الجاحظ وأدبه المسلّي هدية الحضارة العربية إلى التراث العالمي | The Levant

الجاحظ وأدبه المسلّي هدية الحضارة العربية إلى التراث العالمي

حاتم السروي
حاتم السروي

من هو الجاحظ؟ وهل أدبه يسلّي حقّاً؟ ما قصد دفاعه عن الضحك والابتسامة؟

تعال معي لنطير إلى العراق فنراه ونعرف قصته، من المؤكد أنّك ستستمتع.

نحن الآن في سوق المربد، في أحد أحياء البصرة، إحدى العراقيْن، والتي تشكل مع الكوفة مفهوم العراق في مخيلة عرب الحجاز الذين وفدوا إليهما وبنوا فيهما مساكنهم، وكانت لهم في هذه الأرض حضارة زاهرة يتحاكى بها الزمان.

من هذا الذي أراه قادم إلينا من بعيد؟ إنه فتىً قصير القامة، رثّ الهيئة، عيناه تودّان الخروج من محجريهما، إنّه يقترب، ما هذا؟ بشرته تميل إلى السمرة، وعلى الوجه حُفَرٌ من أثر الجدري، ماذا يفعل؟ يحمل خبزًا وسمكًا، وهو الآن يبيعهما.. ياله من مسكين!.

لا، ليس مسكيناً، إنّه عمرو بن بحر (أبو عثمان) الذي عرفناه بلقبه “الجاحظ”.. هذا الفتى القروي النحيف؟ نعم، هذا الرائع الذي نشأ بين الدهماء وغمار الناس، بائع السمك الذي كان يجلس على ضفاف نهر سيحان المتفرّع من الفرات وينادي على بضاعته.

كان الجاحظ رغم هذا الفقر ذي طموحٍ كبير وهمةٍ عالية، كان ذكياً سريع الفهم، وله حافظة قوية، وذاكرة فولاذية، وكان يتمثل قول أبي نواس:

وفاتنةٌ أبصرتُها فهويتُها .. هوى عروة العذري والعاشق النجدي

فلما تمادى هجرها قلت واصلي .. فقالت بهذا الوجه ترجو الهوى عندي؟

نعم كان يعرف أنّ له وجهاً لا يلفت إليه الأنظار، إلا أنظار السفهاء ليعيبوا خلق الله، إنّه وجه غير عاطفي، لكن خلف هذا القبح، أو ما يراه الناس قبحاً، ذهنيةٌ وَقَّادَة ونفسية مرهفة، لذلك اعتزل الناس وتفاهتهم وتَرَهْبَن، ويبدو أنّ الرهبنة هي قدر العظماء، ولم يترهبن بدخول الدير، ولكنه ترهبن في بيته وبين كتبه، حتى إذا بلغ في العلم أشُدَّه واستوى، عاد إلى نهر الحياة الواسع الذي قامت على ضفتيه في ذلك العهد أرقى وأعظم حضارة عرفتها أمة العرب، إنّه العصر العباسي، عصر بلاغة القول وأناقة المعمار وتقدم العلم، عصر هارون الرشيد والمأمون العالم والمعتصم الفاتح، عصر الكلمة الأنيقة، والأبيات الرشيقة، والطرب العربي الأصيل.

أرجعي الأمس الخلي.. ذكرينا واسألي.. أين زرياب وأين الشعر.. أين الموصلي؟.. أين ما كان لنا في الزمان الأَوَّلِ؟

كان الجاحظ بدلًا من النوم في الفنادق ينام في محلات الوراقين، يدخل عند أحدهم فيقول أريد أن أبيت بين الكتب ويعرض عليه دراهمه التي يتعب في الحصول عليها، وبهذه الطريقة قرأ كاتبنا الكثير من المخطوطات، واضطلع على أشعار الجاهليين، وترجمات عربية، عن تراث الهند وفلسفة اليونان وحكمة الصين وحضارة فارس، وإنّ واقعة مبيته في محلات الوراقين أكيدة وموثقة حيث أوردها ابن النديم في الفهرست، وقال: كان يفعل هذا للنظر، يعني للنظر في الكتب.

وظل أبو عثمان -رحمه الله- يقرأ ويتعلم، وقد أمضى القسم الأكبر من حياته لا يصنع بجوار القراءة شيئاً آخر، حتى إذا آنس من نفسه العلم والفهم واكتسب ثقةً في ذاته، ارتحل به طموحه نحو بغداد، وفيها أريكة الخلافة، والمأمون بن هارون الذي كان أكثر الخلفاء علماً، وأعمقهم ثقافة، وكان يحترم العلماء ويكافئهم.

وسبقت الجاحظ شهرته إلى بغداد، باعتباره إماماً للنثر الفني، وكان هذا النثر حافلاً بالعلم والحكمة والثقافات المتنوعة، وفيه تجد المتعة والتسلية والمعلومة والعبرة، وطبعاً إذا قارنت هذا الأدب مع ما تقرؤه الآن إذا كنت من هواة القراءة، فحاول أن تحتمل لأن صحتك بالدنيا.

وحظي عمرو بن بحر برضا الخليفة، وعيّنه المأمون رئيساً لديوان الرسائل، وهو منصبٌ كبير، ويشبه في بعض جوانبه وزارة الإعلام الآن، فصاحب الرسائل هو كاتب الخليفة وقلمه ولسانه، وهو المعبر عن وجهة نظر الدولة، وهو الذي يكتب مراد الخليفة من ولاته وعماله، ومن زملائه الملوك أيضاً، ورغم تلك الحظوة ورغم هذا الجاه، استعفى الجاحظ من منصبه بعد ثلاثة أيام، وعن هذا الموقف العجيب يقول أستاذنا الدكتور شوقي ضيف -رحمه الله- إنّ الجاحظ لم يستطع الخضوع لنظم الدواوين وما يستلزمه سير العمل فيها، وهكذا عاد أبو عثمان إلى داره وعادت سيرته الأولى، نهم للقراءة بلا حدود.

وكان الجاحظ -رحمه الله- ظريفاً وفيه روح ساخرة، وهو بهذه السخرية يصطلح مع الحياة ويتقبل مرارتها، ويستمر في طريقه بعد أن ضحك وأضحك من حوله، وكان يستعين بظرفه حين يكتب، فإذا أطنب في كتابة الأمور الفلسفية، تراه يخرج بخفة وينحو إلى النكات المرحة، والأخبار المسلية، ولن تجد في كتبه مصطلحات معقدة ولا تعبيرات غامضة، وإنما تجد وضوح المعنى وفصاحة الجملة ورشاقة الأسلوب.

وانظر إلى المسعودي -رحمه الله- في “مروج الذهب”، حين يصف الجاحظ وكتابته؛ فيقول: “إنّها تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنّه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، وكان إذا تخوّف ملل القارئ وسآمة السامع، خرج من جدٍّ إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرةٍ طريفة”.

وكان -رحمه الله- كما يصفه الأستاذ أحمد أمين، أنيساً محاضراً، وفي كتبه إسهابٌ وإطناب، ولم يكن هذا من قبيل الثرثرة أو اللغو، بل هو استطراد فني تحكمه مقاييس إبداعية، فكلامه إن يكن ثرثرة فهو ثرثرة جميلة بديعة، تعجب القارئ وتأخذ بإذن السامع، وهو يعترف بخطته في الكتابة، فيقول إنّ وجه التدبير في الكتابة إذا طالت أن يداوي المؤلف نشاط قارئه، ويحتال عليه كما تحتال الوالدة على طفلها؛ فيخرجه من شيءٍ إلى شيء، ومن باب إلى باب، وهكذا حتى يطرد الملل.

وفي كتابه البخلاء مقالة أولى يفتتح بها هذا العمل الجميل، وفيها يدافع عن الضحك، ويكون بهذا قد سبق الفيلسوف الفرنسي برجسون، والمتوفى سنة 1941، والذي درس الضحك كظاهرة فردية واجتماعية. وكأن الجاحظ يقول لنا: “هل الضحك عيب أو حرام؟ وما فائدة العبوس والنكد؟ إن حِمْلَانك الهموم جنون”. ومع حبه للضحك، والتسلية التي نشعر بها مع أدبه فنرجو ألا يظن البعض أنّ الجاحظ رجل هازل ليس فيه النضج والحكمة، فالحقيقة إنّه صاحب مدرسة فكرية، وكان له دفاعٌ مجيد عن الإسلام، وهو من روّاد المعتزلة، ولا يحسن بنا أن ننكر ما للمعتزلة من أيادٍ بيضاء في بناء حضارتنا العربية.

ومع نضوجه وثقافته وفكره الراقي، لا يرى الجاحظ في الضحك بأساً؛ ونقرأ له في توطئته لكتاب “البخلاء” ما نصّه: ” ولو كان الضحك قبيحاً من الضاحك، وقبيحاً من المضحك؛ لما قيل للزهرة والحلي والقصر المبني: كأنّه يضحك ضحكا”، ويذكرنا هذا ببيت البحتري:

أتاكَ الربيع الطلق يختال ضاحكاً .. من الحسن حتى كاد أن يتكلما

ومن فضل الضحك عند العرب سمّوا أولادهم بسام، وطلق، والضحاك، والضحك مفيد للصبي فهو ينشط دورته الدموية ويزيد نموه وقوته، والله عز وجل يقول: “وإنّه هو أضحك وأبكى وإنّه هو أمات وأحيا” فجعل البكاء بإزاء الموت، وبالتالي فالضحك حياة.

وبعد أن وصل الجاحظ إلى السادسة والتسعين من عمره الحافل المديد، جاءه الأجل وهو في بيته البسيط وفي مكتبته يقرأ المخطوطات المكدّسة من حوله، وهو خائر الجسد، منهك القوى، وكان إلى شيخوخته مصاباً بالفالج، أو ما نعرفه اليوم بالشلل النصفي، ونراه الآن يمدّ يده العليلة المرتعشة نحو كتاب في رفٍّ من المكتبة ولكن.. للأسف الكتب وقعت عليه.. ما هذا؟ لقد مات الجاحظ.. رحمه الله، لقد عاش للثقافة ومات بين الكتب.

ليفانت – حاتم السروي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

الجاحظ وأدبه المسلّي هدية الحضارة العربية إلى التراث العالمي

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب