقالاً لوزير الخارجية التركي السابق «أحمد داوود أوغلو»، مفاده أنّ تركيا بصدد انتهاج سياسة خارجية جديدة تقوم على مبدأ الـ«صفر مشاكل».

داوود أوغلو وصف وقتها كيف أصبحت بلاده تتوق لفتح صفحة جديدة مع جيرانها ومع المجتمع الدولي، موضحاً أنّ مستقبل علاقات تركيا بالدول الأخرى يبشر بمرحلة جديدة. وجاء في المقال ذاته تصوّر لأوغلو من ستة مبادئ هي: «التوازن في معادلة الأمن والحريات، صفر مشاكل مع دول الجوار، سياسة خارجية متعددة الأبعاد، سياسة إقليمية استباقية ونشطة، أسلوب دبلوماسي جديد ودبلوماسية إيقاعية».

بعد فوز حزب العدالة والتنمية الذي كان يرأسه «أحمد داوود أوغلو» أصبح الرجل رئيساً للوزراء، على رأس حكومة الجمهورية التركية الـ62، وبدأت أعمالها في 29 أغسطس 2014، تحت رئاسة أوغلو، بينما أصبح «رجب طيب أردوغان» رئيس الجمهورية.

في ذلك الوقت أكد «أوغلو» نيته المضي في سياسته التي تقوم على مبدأ «صفر مشاكل». لكن تدهور علاقاته مع رجب طيب أردوغان الذي كان على رأس الحزب قبله، جعله ينسحب من رئاسة الحكومة ويستقيل من منصبه.

واضح أنّ هناك علاقة قوية بين «شخصية أردوغان» وسياسة تركيا الجديدة «كل المشاكل».. شخصية مركبة على طبقات كثيرة تجمع ما بين الدهاء السياسي والتهور في الوقت نفسه، كما تجمع بين الديبلوماسية والعناد وبين الوضوح والغموض، ولن أدخل أكثر في شخصية الرجل لأنّ الأهم من ذلك هو انعكاس مركباته النفسية على سلوكه السياسي، حيث اقترن اسم أردوغان بكثير من بؤر التوتر والاضطراب في المنطقة لجهة الفاعل السلبي في كل أزمة دخلت فيها تركيا تحت قيادته.

وقد رصد مراقبون أنّ وتيرة تدخل «تركيا الأردوغانية» في المنطقة العربية وفي «البحر المتوسط» تتبع عاملين متناقضين، بداية فقد كان لتمكُّن أردوغان من السلطة وسيطرته على مفاصلها دور في زيادة رغبة الرئيس التركي بالتدخل خارج أسوار تركيا، وكأن تركيا بمساحتها الواسعة ضيقة على شخصيته المتسلطة. وفي المقابل وجدنا أنّ وتيرة التدخل التركي في سياسات الدول أو في صراعاتها تزداد كلما واجه الرئيس تحديات في الداخل.

بمعنى آخر، فإنّ القوة والضعف معاً صارا يشكلان عاملين لانخراط بلاده في مشكلات إضافية، الأمر الذي وضع تركيا في حالة انسداد حقيقي.

هناك عامل آخر يدفع بأردوغان للانخراط في الحروب والنزاعات، وهو تلك الدعاية المجنونة التي تصنعها له جماعات «الإسلام السياسي» وأهمها «الإخوان المسلمون». فقد صاغوا له انتصارات وأمجاداً لم يفعلها، وأحاطوا شخصيته بهالة من الفخامة لا يستحقها، وتعاملوا معه كمن وجد ضالة بحث عنها طويلاً بين ركام التاريخ، ونسبوا كل ما هو إيجابي في تركيا لصالحه حتى لو كان من منتجات «العلمانية» التي يكرهونها، لكن الأنكى من كل ذلك هو تهليلهم وترحيبهم بأفعاله حين يعتدي على دول المنطقة، وإظهار استعدادهم لكل دعم فيما لو أراد أن يدمر البلاد وأهلها.

لكن كل دعاياتهم لم تنفع «الرجل العثماني» في شيء، فبينما كان في السابق يُحتفى به في الرياض وأبوظبي والقاهرة والكويت وتونس، أغلقت اليوم في وجهه معظم العواصم، وصار اسمه ملازماً للمشكلات في المنطقة، علاوة على أنّ تركيا -تحت إدارته- اليوم في حالة مزرية اقتصادياً.

الرئيس الذي يفعل ما يفعل ليبقى في الحكم والسيطرة يغيب عن حساباته أن تلك «الهوجائية السياسية» ستعجل من رحيله عن السلطة، ولا يوجد بعد ذلك وريث يكمل المشوار، لأن تلك الحقبة غير مأسوف عليها.

بعد سبعة عشر عاماً أمضاها «رجب طيب أردوغان» في السلطة أجرى خلالها «تغييرات دستورية» تعسفية ليستمر في الحكم. صار اليوم مهدداً بالمحاسبة على إساءة استخدام السلطة، وممارسة الفساد والمحسوبيات. فكان لا بد من تصدير اختناقاته في الداخل إلى الخارج، لكن الطريقة التي زجّ بها أردوغان «تركيا» في المنطقة تبعث على الاستغراب، نظراً لتسارعها، كما تثير الدهشة لمشابهتها بالمخططات الإيرانية.

وهنا صارت تركيا حاضرة في سوريا وليبيا واليمن وأذربيجان ومصر والصومال والبحر المتوسط، واصطدمت بفرنسا واليونان ومن خلفهما «الاتحاد الأوربي» و«حلف الناتو» وإن بطريقة باهتة، لكن هذا الكم من المواجهات المحسومة ضد أردوغان ينبئ بأنّ الرجل لا يأخذ بلاده بالاتجاه الصحيح.

مشكلة أردوغان بالضبط هي أنّه إذا فكر بالانسحاب من مغامراته اللامحسوبة ينظر إلى تراجع شعبيته في الداخل التركي فيقرر الاستمرار بنهجه الخاطئ، وإذا فكر بالتراجع عن نهجه الخاطئ، ينظر إلى زيادة شعبيته المصطنعة خارج تركيا فيغريه ذلك بالمتابعة في دربه الوعر، وحين يحزم حقائبه ليعود إلى الداخل التركي تلوِّح له «قطر» بمزيد من المال، فيعدل عن قراره. لكن الأهم من ذلك كله هو أنّه عندما يفكر بمراجعة سياساته ويندم عليها، يستذكر كرهه الشخصي للعرب، فيمعن في سلوكه الآثم.

لكنني أتوقّع أنّ الرئيس التركي سيكون مضطراً قريباً لحذف أصفار من «العملة التركية» المتهاوية ليضعها كأصفار للسياسة التركية المتهورة، بحثاً عن النهج العتيق «صفر مشاكل».

ليفانت – عبد الناصر الحسين.  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

تركيا بين سياستي: «صفر مشاكل» و«كل المشاكل»

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب