إعادةُ تدويرِ المذبحةِ السورية | The Levant

إعادةُ تدويرِ المذبحةِ السورية

عبير نصر
عبير نصر

لا يكاد يمرّ يومٌ في سوريا خالٍ من (الأكشن) السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعي وحتى العسكريّ، ومؤخراً انشغل السوريون بالحرائقِ التي التهمتْ مساحاتٍ واسعة من الأراضي الحراجيةِ والزراعيةِ، ليس بداية بالطبع بتلك التي امتدتْ من محافظةِ اللاذقية إلى جبالِ مصياف وحمص وحماة. المذبحةِ السورية

مروراً بتلك التي قضتْ على حقولِ القمح في محافظةِ الحسكة السورية، حيث أشيعَ أنّ طائرةً لقواتِ الاحتلالِ الأميركية أقدمتْ على إحراقِ أكثرَ من مائتي دونم من حقولِ القمح، عبر رميها عدداً من البالوناتِ الحرارية فوق الأراضي الزراعية، وطبعاً ليس نهاية بحرائق محافظتَيّ درعا والسويداء الغنيتين بالمزروعات، والتي حوّلتْ عشرات الهكتارات من الأراضي المزروعة بالقمحِ والشعيرِ إلى رماد، ما يندرج تحت سياسةِ التدميرِ الممنهجِ المقصود.

والأخطر أنّه وخلال الأشهرِ الستة الأخيرة وحدها، تشير بياناتُ برنامجِ الأغذية العالمي إلى أنّ عددَ الذين يقدّر أنّهم لا يشعرون بالأمنِ الغذائي في سوريا ارتفع من 7.9 مليون فرد إلى 9.3 مليون فرد، وما سيزيدُ الطينَ بلّة ظهورُ أزمةِ الخبز، حيث تشهدُ البلادُ اليوم نقصاً حاداً في مادة القمح، وللمرة الأولى منذ بدايةِ الحرب، فيما يمثّلُ تحدّياً جديداً للحكومةِ السورية، التي تواجه تراجعاً اقتصادياً وعقوباتٍ أميركية جديدة، في وقتٍ يدفعُ فيه التضخمُ الجامحُ أسعارَ المواد الغذائية للارتفاع بشكلٍ جنونيّ، وربما تشهدُ الشهورُ التي ستسبق محصولَ القمحِ لعام 2021 نقصاً حقيقياً خطيراً، بينما يعاني الاقتصادُ السوري من انهيارٍ تحت وطأة الصراعِ المعقّدِ متعددِ الأطراف في عامه العاشر، ومن أزمةٍ مالية في لبنان تعملُ على خنقِ موردٍ حيويّ للدولارات، ما تسبّبَ في زيادةِ مصاعبِ حياةِ السوريين وإفلاسهم من الأملِ في حياةٍ حرّةٍ كريمةٍ في ظلّ استباحة أراضيهم من قبل القاصي والداني، حيث كشفَ المديرُ العام للهيئةِ العامةِ للطبّ الشرعي في سوريا، أنّه تمّ تسجيلُ (116) حالةَ انتحارٍ منذ بداية العام، ومن بين المنتحرين (18) قاصراً. المذبحةِ السورية

وهذا ليس مبشراً بالطبع، بينما تبدأ تداعياتُ الفصلِ الأشدّ من الأزمةِ المعيشيةِ الخانقة تظهر بشكلٍ جليّ، حيث أضيفتْ إلى أزمةِ الخبز وانخفاضِ مادة القمح التي تتحكمُ بها قواتُ سوريا الديمقراطية، المسيطرة على ما يقدّر بنحو ثلث مساحةِ الأراضي السورية، التي تشكّلُ خزانَ المواردِ الطبيعية في البلاد، يُضاف إليها أزمةُ تخفيضِ وزارة النفط والثروة المعدنية لمخصصاتِ البنزين للسيارات، ليبلغَ سعرُ ليتر البنزين في السوقِ السوداء ألف ليرة سورية، بينما يبلغُ سعرُه المدعوم في محطات الوقود (250) ليرة سورية، مع العلم أنّ الميزانَ النفطيّ لسوريا كان يميلُ إلى العجزِ حتى قبل عام 2011، رغم ما كان يُصدّر من نفط، ثم أتت العقوباتُ الغربية لتجعلَ هذا العجز ما بين 2 و4 مليار دولار سنوياً رغم انخفاضِ الاستهلاكِ بشكلٍ كبير.

وجاء اقتصاديون ليأكدوا أنّ الزراعةَ تعتمدُ بشكلٍ أساسي على المازوتِ في ضخّ مياهِ الريّ، ومن دونه قد تتجهُ المنطقةُ إلى مجاعةٍ مؤكدة، وبغيابِ مادةِ البنزين تتوقفُ حركةُ النقلِ، وبالتالي ارتفاعُ الأسعار بالمنطقة، كما أنّ المساعدات من الدولِ الحليفةِ ليست كافيةً لتوفيرِ الأمنِ الغذائي، لذا من المرجح أنّ البلادَ قد تكونُ مقبلةً على كارثة إنسانية في ظلّ غيابِ الأمنِ الاقتصاديّ والاجتماعيّ، حيث أنّ ارتفاعَ الأسعار يقابله فقدان المواد، وهو ما قد يؤدي إلى فلتانٍ أمنيّ بالمنطقة قد يقودها إلى مرحلةٍ جديدةٍ من التحدياتِ الخطيرة. المذبحةِ السورية

ووسط هذه الكوارث الإنسانية التي لم تغبْ عن البلاد، لتغدو دون أدنى شك أكثر المسارح إثارة في فنّ الأحداثِ العالمية، ظهرتْ هولندا -ودون مقدمات- لتدلي بدلوها، حيث أفادَ بيانٌ صادرٌ عن مجلسِ النواب الهولندي، أنه تمَّ تقديمُ مذكرةً إلى البعثةِ السوريةِ لدى الأمم المتحدة، تدعو فيها النظامَ إلى محادثاتٍ حول انتهاكاتِ حقوقِ الإنسانِ التي ارتكبها في البلاد، وأكد البيانُ أنّ النظامَ السوري خرقَ اتفاقيةَ الأمم المتحدة لمناهضةِ التعذيب لعام 1984، من بداية العام 2011.

ومع كلّ هذا (الأكشن) المؤلم الذي تشهده البلاد، تبدو الحكومةُ السوريةُ منسلخةً عن الواقعِ المزري كأنّها تقطن في برجٍ عاجيّ محصّنٍ ضد صراخِ القهرِ والذلّ والفقر، ويبدو الساسةُ المعارضون بدورهم أنّهم يقطنون في كوكبٍ آخر، وهم يتهيؤون للتحركِ في محاولةٍ جديدةٍ لتحقيقِ انفراجةٍ في ملفِ الإعلانِ الدستوري، على أمل أن يقبلَ النظامُ السوري بإرادة شعبه في العيشِ بسلام، بعيداً عن التهديدِ بالعنفِ والاعتقالاتِ التعسفية والمجاعةِ والوحشيةِ والأسلحةِ الكيميائية.

حيث أكد المبعوثُ الأمريكي الخاص إلى سوريا أنّ الهدفَ الأهم للعمليةِ السياسية هو تطويرُ دستورٍ جديد، أو تعديل آخر من خلال انتخاباتٍ حرّةٍ ونزيهةٍ تحت إشراف الأمم المتحدة تضمُّ جميعَ السوريين، وليست الانتخابات البرلمانية المزيفة التي جرت مؤخراً، ولفتَ إلى ضرورةِ الوصولِ إلى حلّ سياسيّ لا رجوع فيه للصراعِ السوري، بما يتماشى مع قرارِ مجلسِ الأمن الدوليّ رقم 2254، وفي الحقيقةِ المعطياتُ على أرضِ الواقعِ لا تنذرُ بالتفاؤلِ، خاصة بعد الخطابِ الذي قدمه الرئيسُ السوريّ أمام مجلس الشعب، والذي كشفَ فيه عن سقفِ التفاوضِ المسموح لممثليه في جنيف، وخاصة أنّه اعتبرَ المبادراتِ السياسية للدول الفاعلة، والتي تتطلعُ لإقصائه من مستقبل سوريا، لن تكونَ سوى في أحلامهم.

وبينما الشعبُ وحده يبدو مسلوباً من إرادته وكرامته، ووحده من يدفع فواتيرَ الحرب مرغماً، يبدو النظام السوري مشغولاً بحمايةِ منظومتهِ السياسيةِ والعسكريةِ والاقتصاديةِ متجاوزاً مصالحَ شعبه المستكين، ويسعى لذلك وفقَ سيناريوهاتٍ عدّة، إما بالاستجابة للضغوط، وعندها سيبدي بعض المرونةِ في قضايا الحلّ السياسيّ، وإما سيتبعُ سياسةَ مقاومة الحصارِ والصمود وإعادةِ إقلاع ِخطوطِ الإنتاجِ في عددٍ من الصناعاتِ لتلبيةِ حاجة السوقِ المحلية، وإلغاءِ تصديرِ العديدِ من المواد، وتقليصِ استيرادِ موادٍ لصالح توطينها محلياً، وهذا صعب نسبياً لخروجِ أهمّ موارد الطاقةِ من قبضةِ يده، أو سيحافظُ على سياسةِ التعنّت والأسلوبِ القمعيّ والنهجِ الأمنيّ في التعاملِ مع الملفاتِ المختلفة وتعليقِ فشله على قانونِ قيصر والعقوبات الدولية، وهذا ما سيزيد من تصعيدِ محنةَ السوريين ومآسيهم اليومية. المذبحةِ السورية

وأمام هذه الأزماتِ المتراكمةِ التي يعانيها الاقتصاد، وبالأخصّ شلل الإنتاج ونقص المواد الأولية، ليس مستبعداً أن تدخلَ سوريا في نطاقِ التضخمِ الجامح، وفي المحصلةِ تزايدِ الضغوطِ المعيشية ودخولِ فئاتٍ أكثر في حالةِ الفقرِ المدقع، بعدما خسرَ النظامُ أهم مصادر إيراداتِ العملةِ الصعبةِ للموازنةِ العامة من موارد النفطِ والغازِ والسياحةِ والصادراتِ والاستثمارات، نتيجة الحربِ المستمرةِ وقبل دخولِ قانون قيصر حيّزِ التنفيذ، حيث عمدَ النظامُ إلى تعويضِ النقصِ في العملةِ الصعبة، وتأمينِ الاحتياجاتِ الأساسيةِ لزيادةِ الدينِ العام بشقيهِ المحلي والخارجي، ليصبحَ زيادةُ الدين العام سبباً وجيهاً في حصولِ زيادةٍ كبيرةٍ في معدلات التضخم، في الوقت الذي انكشفَ فيه الاقتصادُ السوريّ على إيران ولبنان على النحوِ الذي أوقعَ البلادَ في عوزٍ وأزمةٍ من جرّاء انقطاعِ الدعم منهما، وهذا ما خلّف فجوةً كبيرةً بين العالم وسوريا، وبين الحكومةِ والمواطن، وبين السوريين أنفسهم، بينما تغيبُ تصريحاتُ المسؤولين حول الوضعِ المعيشيّ الذي يُعاد تدوير أزماته لتنتجَ أزماتٌ أكثر تعقيداً تشدّدُ قبضةَ البؤسِ على رقابِ السوريين المخنوقين أصلاً. المذبحةِ السورية

ليفانت –  عبير نصر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

إعادةُ تدويرِ المذبحةِ السورية

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب