تحقيق إداري.. أن تجد نفسك محبوساً | The Levant

تحقيق إداري.. أن تجد نفسك محبوساً

حاتم السروي
حاتم السروي

أن تجد نفسك محبوساً في دورة مياه فهذا ما يجعلك تتناسى الموقف والمنظر والرائحة، ولا تفكر إلا في السبب وراء سجنك في المرحاض، وأنت لم تفعل شيئاً، لم تسرق ولم تنجرّ إلى معاكسات عبثية مع فتياتٍ جمالهن محدود، ولم تلعب بذيلك ولا بلسانك، بل إنّك ألجمت رغبتك في الحديث التلقائي عن أوضاعٍ لم تفهم كيف جاءت ولا تعرف إلى ماذا تؤول.

سأله وفي عينيه نظرة سادية ملؤها التشفي: ما الذي يمكن أن يجعلك محبوساً في دورة مياه إلا حظك السيء؟ ارجع بذاكرتك إلى الوراء ونقّب في ذاتك؛ فربما حتَّم عليك القدر هذا الموقف لفساد نيتك وشعورك المفرط بالتميّز، وأنت لم تعمل ما يفيد الناس ولا تعلمت في جامعة لها حيثية، ولا حصلت على مؤهل حقيقي، ولا ثقفت نفسك بنفسك، فقط تعتمد على رصيد من الكبر غير المبرر، أليس كذلك؟

عماد، هذا اسمك إن لم تخنّي الذاكرة، أخبرني عن السر وراء انتفاخك مزهوّاً وأنت في الطريق إلى شؤون الطلبة لاستخراج شهادة فارغة كنت قد نسيت أمرها منذ عشر سنوات؟

ما الذي يمكن أن يضيفه إليك ليسانس الآداب؟ هه، سامحني فأنا محقق ومهمتي أن اسألك، وأكرر: حظك التعس هو السبب، السبب في اختيارك الفاشل لدراسة الإنسان، ألم يكن من الأولى والأهم أن تدرس الجنيه، من أين يأتي وكيف يذهب، ما شعورك عندما انتهى بك الحال في تواليت؟

– شعوري أنّك قصير النظر غليظ القلب وسيء النية، هل تتهمني بسوء الحظ؟ ههههه وهل تلك تهمة؟ وما الذي أملكه حيال قدرٍ مكتوب؟ ومن أدراك أنّ حظي تعس، ربما كان هذا الفقر دافعاً لي نحو الطموح باعثاً على العمل، وإذا كنت قد سجنت في دورة مياه فهل سأسجن الأمل، هل اعتقل إيماني؟ ماذا تريد أيها المحقق، إنك لم تحصل على شهادة عليا في الحقوق وتلومني على شهادة في التاريخ؟، على الأقل تعلمت أنّ كل الناس يدخلون الحمام، وأنّ أناساً رحلوا ودولاً بادت وعروشاً تهاوت، وبقي شوق الإنسان، شوقه الذي لا يعرف الحدود ولا يوقفه الزمن، إنّه الشوق إلى الراحة بعد قضاء حاجته.

يا سيدي عندما دخلت دورة المياه الحريمي لم تستوقفني اللافتة ولم أفكر في فلسطين ولا حتى في أمي، فقط كنت أريد أن أعبر عن رأيي، وأنت على يقين أنّ الإنسان قد يدفع حريته ثمناً للتعبير عن رأيه.. في الحمام.

– وكيف عبرت عن رأيك؟ وضح، أفصح، أَبِن.

– تماماً مثلما تعبر عن رأيك، تركت المياه السامة وهي تنساب وتنحدر وتحدث صوتاً مقرفاً، ثم نظرت لا إرادياً على يميني تجاه الأسفل فوجدت ساقي عنزة في الحمام الذي يليني وشعرت بخجلٍ رائع؛ فقد تبين لي أن مرضي جعلني حماراً.. قاتله الله.

– هل أنت مريض؟

– أعترف بهذه التهمة، وأحب أن أكفر عن ذنبي بالشفاء، وأضف إليها أنني فقيرٌ أيضاً.
– ما هذا الغباء؟ كيف تدعي الفقر؟
– أنت الذي ادعيته لي، واتهمتني بسوء الحظ.
– لم أقصد أنك فقير، ولكنك غير متحقق.
– إذا لم أكن فقيراً، فماذا يفيد أن أكون متحققاً؟، وهل سيادتك وكل هذا الطاقم الذي يطنّ إلى جوارك والدكتور لطيف شعرتم أنّ لكم سعراً وقيمة؟ جميعكم في هذه الدار لم تفعلوا شيئاً سوى التعبير عن رأيكم.. في الحمام.
– سوف أتنازل قليلاً عن دور المحقق حتى أذكر جنابكم بأنّ الأولياء والقديسين ومن فوقهم كانوا يذهبون إلى الخلاء، إنّها الدنيا.
– كان خلاءً يا سيدي ولم يكن تواليت، كانت الشمس كفيلة بإعفاء الأثر ورياح الصحراء تجمل وجه التراب، أما أنتم فقد جعلتم التواليت حتى تصطادوان به وفيه تعساء الحظ ومساكين الحياة.
– لماذا تتفلسف؟
– لأنّك غبي.
– لم تكتفِ بسوء الحظ حتى زدت عليه سوء الخلق وبذاءة اللسان. – سيدي المحقق ذو اللحية السوداء والعوارض الخفيفة أود أن أتبادل معكم الأدوار، أن تكون متهماً وأن أتولى أنا التحقيق، وسوف أباغتك بهذا السؤال: عندما أرسلت لحيتك التيسية حتى تعمل في هذه القناة لم تفكر يوماً أن القدر ليس تهمة وأن مع العسر يسرا؟ كيف لي أن أعلمك أصول هذا الدين الذي أطعمك من جوع، ألا تذكر عندما كنت شاباً في قنا، وقتها لم يوافق خياط القرية الحصري والوحيد على رتق سروالك الوحيد عندما قطعه الحديد أثناء هروبك من البيت البعيد الذي تسكن فيه أم حنان البلَّانة.

هل يُلام عماد أبو وافية على بلاءٍ ساقه إلى حمام النساء ولا يلام صاحب الزبيبة على جرعات العسل وسرواله الذي مزقته من الخلف أسياخ الحديد وهو يفرّ بجلده كالفئران المذعورة؟ وبعدها بشهور تركت قنا وتركت عملي فيها وهرعت إلى قناتكم أمنحكم التاريخ وتمنحوني نصف الراتب، فيما يذهب النصف الآخر إلى جيبك، وعندما أسألك أين راتبي تجيب والطعام لم يبرح فاكَ أنني أتأخر.

سيدي المحقق لقد تبادلنا الأدوار وأصبحت أنا بحكم اختيارك الحر وكيلاً للنيابة ورئيساً للمحكمة؛ فهل تسمح لي أن أصدر حكمي؟ لا تقلق فسوف أحكم بالشريعة، بسم الله، إنّ الشيخ الماثل أمامنا قد ثبتت عليه بالدليل القطعي الذي يفيد اليقين تهمة السرقة من عماد أبي وافية ( من حِرزِه وفي الخفاء) بأخذه أموالاً بلغت حد النِّصاب، ثم إنّه ضلل المتهم حين أعلمه أنّ التجديدات في مقرّ المحطة الفضائية لم تمسّ الحمام بسوء وأنّ دورة المياه الرجالي لم تزل على عهدها في اليمين علماً بأنّه قام أثناء تغيب المتهم عن العمل لدواعي المرض بتغيير أماكن الحمامات فنقل حمام الرجال إلى اليسار وهدّد العاملين معه بالخصم إذا شردت منهم كلمة عن هذه الواقعة وأشاع الخوف والرهبة واستغل نفوذه كمدير للقناة. وبناءً عليه حكمت المحكمة حضورياً بقطع يد السارق حدّاً وتغريمه خمسة آلاف وثمانمائة جنيه هي كل متأخرات السيد عماد أبي وافية مع التعزير بالجلد لاحتياله على المتهم الذي تبين أنّه مجني عليه وإشاعة الخوف بين العاملين.. رفعت الجلسة، محكمة.

– كفى هذراً، سوف أجلدك أنا أيّها المتحرّش.

– هاهاها، لن تستطيع، اسمع صوت السارينه وافتح النافذة، جموع العسكر ومعهم حضرة الضابط قادمون لالتهامك، زميلنا المفصول أحكم خطته وأثبت عليك تهمة الفتنة الطائفية، طِر أنتَ، أما أنا فسوف أحبس نفسي وبإرادتي الحرة في التواليت الحريمي وأنعم بالأمان مع السيفون والشطاف، إلى اللقاء يا عزيزي.

وانسلّ عماد في خفّة الفراشة ودخل الحمام في مرونة ولا مبالاة وتم القبض على الشيخ بعد أن تمزّق سرواله، لا أدري السبب هذه المرة، وعند نزول الضابط وعساكره شعر برغبة ملحة في التعبير عن رأيه تراوده عن نفسه فنسي كل شيء ودخل التواليت ثم خرج منتعشاً فيما عماد يغطّ في نومٍ لذيذ، لذيذ جداً.

ليفانت – حاتم السروي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

تحقيق إداري.. أن تجد نفسك محبوساً

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب