أوروبا ما بين موت “التطرّف” السريري.. ورغبة أقطاب إقليمية بإنعاشه

أوروبا
أوروبا

بالتوازي مع التغيّرات التي طرأت على منطقة الشرق الأوسط، حدثت تغيّرات متزامنة معها في القارة الأوروبية العجوز، إذ كانت الأخيرة صاحبة حصة الأسد من تبعات الاضطرابات العاصفة بالشرق الأوسط منذ عدة سنين، فانتقل آلاف الجهاديين منها إلى بلدان كسوريا والعراق، ومارسوا هناك شتّى صنوف الترهيب والإجرام، متأثرين بتنظيمات الإسلام السياسي الساعي إلى تبوّء الزعامة السياسية من بوابة الدين، عبر انتهاج خطاب شعبوي متهالك، عماده إنكار الآخر وإفناؤه.

وفي ظلّ تلك المعمعة، وعقب سنوات من كفاح شعوب الشرق الأوسط، تم القضاء على تنظيم داعش الإرهابي بشكل كامل ككتلة جغرافية، في الثالث والعشرين من مارس العام 2019، عقب تصفية آخر فلوله في سوريا ضمن معركة تطهير الباغوز، من قبل التحالف الدولي وشركائه من المقاتلين ضمن “قسد”.. لكن كان جلياً أنّ المتطرفين الذين أسّسوا وساهموا في خلق مثل تلك التنظيمات، والفكر الذين استمدّوا أوهامهم منه، ما يزال حياً، وفي أماكن كثيرة من العالم.

أكثر من 8 آلاف على قوائم التطرّف بفرنسا

ففي فرنسا، كشف وزير الداخلية، جيرالد دارمانان، في الواحد والثلاثين من أغسطس الماضي، أنّ 8132 فرداً في فرنسا موضوعون على قائمة التقارير، للوقاية من التطرّف ذي الطابع الإرهابي، محذراً من التهديد المتنامي لأنصار الإسلام الراديكالي.

وبيّن الوزير أنّ “الخطر الإرهابي يبقى التهديد الرئيس الذي تواجهه البلاد”، وأنّ “مكافحة الإرهاب أولوية للحكومة”، مردفاً: “لن نتوقف أبداً عن مطاردة أعداء الجمهورية”، وأنّه ورغم الهزيمة العسكرية لتنظيم “داعش” فإنّ التهديد الإرهابي من الخارج حتى وإن تدنّى يجب أن نخصّص له دائماً كل الاهتمام.

 

واستطرد الوزير الفرنسي بالقول: “التهديد الناجم عن العمليات الإرهابية يخطّط لها في الداخل، هو الخطر الأكبر والأقوى حيث تغذّيه دعاية المجموعات الإرهابية المستلهمة بالجهاديين وأيضاً تأثير أنصار الإسلام الراديكالي الذي يسعى البعض إلى أن يحظى به في أحيائنا”، معتبراً أنّ “التهديد الذي يطرحه أنصار الإسلام الراديكالي بات تحدياً متنامياً لأجهزة الاستخبارات التي تقوم اليوم بمتابعة 8132 شخصاً مدرجين على هذه القائمة”.

أفكار داعشيّة من اتّحاد للجاليات المسلمة بإيطاليا

أما في إيطاليا، فقد انتقد المركز الثقافي الإسلامي في إيطاليا، وهو الهيئة الإسلامية الوحيدة المعترف بها رسمياً من قبل روما، ما صدر عن اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا عن اليهودية والمسيحية، حيث أعرب المركز عن “حيرته وازدرائه للتصريحات غير المبررة وغير المقبولة للأمين العام لاتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا (UCOII)، ياسين برادعي، التي تصف اليهودية والمسيحية ببدع يجب تصحيحها”.

وأضاف المركز في بيان، في الثاني من سبتمبر الجاري، أنّه يجب التأكيد على أنّ اليهودية والمسيحية ديانتان سماويتان وإبراهيميتان، وأنّ الإيمان بالتوراة والإنجيل كنصوص مقدسة جزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، وذكر أنّ “المسلمين يحترمون ويكرمون الرسل السماويين من آدم إلى إبراهيم، ومن موسى إلى سليمان وداود وعيسى، الذين يعترفون بدورهم أنبياء ومبعوثين من سلف محمد عليهم السلام جميعاً”.

 

ويبرهن ما بثّه “اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا”، أنّ حدود التطرّف الديني غير مرتبطة بجغرافية تواجد هؤلاء، ولا بالصفات التي يحملونها، فالأفكار تلك تشبه إلى حدّ بعيد ما كان يحمله تنظيم “داعش” أو “جبهة النصرة” من إنكار للآخر، وشرعنة لقتله وانتهاك عرضه وماله وأرضه، كما حصل في العام 2014، عندما جرى مُهاجمة معقل الأقليّة الأيزيدية في بلدة “سنجار/شنكال” التابعة للموصل بالعراق، عندما جرى سبي آلاف النساء وخطف مثلهم من الأطفال، الذين ما يزال مصير الكثير منهم مجهولاً.

وعليه، فإنّ تبنّي “اتّحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا”، لمثل تلك الأفكار المتطرّفة قد يكون دليلاً على مصادر تغذية التطرّف والتشدّد الديني، الذي إن لم يكن يدعو للقتل والسلب في إيطاليا بصورة مباشرة بحكم سلطة القانون، لكنه على الأقل قد لا يتوانى عن تبرير وتأييد أفعال تنظيمات كـ”داعش” و”النصرة” وغيرها، في كمائن نفوس من يدير تلك المؤسسات وغيرها، كأفرع تنظيمات “الإخوان المسلمين”.

قائمة بلجيكية بـ700 خطير

وأيضاً في بلجيكا، شدّد رئيس هيئة تقييم المخاطر، بول فان تيغلت، أنّ التهديد الإرهابي لم ينتهِ، والأيديولوجية “الجهادية” لم تمت، على الرغم من تفكيك جزء كبير من الشبكات العنيفة، وأتى ذلك خلال تصريحات المسؤول الأمني البلجيكي لإذاعة محلية، في الثالث من سبتمبر، حيث لفت فان تيغلت إلى أنّ مواصلة التهديد الإرهابي ما يزال يهيمن على الدول الأوروبية، ومنها بلجيكا.

وتابع: “يمكن أن نقول إنّ ما يعرف بتنظيم “داعش” بات غير قادر على إرسال جهاديين إلى أوروبا، ولكن هذا لا يعني أنّ عقيدته اختفت”، واستند تيغلت على بيانات تفيد باستمرار تمدّد الجماعات المتشددة في العالم، خاصة في منطقة جنوب الصحراء، في أفريقيا وفي أفغانستان، متابعاً بالقول: “إنّ المتطرّفين يشكلون الخطر الأكبر على أوروبا اليوم، إذ من السهل التلاعب بأفكارهم ودفعهم لشنّ الهجمات”.

وفي سياق متصل، وضمن إجابته على استفسار بخصوص عدد المقاتلين البلجيكيين الموجودين في الخارج، أشار تيغلت بأنّهم 150 من أصل 420 غادروا البلاد باتجاه سوريا والعراق قبل سنوات، منوّهاً إلى وجود 700 مواطن بلجيكي يعيشون داخل البلاد، وجرى تصنيفهم في خانة “الخطرين”، وبينهم مسلحون سابقون.

 

ومن اللافت أنّ تمدد الأفكار المتطرّفة، يسترعي اهتمام أقطاب إقليمية في الشرق الأوسط، استغلّت الجهاديين وتشدّدهم في تدمير دول، كالعراق وسوريا، وهي ذات الأقطاب التي تعتبر نفسها وصية على المسلمين، وتنبري في كل مناسبة للظهور بموقف المدافع عنهم، بجانب تمويله لآلاف المساجد في دول أوروبية ذات سيادة، يفترض أنّها قادرة على تمويل شؤونها الدينية بذاتها.

لكن الأقطاب تلك تستغل علاقاتها الوطيدة السياسية والاقتصادية مع الدول الأوروبية، لإبقاء الجاليات المسلمة تابعة لأجنداتها، وموصومة بالولاء لها، لتستغلها في كل نزاع، كما فعلت عندما هددت بقوافل اللاجئين نحو القارة الأوروبيّة، أو عبر التهديد بإعادة مسلحي داعش المعتقلين لديها.

كما يبدو جلياً، أنّ تلك الأقطاب ماهرة في استغلال التطرّف، للضغط على الأوروبيين بغية الانصياع لرغباتها، وهو ما ينبغي على دول القارة العجوز التنبّه له، وسحب بساطه من تحت أرجلها، عبر حصر تمويل الفعاليات الدينية لمختلف الأديان في مؤسسات الدولة الوطنية، خاصة في ظلّ الصراع المتصاعد بين الحلف الأوروبي المتبلور مؤخراً بقيادة “فرنسا”، من جهة، و”تركيا” من جهة أخرى.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

بالتوازي مع التغيّرات التي طرأت على منطقة الشرق الأوسط، حدثت تغيّرات متزامنة معها في القارة الأوروبية العجوز، إذ كانت الأخيرة صاحبة حصة الأسد من تبعات الاضطرابات العاصفة بالشرق الأوسط منذ عدة سنين، فانتقل آلاف الجهاديين منها إلى بلدان كسوريا والعراق، ومارسوا هناك شتّى صنوف الترهيب والإجرام، متأثرين بتنظيمات الإسلام السياسي الساعي إلى تبوّء الزعامة السياسية من بوابة الدين، عبر انتهاج خطاب شعبوي متهالك، عماده إنكار الآخر وإفناؤه.

وفي ظلّ تلك المعمعة، وعقب سنوات من كفاح شعوب الشرق الأوسط، تم القضاء على تنظيم داعش الإرهابي بشكل كامل ككتلة جغرافية، في الثالث والعشرين من مارس العام 2019، عقب تصفية آخر فلوله في سوريا ضمن معركة تطهير الباغوز، من قبل التحالف الدولي وشركائه من المقاتلين ضمن “قسد”.. لكن كان جلياً أنّ المتطرفين الذين أسّسوا وساهموا في خلق مثل تلك التنظيمات، والفكر الذين استمدّوا أوهامهم منه، ما يزال حياً، وفي أماكن كثيرة من العالم.

أكثر من 8 آلاف على قوائم التطرّف بفرنسا

ففي فرنسا، كشف وزير الداخلية، جيرالد دارمانان، في الواحد والثلاثين من أغسطس الماضي، أنّ 8132 فرداً في فرنسا موضوعون على قائمة التقارير، للوقاية من التطرّف ذي الطابع الإرهابي، محذراً من التهديد المتنامي لأنصار الإسلام الراديكالي.

وبيّن الوزير أنّ “الخطر الإرهابي يبقى التهديد الرئيس الذي تواجهه البلاد”، وأنّ “مكافحة الإرهاب أولوية للحكومة”، مردفاً: “لن نتوقف أبداً عن مطاردة أعداء الجمهورية”، وأنّه ورغم الهزيمة العسكرية لتنظيم “داعش” فإنّ التهديد الإرهابي من الخارج حتى وإن تدنّى يجب أن نخصّص له دائماً كل الاهتمام.

 

واستطرد الوزير الفرنسي بالقول: “التهديد الناجم عن العمليات الإرهابية يخطّط لها في الداخل، هو الخطر الأكبر والأقوى حيث تغذّيه دعاية المجموعات الإرهابية المستلهمة بالجهاديين وأيضاً تأثير أنصار الإسلام الراديكالي الذي يسعى البعض إلى أن يحظى به في أحيائنا”، معتبراً أنّ “التهديد الذي يطرحه أنصار الإسلام الراديكالي بات تحدياً متنامياً لأجهزة الاستخبارات التي تقوم اليوم بمتابعة 8132 شخصاً مدرجين على هذه القائمة”.

أفكار داعشيّة من اتّحاد للجاليات المسلمة بإيطاليا

أما في إيطاليا، فقد انتقد المركز الثقافي الإسلامي في إيطاليا، وهو الهيئة الإسلامية الوحيدة المعترف بها رسمياً من قبل روما، ما صدر عن اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا عن اليهودية والمسيحية، حيث أعرب المركز عن “حيرته وازدرائه للتصريحات غير المبررة وغير المقبولة للأمين العام لاتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا (UCOII)، ياسين برادعي، التي تصف اليهودية والمسيحية ببدع يجب تصحيحها”.

وأضاف المركز في بيان، في الثاني من سبتمبر الجاري، أنّه يجب التأكيد على أنّ اليهودية والمسيحية ديانتان سماويتان وإبراهيميتان، وأنّ الإيمان بالتوراة والإنجيل كنصوص مقدسة جزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، وذكر أنّ “المسلمين يحترمون ويكرمون الرسل السماويين من آدم إلى إبراهيم، ومن موسى إلى سليمان وداود وعيسى، الذين يعترفون بدورهم أنبياء ومبعوثين من سلف محمد عليهم السلام جميعاً”.

 

ويبرهن ما بثّه “اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا”، أنّ حدود التطرّف الديني غير مرتبطة بجغرافية تواجد هؤلاء، ولا بالصفات التي يحملونها، فالأفكار تلك تشبه إلى حدّ بعيد ما كان يحمله تنظيم “داعش” أو “جبهة النصرة” من إنكار للآخر، وشرعنة لقتله وانتهاك عرضه وماله وأرضه، كما حصل في العام 2014، عندما جرى مُهاجمة معقل الأقليّة الأيزيدية في بلدة “سنجار/شنكال” التابعة للموصل بالعراق، عندما جرى سبي آلاف النساء وخطف مثلهم من الأطفال، الذين ما يزال مصير الكثير منهم مجهولاً.

وعليه، فإنّ تبنّي “اتّحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا”، لمثل تلك الأفكار المتطرّفة قد يكون دليلاً على مصادر تغذية التطرّف والتشدّد الديني، الذي إن لم يكن يدعو للقتل والسلب في إيطاليا بصورة مباشرة بحكم سلطة القانون، لكنه على الأقل قد لا يتوانى عن تبرير وتأييد أفعال تنظيمات كـ”داعش” و”النصرة” وغيرها، في كمائن نفوس من يدير تلك المؤسسات وغيرها، كأفرع تنظيمات “الإخوان المسلمين”.

قائمة بلجيكية بـ700 خطير

وأيضاً في بلجيكا، شدّد رئيس هيئة تقييم المخاطر، بول فان تيغلت، أنّ التهديد الإرهابي لم ينتهِ، والأيديولوجية “الجهادية” لم تمت، على الرغم من تفكيك جزء كبير من الشبكات العنيفة، وأتى ذلك خلال تصريحات المسؤول الأمني البلجيكي لإذاعة محلية، في الثالث من سبتمبر، حيث لفت فان تيغلت إلى أنّ مواصلة التهديد الإرهابي ما يزال يهيمن على الدول الأوروبية، ومنها بلجيكا.

وتابع: “يمكن أن نقول إنّ ما يعرف بتنظيم “داعش” بات غير قادر على إرسال جهاديين إلى أوروبا، ولكن هذا لا يعني أنّ عقيدته اختفت”، واستند تيغلت على بيانات تفيد باستمرار تمدّد الجماعات المتشددة في العالم، خاصة في منطقة جنوب الصحراء، في أفريقيا وفي أفغانستان، متابعاً بالقول: “إنّ المتطرّفين يشكلون الخطر الأكبر على أوروبا اليوم، إذ من السهل التلاعب بأفكارهم ودفعهم لشنّ الهجمات”.

وفي سياق متصل، وضمن إجابته على استفسار بخصوص عدد المقاتلين البلجيكيين الموجودين في الخارج، أشار تيغلت بأنّهم 150 من أصل 420 غادروا البلاد باتجاه سوريا والعراق قبل سنوات، منوّهاً إلى وجود 700 مواطن بلجيكي يعيشون داخل البلاد، وجرى تصنيفهم في خانة “الخطرين”، وبينهم مسلحون سابقون.

 

ومن اللافت أنّ تمدد الأفكار المتطرّفة، يسترعي اهتمام أقطاب إقليمية في الشرق الأوسط، استغلّت الجهاديين وتشدّدهم في تدمير دول، كالعراق وسوريا، وهي ذات الأقطاب التي تعتبر نفسها وصية على المسلمين، وتنبري في كل مناسبة للظهور بموقف المدافع عنهم، بجانب تمويله لآلاف المساجد في دول أوروبية ذات سيادة، يفترض أنّها قادرة على تمويل شؤونها الدينية بذاتها.

لكن الأقطاب تلك تستغل علاقاتها الوطيدة السياسية والاقتصادية مع الدول الأوروبية، لإبقاء الجاليات المسلمة تابعة لأجنداتها، وموصومة بالولاء لها، لتستغلها في كل نزاع، كما فعلت عندما هددت بقوافل اللاجئين نحو القارة الأوروبيّة، أو عبر التهديد بإعادة مسلحي داعش المعتقلين لديها.

كما يبدو جلياً، أنّ تلك الأقطاب ماهرة في استغلال التطرّف، للضغط على الأوروبيين بغية الانصياع لرغباتها، وهو ما ينبغي على دول القارة العجوز التنبّه له، وسحب بساطه من تحت أرجلها، عبر حصر تمويل الفعاليات الدينية لمختلف الأديان في مؤسسات الدولة الوطنية، خاصة في ظلّ الصراع المتصاعد بين الحلف الأوروبي المتبلور مؤخراً بقيادة “فرنسا”، من جهة، و”تركيا” من جهة أخرى.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit