اللعبُ على اللعنةِ المقدّسة | The Levant

اللعبُ على اللعنةِ المقدّسة

عبير نصر
عبير نصر

في تشرين الأول من عام 1962 أعلنتِ الحكومةُ السوريةُ أنّ مليوناً من الأكراد الساكنين شمالِ شرق سوريا ليسوا مواطنين سوريين، والذريعةُ عدم توفر بياناتٍ عن أجدادهم في الإحصاءاتِ وسجلاتِ النفوس العثمانية قبيل عام 1920، وكان إحصاءُ محافظة الحسكة مثيراً للجدل، فهدفُ الحكومةِ المعلنِ وقتها كان التعرّفَ على المهاجرين غير القانونيين القادمين من تركيا. اللعنةِ المقدّسة

وكان على الشخصِ أنْ يمتلكَ وثائق تبيّنُ أنّه كان يعيشُ في سوريا منذ عام 1945 على أقل تقدير، وبناءً على هذا لم يُعتبروا مواطنين سوريين ولا يمكنهم السفرَ إلى دولةٍ أخرى، لعدمِ امتلاكهم لوثيقة أو جواز السفر، وبدلاً عن هذا تمّ تزويدهم ببطاقات هوية، في المقابل اعتبر الأكرادُ هذا الإحصاء الجائر سياسةً منظّمة لما أسموه محاولةً لتعريبِ المنطقة، بدأتْ منذ سبعينيات القرن الماضي، وكانت السلطاتُ السورية في عام 2011 قد وعدتْ بدراسةِ أوضاعِ حوالي ثلاثمائة ألف كرديّ محرومين منذ نصف قرن من الجنسيةِ السورية، على أساسِ إحصاء تمَّ في عهد رئيس الجمهورية ناظم القدسي، ورئيس حكومته بشير العظمة.

ويعودُ تاريخُ القضيةِ الكردية في سوريا الحديثة إلى بداياتِ تشكّل الكيانِ السياسيّ السوريّ، وهي واحدة من القضايا الإنسانية التي لم تتمكن الأنظمةُ المتعاقبةُ من معالجتها ضمن إطارِ مشروعٍ وطنيّ حقيقيّ، كان من شأنه طمأنة سائرِ المكونات السورية، بدوره حاول الحكمُ البعثيّ وبكل الوسائلِ إطفاءَ جذوةِ هذه القضية الملتهبة، وسعى عبر مختلفِ المشاريع والإجراءاتِ الاستثنائية إلى تغييبِ الوجودِ القوميّ الكرديّ عبر التجريدِ من الجنسية، وسلبِ الأراضي، وفرضِ التعريبِ القسريّ، والتعتيمِ الإعلاميّ، والتشكيكِ الشموليّ، وقد جاءتْ انتفاضةُ القامشلي في الثاني عشر من آذار عام 2004 لتؤكدَ حجمَ المسألةِ المُغيّبة، وعمقِ جذورها، الأمر الذي أدى إلى تركيزِ الأضواء عليها إقليمياً ودولياً، وعلى مختلفِ المستوياتِ الرسميةِ والشعبية، وفي خضمّ الحربِ السورية، احتلتْ هذه المسألة من جديد مركزَ الصدارةِ في المشهد السوري، وباتتْ موضوعاً لتقاطعاتٍ وطنية- إقليمية- دولية، فمن لهاثِ الأميركيين ومطامعِ الروس مروراً بقلقِ الأتراك وغضبِ النظام السوريّ وصولاً إلى رغبةِ الأكراد في وطنٍ مستقلّ، يبدو أنّ هناك حرباً مستعرة لنْ تهدأ نيرانُها قريباً.

وعبر سنواتِ الحربِ السورية، سعتِ الولاياتُ المتحدة لبسطِ نفوذها وتمتينه في المناطق النفطية في الشمال السوري، عن طريقِ التمدّد الأفقيّ وتأمينِ طرقِ الإمداد في محاولةٍ حثيثةٍ لترتيبِ البيت الكرديّ وبطريقةٍ تضمنُ الاستقرارَ بين المكوناتِ الكردية المنقسمة، لا لشيء، فقط لتأمينِ طوقٍ أمنيّ لقواتها ولمصالحها النفطية، في ظلّ أحزابٍ فاعلة تملك أذرعاً مسلحة تبحثُ عن حصةٍ من الكعكةِ التي يقدمها الأميركيون، والذين يحاولون وبشتّى الوسائل قطعَ الطرقِ أمام أيّ تقاربٍ بين الأكراد بمختلفِ مشاربهم والحكومةِ السورية، إضافة إلى تضييقِ الخناقِ على روسيا التي تتمتعُ بثقلٍ كبيرٍ في الشرقِ السوريّ، خاصة أنّها تمسكُ العصا من المنتصف عن طريقِ فتحِ خطوطِ تواصلٍ بين جميعِ المكوناتِ الكردية. اللعنةِ المقدّسة

ولا بدّ أنّ تتلاقى المصالحُ التركية الروسية في ظلّ تعزيزِ القواتِ الأميركية لنفوذها السياسي والعسكري شرق الفرات، الأمر الذي لم تفعله في ليبيا، لا مع هجومِ حلفِ الناتو منذ تسع سنوات، ولا لاحقاً، وهذا يعني لتركيا بقاء خطرِ الانفصالِ الكرديّ، ولروسيا الفشل في استثمارِ نفط وغاز شرق الفرات، بينما تسعى جاهدةً لرفعِ العقوباتِ عن النظام، والإسراعِ بالحلّ السياسيّ، مع الحرص على إعادةِ الأكرادِ إلى بيتِ الطاعة، ورفضِ استقلاليةِ الإقليم ضمن إدارةٍ ذاتيةٍ موسعة، وهو ما تريد أن تَضْمَنه تركيا التي لا تثقُ بحليفيها الغربيّ والأميركيّ اللذين خذلاها في ما يتعلق بأمنها القومي، أكثر من مرة.

والشعبُ الكرديّ الذين شهدَ خياناتٍ متكررةً من قبل العالم، ليس بدايةً باتفاقية (سيفر) عام 1920 عندما وعدته الدولُ الكبرى التي انتصرتْ في الحربِ العالميةِ الأولى بأنّه سيحصلُ على دولةٍ مستقلةٍ ولكنها تراجعتْ عن هذا الوعدِ بعد ذلك بثلاثِ سنوات، وبالطبع ليس نهايةً بمبدأ (بغداد أولاً) في عام 2017 عندما قررتِ القيادةُ الأمريكية نقلَ الأسلحةِ والمعداتِ الحربية إلى العراق، أي أنّها فضلتْ عدمَ إعطاءِ أولويةِ نقلِ مثل هذا السلاحِ الثقيلِ إلى حليفتها الوفية (قوات البيشمركه الكردية)، وفي ظلّ هذا الخياناتِ العالمية يتوجس الأكرادُ السوريون من احتماليةِ تطهيرٍ عرقيّ وتغييراتٍ ديموغرافية لمناطقَ على الحدودِ التركية، إذ يوجدُ ما يُقدّر بـ1.8 مليون كرديّ في سوريا، يعيشُ نصفهم تقريبًا داخل المنطقةِ العازلةِ التركية المُقترحة، ما يصعبُ على قواتِ سوريا الديمقراطية ذاتِ التسليحِ الخفيفِ مقاومةَ ثاني قوةٍ عسكريةٍ في الناتو، بينما لا تكفّ تركيا، وبين الفينة والأخرى، عن دقّ طبول الحرب في الشمال السوري، مبديةً قلقها حيال نشاطِ الفصائل الكردية، المتمثلة في حزب العمال الكردستاني، الذي تصنّفه أنقرة منظمةً إرهابية، وفي المقابل تتحدثُ الأحزابُ الكردية التي تسيطرُ ميليشياتها المدربة أميركيّاً على مساحاتٍ واسعةٍ في شمال شرقي سوريا، تحت مسمّى وحدات الحماية الكردية، تتحدثُ عن مطامعَ تركيةٍ لا تنتهي، في الوقت الذي تستمرُ فيه سياسيةُ التتريك داخل مناطق نفوذها وسط تغييرٍ واضحٍ في ملامحِ البلدات العربية.

أما الطرف السوريّ، فقد شهدَ علاقاتٍ مستقرة مع وحداتِ حمايةِ الشعبِ الكردية التابعة للاتحاد الديمقراطي، خاصة في وجهِ قوى المعارضة السورية وتنظيمِ الدولة الإسلامية، إلا أنّ صدوعاً بدأتْ تظهر بين الجانبين انعكستْ في الاشتباكاتِ التي اندلعتْ بينهما في مدينة الحسكة، رغم أنّ النظام السوريّ لم يتوانَ مرّةً عن إرسالِ قواته لحمايةِ حدودِ البلادِ والحفاظِ على السيادة السورية، لكنّ الحلَّ السياسيّ في سوريا ما يزال بعيداً على ما يبدو، نتيجةَ الصراعاتِ الدوليةِ والإقليميةِ في البلاد، كذلك نتيجة مماطلةِ بعض الأطرافِ بإدارة هذه الأزمة، وهذا ما دفعَ الأكرادُ ومن خلال وحداتِ حمايةِ الشعب من فرضِ سيطرتهم على عمومِ المدنِ السورية ذات الغالبية الكردية منتصف عام 2012، ومن ثم أعلنوا عن تشكيلِ إدارةٍ ذاتية قبل أن يتلقوا دعماً عسكرياً ولوجستياً من التحالفِ الدوليّ الذي تقوده الولاياتُ المتحدة، ويسيطرُ مقاتلون أكراد وحلفاؤهم على نحو ربع أراضي سوريا، وهو الجزء الأكبر خارج نطاقِ سيطرةِ حكومة دمشق، والغنيّ بالنفط والمياه والأراضي الزراعية، ما يمنح القادةَ الأكراد نفوذاً قوياً، إلا أن محاولاتهم للتفاوضِ مع دمشق للحفاظِ على الحكم الذاتي القائم حالياً في مناطقهم لم تحقّق أي تقدّم. اللعنةِ المقدّسة

ووسط هذا الصراع الإقليمي الذي تتغيرُ معطياته بين حينٍ وآخر، ما تزال القضيةُ الكرديةُ على كفّ عفريت، ما يجعلُ الأكرادَ أكبرَ مجموعةٍ عِرقيّة في العالم بلا دولة خاصّة بهم، وكأنّ حلمَهم الأزليّ اللعنةُ المقدسة التي غدتْ ذريعةً لجبهاتِ الصراع العالمية لشنّ حروبٍ تواري كلّ أطماعها المبيتة في مناطق الثروةِ والنفوذ، منها سوريا والعراق خاصة، ومنذ عام 1923، ما زال الأكرادُ يقاتلون من أجلِ الحصولِ على شكلٍ ما من أشكال الاستقلال، وغالباً ما كان ذلك في ذروةِ فظائع الدولة، مثل استخدام الرئيس العراقيّ الراحل صدام حسين الأسلحةَ الكيميائيّة ضد المدنيّين الأكراد، وأقرب ما وصلَ إليه الأكراد من أشكالِ الدولة المستقلّة هو تمكُّنهم من إقامةِ منطقةٍ تتمتّع بالحكمِ الذاتيّ في شمال العراق، حظِيَت بإدارةٍ ذاتيّة إلى حدٍّ كبير منذ الغزو الأميركيّ عام 2003. اللعنةِ المقدّسة

ليفانت – عبير نصر  

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

اللعبُ على اللعنةِ المقدّسة

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب