اللامركزيّة الماليّة ومدى موائمتها لسوريا مستقبلاً

سوريا
سوريا

نظّم المركز الأوروبي للدراسات الكرديّة، كونفرنساً، حول اللامركزيّة الماليّة والعمليّة الانتقاليّة في سويسرا، تحت شعار “دستور لكلّ السوريين.. تيسير عملية السلام في سوريا”. واستمرّ الكونفرنس، الذي شارك فيه 27 شخصيّة سوريّة، 7 أيّام، ناقش خلالها المُشاركون آليّات تطبيق اللامركزيّة الماليّة وأهمّيتها وملائمتها في سوريا.

يقول سيامند حاجو، مدير المركز الأوربي للدراسات الكرديّة، ورئيس تيّار الحرّيّة الكردستانيّ لـ”ليفانت”: “منذ عام 2016 نعمل على تنظيم لقاءات وورشات عمل وحوار وكونفرانسات عن اللامركزية، وفي الغالب كان محتوى الحوار والنقاش قضايا سياسيّة، على سبيل المثال، شكل الحكم وآلية إدارة المناطق، البرلمان، إدارة الموارد والثروات، تشارك السلطة وتوزيعها على المستويات المختلفة في الدولة، مهام ومسؤوليات وصلاحيات المركز والمناطق والبلديات، وغيرها من المواضيع، ولم نناقش سابقاً موضوع اللّامركزية المالية بعمق. ونظراً لضرورة فهم أشكال الحكم المختلفة وتشارك وتوزيع السلطات بين مستويات الحكم، وضمان حكم رشيد وتحسين أداء الحكومة، يجب أيضاً نقاش وفهم الّلامركزية المالية”.

وتقول أليس مفرّج، وهي عضو الهيئة التفاوضيّة السوريّة وعضوة اللجنة الدستوريّة: “إنّ ورشة العمل هي تكملة لأجندة العمل على مشروع الدستور بالتركيز على موضوعات اللامركزية التي تعالج وتناقش من ناحية التكنوقراط ضمن السياق السياسي، إضافة للحضور الغني من المشاركين الذين يأتون من خلفيات سياسية ومدنية وإثنية متنوعة، يساعد في تقاطع الأولويات من منظور تشاركي تجاه المصلحة الوطنية وتراجع الاصطفافات السياسية”.

اللامركزيّة الماليّة وأهمّيتها في سوريا

يقول زيدون الزعبي، وهو ناشط مدنيّ وخبير حوكمة سوري: “إنّ اللامركزيّة الماليّة تُناسب الوضع السوري، باستثناء التعقيدات المرتبطة بمسألةِ إعادة الإعمار، لأنّ هناك شحّ في الموارد، وبالتالي ثمّة حاجة لمركزة إعادة الإعمار، ولكن أن تكون بمساهمة الأقاليم والمناطق الجغرافية فيما يخصّ آليّات إعادة الإعمار، وبالتأكيد فإنّ اللامركزيّة الماليّة حاسمة للمستقبل، وخصوصاً لوضع التنمية غير المتوازنة في سوريا سابقاً، في أن تكون هناك مدن مدللة ومدن مهملة”.

ويضيف لـ”ليفانت”: “اللامركزيّة المالية لا معنى لها دون وجود لا مركزية إدارية أو سياسيّة، الكلّ متكامل لضمان نقل حقيقي للسلطات وتوزيع عادل للثروات والموارد، وعملية اتخاذ القرار على مبدأ أهل مكّة أدرى بشعابها، اللامركزيّة الماليّة تعني توزيعاً عادلاً للثروات، في حال طُبّقت معها اللامركزيّة الإداريّة أو السياسيّة. وبطبيعة الحال الثروات الطبيعية هي للمركز، ولكن هناك آليّات تعويض للمتضرّرين، لذلك اللامركزيّة الماليّة ليست مشكلة ولا يُمكن أن تكون مشكلة”.

فيما يقول حواس عكيد، وهو ممثّل المجلس الوطني الكردي في هيئة التفاوض وقيادي في حركة الإصلاح: “إنّ اللامركزية المالية تساهم بشكل أو آخر بموضوع التنمية وبموضوع التنمية الفعالة ضمن المجتمعات المحلية، ولكن هذا لوحده غير كافٍ لضمان حقوق بقية المكونات، لأنّ حقوق المكونات يتمّ بالإقرار الدستوري بحقوقهم السياسية والثقافية وحق تقرير مصيرهم”.

بيما يرى سيامند حاجو أنّه: “إذا كانت إدارة سوريا المستقبلية لامركزية، وكان النظام المالي مركزياً، فلا جدوى من الإدارة الّلامركزية، لذا يجب معرفة النظام المالي الأنسب، وشكل الّلامركزية الأفضل التي تناسب شكل الحكم، كالصلاحيات والواجبات المالية للمركز والمناطق والبلديات، وكذلك الضرائب وآليات فرضها وجبايتها، ومسؤوليات وواجبات مستويات الحكم فيها”.
الحوارات مع اللجنة الدستورية:

خلال الكونفرنس، عقدت الشخصيّات السوريّة الحاضرة في ورشة العمل، اجتماعاً مع أعضاء من المعارضة السوريّة في اللجنة الدستوريّة السوريّة، وتباحث الطرفان بآليّات الحل السياسي السوري، والمناقشات التي جرت بين وفدي المعارضة والنظام في المرحلة الثالثة لللجنة الدستورية.

تقول أليس مفرّج: “تعتمد آليات التواصل بالدرجة الأولى على أعضاء وعضوات اللجنة الدستورية بتفعيل دورهم ومبادرة التواصل كأفراد أو كمكونات سياسية مع الفعاليات المتنوعة ذات الصفة السياسية والمدنية، وأؤكد على المحلية أيضاً لتشميلهم في العملية، كما أنّ الجميع معني من مراكز، كالمركز الأوروبي للدراسات الكردية والمنظمات السورية، بخلق شبكة التواصل من خلال ورش العمل لإنتاج أوراق سياساتية تساعد اللجنة في عملها، وقبل كل هذا نحتاج لتوافقات سياسية سورية- سورية، على أقل تقدير، بحكم تدويل القضية السورية والفاعل فيها هي تقاطع منظومة المصالح الدولية ميدانياً واقتصادياً”.

فيما يقول سيامند حاجو: “منذ بوادر تشكيل اللجنة الدستوريّة عملنا عن قرب مع مرشحات ومرشحين لعضوية اللجنة الدستورية، ولاحقاً مع عضوات وأعضاء من اللجنة الدستورية السورية من قائمتي الوسط الثالث (المجتمع المدني) وهيئة التفاوض السورية (المعارضة السورية). وقد تم نقاش هذه المواضيع وغيرها في مناسبات وورشات عمل وحوار مختلفة نظمناها على مدى الأعوام الماضية”.

وتشير مفرّج إلى وجود “مسارات متوازية نعمل عليها سياسياً ومدنياً ومحلياً، كل يدعم الآخر بمرجعية القرار الأممي ١٣٢٥ الذي ينصّ على مشاركة المرأة في عمليات السلام، وكشرط موضوعي لتوطيد الأمن والاستقرار، وصولاً لتنمية مستدامة، حيث إنّ مشاركة النساء في صناعة القرار بدءاً من المستوى المحلي وصولاً لطاولة المفاوضات، فاعتمدنا آلية التشاركية من خلال مبادرة سوريات من أجل السلام والديمقراطية لدعم الحل السياسي، وفق بيان جنييف والقرارات الدولية ذات الصله برعاية الأمم المتحدة، للضغط على جميع الأطراف المتفاوضة لمشاركة السياسيات النسويات بنسبة لاتقلّ عن 30 بالمئة، وصولاً للمناصفة في المستقبل”.

ويقول حوّاس عكيد: “المسؤوليّة تقع على عاتق كل السوريين بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية على الأمم المتحدة، من خلال تنفيذ القرارات الدولية، والقرار 2254، ينصّ بشكل واضح على شمولية التمثيل، ويجب معالجة الموضوع بشكل جدي وفعال. نسبة التمثيل والمكونات ضمن الوفود الثلاثة في جنيف أو من خلال إيجاد فريق خاص أو لجنة خاصّة بشؤون المكونات من خلال الأمم المتحدة على غرار الفريق الاستشاري النسائي، يجب أن تنال كل المكونات المجتمعيّة تمثيلهم العادل في السلطة والسلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذيّة والقضائيّة”.

ويؤكّد: “نحن ننظر إلى سوريا، في المستقبل، كدولةٍ اتحاديّة برلمانيّة، ومكوّنة من غرفتين، الأولى تكون ممثّلة للشعب، وفقاً للتصويت، الثانية تكون ممثّلة بالمكونات، وما يتعلّق بشؤون المكونات، ولا يجوز أن تخضع سوى لتصويت المكوّن نفسه، وتتمّ القرارات بالتشاركيّة بما هو مناسب ولا يتعارض مع حقوق هذه المكونات استناداً إلى مواثيق الأمم المتحدة، وبشكلٍ لا يتعارض مع الدستور المستقبلي لسوريا”.

العمليّة السياسيّة والأقليّات

من إحدى المعوّقات الّتي تواجه الحلّ السياسيّ في سوريا، غياب حضور الأقليات وعدم تمثيلهم في اللجنة الدستوريّة من طرفي المعارضة والنظام، مع تهميش لمناطق وجود الأقليات في سوريا من طرف منظّمات المجتمع المدني.

يقول حواس عكيد، وهو ممثّل المجلس الوطني الكرديّ في هيئة التفاوض وقيادي في حركة الإصلاح الكردي: “تهدف العمليّة السياسيّة للوصول إلى السلام والاستقرار، وللوصول إلى ذلك من أهمّ المرتكزات للوصول إلى عملية السلام والاستقرار هو مسألة حماية حقوق الأقليات وحلّ النزاعات، وأيضاً مسائل التشاركيّة والتوزيع العادل للموارد الطبيعيّة والتنمية والمحاسبة والمسؤولية في إدارة الدولة”.

ويضيف: “للأسف تمّ تجاهل تمثيل المكونات المجتمعيّة والأقليات في اللجنة الدستوريّة بعد تشكّلها بشكلها الحالي، والمكوّنة من الأطراف الثلاثة المعارضة والنظام والمجتمع المدني. نحن ككرد، كثاني أكبر مكون في البلاد، لم يتم أخذ موضوع النسبة والتفاعل الإيجابي مع الأقليات بعين الاعتبار. هناك ممثل واحد للمجلس الوطني الكردي، ولمعالجة المشكلة لا بد من تدخل الأمم المتحدة استناداً لقراراته في شمولية التمثيل”.

ويوضّح أنّ: “سوريا بلد متعدّد القوميات والأديان، وهو عبارة عن فسيفساء، وهذا الفسيفساء الجميل يُمكن الاستفادة منه، ليصير عامل قوة لبناء سوريا المستقبل وليس عامل ضعف كما عملت عليه السُلطات المتعاقبة وفق سياسة فرّق تسد. هذ التنوع موجود في كل سوريا، في كردستان سوريا، هناك أقليّات غير كردية، لكن هناك كرد في دمشق واللاذقية وحماة، أي أنّ المكونات منتشرة في كل سوريا وموزّعة.

فيما تجد أليس مفرّج، أنّ: “مجموعة من التحديات القائمة ساهمت في تقويض المشاركة في العملية السياسية التي تضم مكونات سياسية قائمة على المحاصصات الذكورية، التي لم تحترم القرار وضعف التمثيل النسائي في العمل السياسي، إضافة أنّ مفاوضات وقف إطلاق النار تطلبت مشاركة الطرف المسلح، وبفعل النزاع المسلح تم إقصاء فاعلية النساء، وأضف إلى ذلك أنّ مسار العملية السياسية في جنيف تم حرفها لمسار أستانة، وعوامل أخرى جعلت التمثيل العددي ضعيفاً ماجعلنا نعمل على تجميع الطاقات النسوية لتأسيس الحركة السياسية النسوية والعمل بالمنهج السياسي الذي يعتبر ندّاً للقوى السياسية وإنتاح وثائق سياسية وأوراق سياساستية تتعلق بجميع الملفات التفاوضية وخارطة طريق للعمل على جندرة الدستور، بأن يتم فيه كأولوية فصل الدين عن الدولة وسمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية التمييزية ولامركزية السلطة، لنتكامل مع العملين، المدني والحقوقي، والذي قادته النساء على اعتبار أنّ حقوق النساء قوة ضاغطة في عملية التحوّل الديمقراطي”.

ليفانت-نجاح هيفو