موسكو تدفع واشنطن لتكرار سيناريو فيتنام في أفغانستان

موسكو

لطالما راود الأمريكيون الخشية من تكرار حرب فيتنام، التي بدأت في العام 1955، واستمرّت حتى العام 1975، وتلقّى فيها الجيش الفيتنامي الشمالي الدعم من الاتحاد السوفيتي، والصين، وحلفاء شيوعيين آخرين، فيما تلقّى الجيش الفيتنامي الجنوبي الدعم من الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وتايلاند وحلفاء آخرين مناهضين للشيوعية.

حيث تدخلت واشنطن في الصراع من أجل منع استيلاء الشيوعيين على فيتنام الجنوبية، لكنها انتهت بسحب كل القوات الأمريكية في 15 أغسطس 1973، فيما كان سقوط مدينة سايغون في قبضة الجيش الفيتنامي الشمالي في أبريل 1975 بمثابة نهاية الحرب، التي كلفت واشنطن أكثر من 58 ألف جندي، وهو ما يبدو أنّ موسكو رغبت في مشاهدته مجدداً، بل وعملت عليه خلال العقدين الماضيين في أفغانستان، عبر تقديم الدعم للجهات المعادية للوجود الأمريكي، بغية توجيه الضربات المتلاحقة للجيش الأمريكي والتحالف هناك، والذي أدّى أخيراً إلى توقيع اتفاق سلام بين واشنطن وطالبان، أواخر فبراير الماضي، بعد أكثر من 18 عاماً من الحرب، ونصّ على انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان في غضون 14 شهراً، وبدء الحوار بين الأفغان، عقب صفقة لتبادل الأسرى.

الصحافة الأمريكية تتهم

مناسبة الحديث، ما عرضته صحيفة “نيويورك تايمز”، في السادس والعشرين من يونيو الماضي، عندما قالت نقلاً عن مسؤولين في وكالة الاستخبارات الأمريكية لم تذكر أسماءهم، أنّ الاستخبارات العسكرية الروسية عرضت مكافآت للمسلحين المرتبطين بطالبان، في مقابل القيام بهجمات على الجنود الأمريكيين في أفغانستان، فيما نشر جمهوريون أعضاء في الكونغرس الأمريكي، تقريراً، اتهموا فيه موسكو، بتمويل حركة “طالبان”، ودعوا إلى فرض عقوبات أشد على موسكو.

 

وهي اتهاماتٌ سارعت السفارة الروسية في أفغانستان إلى نفيها، زاعمةً أنّ تلك التقارير هدفها تشويه موقف موسكو البناء والهادف إلى بناء أفغانستان تتمتع بالسلام والاستقرار (على حدّ زعمها)، بينما اعتبر الناطق باسم الكرملين ذلك التقرير بـ”الهراء المطلق”، أما حركة “طالبان”، ففندت من جانبها، صحة التقرير.

موسكو تدعم طالبان وحقاني

أما رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال مارك ميلي، فقال في التاسع من يوليو الماضي، إنّ روسيا تنشط في أفغانستان عبر تواصلها مع مجموعات متطرّفة، في مقدمتها “شبكة حقاني” وحركة “طالبان”.

وخلال جلسات استماع نظمتها اللجنة لشؤون القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي، ذكر ميلي: “كنا نعلم على مدار سنين أنّ روسيا متورّطة في الوضع في أفغانستان، وذلك لتحقيق لمصالح أمنها القومي، روسيا ليست صديقتنا ومشاركتهم (في الوضع الأفغاني) تثير قلقنا، كنا نرصد ذلك عن كثب ونتخذ الإجراءات المناسبة”، مشيراً إلى أنّ روسيا إلى جانب الصين وباكستان وإيران وغيرها من الدول، لها يد في التطورات الجارية في أفغانستان، مضيفا أنّ موسكو تنشط في هذا البلد “عبر طالبان و(شبكة) حقاني ومجموعات أخرى”.

 

وفي تعقيبه على تقارير عن استعداد روسيا لدفع “مكافآت” لمسلحي “طالبان”، مقابل شنّهم هجمات على قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان، قال الجنرال مارك ميلي: “نحن نعتزم الكشف عن حقيقة هذه المكافآت”.

بيد أنّ ترامب اتّخذ موقفاً متشككاً، فقال عبر صفحته على “تويتر”، إنّ الاستخبارات الأمريكية اعتبرت التقارير عن عرض روسيا “مكافآت” لعناصر “طالبان” مقابل استهدافهم عسكريين أمريكيين “غير موثوق بها”، على حدّ زعمه.

طالبان تسعى لتبرئة موسكو

بدورها، أنكرت حركة “طالبان” الأفغانية، الاتهامات حول “تآمر” بينها وبين موسكو في أفغانستان ضد الأمريكيين، زاعمةً أنّ نشر هذه الادعاءات من صنع أعداء عملية السلام في البلاد، حيث ادعى المتحدّث باسم المكتب السياسي لحركة “طالبان” في العاصمة القطرية الدوحة، سهيل شاهين، خلال حديث لوكالة “سبوتنيك” الروسية عبر الهاتف، في الثامن من أغسطس، أنّ الاتهامات الأمريكية ضد موسكو لا أساس لها من الصحة، وأنّ الحركة ترفضها بشدة.

وذكر شاهين، تعقيباً على اتهامات الولايات المتّحدة لروسيا بأنّها تسعى لشراء مسلحين من “طالبان” لقتل العسكريين الأمريكيين، أنّ “هذه الادعاءات لا أساس لها​​​، لا توجد مثقال ذرة من الحقيقة فيها، وهذه التصريحات تعد جزءاً من الحملة التي أطلقها معارضو عملية السلام في أفغانستان”، مضيفاً: “نحن نرفض كل هذه الادعاءات جملةً وتفصيلاً”.

 

أما المتحدّث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، فقال في مقال لـ”نيويورك تايمز” بأنّها “كذبة”، مشيراً إلى أنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لم يبحث هذا الموضوع مع ترامب.

واشنطن تتوعد.. لو كان صحيحاً

وفي موقف مُغاير لموقف الرئيس الأمريكي، حذّر وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في الثالث عشر من أغسطس، من أنّ موسكو ستدفع “ثمناً باهظاً” في حال تأكدت الاتهامات بأنّها دفعت مكافآت لحركة “طالبان” في أفغانستان مقابل قتل الجنود الأمريكيين.

وصرّح بومبيو للصحفيين، فقال: “إذا قدّم الروس أموالاً مقابل قتل أمريكيين أو مواطنين غربيين، فسيتعيّن عليهم دفع ثمن باهظ، وقد قلت ذلك لوزير الخارجية سيرغي لافروف”، مضيفاً أنّ الولايات المتحدة “لن تتسامح مع ذلك”.

ورغم أنّ القضية تحتاج إلى المزيد من الدلائل الملموسة والقاطعة من الجانب الأمريكي لبرهنة ذلك الاتهام، بيد أنّه من المنطقي أن يجد ذلك الاتهام مكانه بالنسبة للمراقبين، إذ لا تتوقف المُناكفة بين موسكو وواشنطن، وفي أكثر من موقع حول العالم، وبالتالي، يبدو أنّ فرضيات الصحافة الأمريكية التي استندت على معلومات استخبارية، في تحميل موسكو مسؤولية الهزيمة غير المعلنة لواشنطن في ذلك البلد الآسيوي، ستحمل غالباً ما يؤكدها مستقبلاً، لكن وغالباً أيضاً، عندما لا يكون ترامب في سدّة الحكم.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

لطالما راود الأمريكيون الخشية من تكرار حرب فيتنام، التي بدأت في العام 1955، واستمرّت حتى العام 1975، وتلقّى فيها الجيش الفيتنامي الشمالي الدعم من الاتحاد السوفيتي، والصين، وحلفاء شيوعيين آخرين، فيما تلقّى الجيش الفيتنامي الجنوبي الدعم من الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وتايلاند وحلفاء آخرين مناهضين للشيوعية.

حيث تدخلت واشنطن في الصراع من أجل منع استيلاء الشيوعيين على فيتنام الجنوبية، لكنها انتهت بسحب كل القوات الأمريكية في 15 أغسطس 1973، فيما كان سقوط مدينة سايغون في قبضة الجيش الفيتنامي الشمالي في أبريل 1975 بمثابة نهاية الحرب، التي كلفت واشنطن أكثر من 58 ألف جندي، وهو ما يبدو أنّ موسكو رغبت في مشاهدته مجدداً، بل وعملت عليه خلال العقدين الماضيين في أفغانستان، عبر تقديم الدعم للجهات المعادية للوجود الأمريكي، بغية توجيه الضربات المتلاحقة للجيش الأمريكي والتحالف هناك، والذي أدّى أخيراً إلى توقيع اتفاق سلام بين واشنطن وطالبان، أواخر فبراير الماضي، بعد أكثر من 18 عاماً من الحرب، ونصّ على انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان في غضون 14 شهراً، وبدء الحوار بين الأفغان، عقب صفقة لتبادل الأسرى.

الصحافة الأمريكية تتهم

مناسبة الحديث، ما عرضته صحيفة “نيويورك تايمز”، في السادس والعشرين من يونيو الماضي، عندما قالت نقلاً عن مسؤولين في وكالة الاستخبارات الأمريكية لم تذكر أسماءهم، أنّ الاستخبارات العسكرية الروسية عرضت مكافآت للمسلحين المرتبطين بطالبان، في مقابل القيام بهجمات على الجنود الأمريكيين في أفغانستان، فيما نشر جمهوريون أعضاء في الكونغرس الأمريكي، تقريراً، اتهموا فيه موسكو، بتمويل حركة “طالبان”، ودعوا إلى فرض عقوبات أشد على موسكو.

 

وهي اتهاماتٌ سارعت السفارة الروسية في أفغانستان إلى نفيها، زاعمةً أنّ تلك التقارير هدفها تشويه موقف موسكو البناء والهادف إلى بناء أفغانستان تتمتع بالسلام والاستقرار (على حدّ زعمها)، بينما اعتبر الناطق باسم الكرملين ذلك التقرير بـ”الهراء المطلق”، أما حركة “طالبان”، ففندت من جانبها، صحة التقرير.

موسكو تدعم طالبان وحقاني

أما رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال مارك ميلي، فقال في التاسع من يوليو الماضي، إنّ روسيا تنشط في أفغانستان عبر تواصلها مع مجموعات متطرّفة، في مقدمتها “شبكة حقاني” وحركة “طالبان”.

وخلال جلسات استماع نظمتها اللجنة لشؤون القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي، ذكر ميلي: “كنا نعلم على مدار سنين أنّ روسيا متورّطة في الوضع في أفغانستان، وذلك لتحقيق لمصالح أمنها القومي، روسيا ليست صديقتنا ومشاركتهم (في الوضع الأفغاني) تثير قلقنا، كنا نرصد ذلك عن كثب ونتخذ الإجراءات المناسبة”، مشيراً إلى أنّ روسيا إلى جانب الصين وباكستان وإيران وغيرها من الدول، لها يد في التطورات الجارية في أفغانستان، مضيفا أنّ موسكو تنشط في هذا البلد “عبر طالبان و(شبكة) حقاني ومجموعات أخرى”.

 

وفي تعقيبه على تقارير عن استعداد روسيا لدفع “مكافآت” لمسلحي “طالبان”، مقابل شنّهم هجمات على قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان، قال الجنرال مارك ميلي: “نحن نعتزم الكشف عن حقيقة هذه المكافآت”.

بيد أنّ ترامب اتّخذ موقفاً متشككاً، فقال عبر صفحته على “تويتر”، إنّ الاستخبارات الأمريكية اعتبرت التقارير عن عرض روسيا “مكافآت” لعناصر “طالبان” مقابل استهدافهم عسكريين أمريكيين “غير موثوق بها”، على حدّ زعمه.

طالبان تسعى لتبرئة موسكو

بدورها، أنكرت حركة “طالبان” الأفغانية، الاتهامات حول “تآمر” بينها وبين موسكو في أفغانستان ضد الأمريكيين، زاعمةً أنّ نشر هذه الادعاءات من صنع أعداء عملية السلام في البلاد، حيث ادعى المتحدّث باسم المكتب السياسي لحركة “طالبان” في العاصمة القطرية الدوحة، سهيل شاهين، خلال حديث لوكالة “سبوتنيك” الروسية عبر الهاتف، في الثامن من أغسطس، أنّ الاتهامات الأمريكية ضد موسكو لا أساس لها من الصحة، وأنّ الحركة ترفضها بشدة.

وذكر شاهين، تعقيباً على اتهامات الولايات المتّحدة لروسيا بأنّها تسعى لشراء مسلحين من “طالبان” لقتل العسكريين الأمريكيين، أنّ “هذه الادعاءات لا أساس لها​​​، لا توجد مثقال ذرة من الحقيقة فيها، وهذه التصريحات تعد جزءاً من الحملة التي أطلقها معارضو عملية السلام في أفغانستان”، مضيفاً: “نحن نرفض كل هذه الادعاءات جملةً وتفصيلاً”.

 

أما المتحدّث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، فقال في مقال لـ”نيويورك تايمز” بأنّها “كذبة”، مشيراً إلى أنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لم يبحث هذا الموضوع مع ترامب.

واشنطن تتوعد.. لو كان صحيحاً

وفي موقف مُغاير لموقف الرئيس الأمريكي، حذّر وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في الثالث عشر من أغسطس، من أنّ موسكو ستدفع “ثمناً باهظاً” في حال تأكدت الاتهامات بأنّها دفعت مكافآت لحركة “طالبان” في أفغانستان مقابل قتل الجنود الأمريكيين.

وصرّح بومبيو للصحفيين، فقال: “إذا قدّم الروس أموالاً مقابل قتل أمريكيين أو مواطنين غربيين، فسيتعيّن عليهم دفع ثمن باهظ، وقد قلت ذلك لوزير الخارجية سيرغي لافروف”، مضيفاً أنّ الولايات المتحدة “لن تتسامح مع ذلك”.

ورغم أنّ القضية تحتاج إلى المزيد من الدلائل الملموسة والقاطعة من الجانب الأمريكي لبرهنة ذلك الاتهام، بيد أنّه من المنطقي أن يجد ذلك الاتهام مكانه بالنسبة للمراقبين، إذ لا تتوقف المُناكفة بين موسكو وواشنطن، وفي أكثر من موقع حول العالم، وبالتالي، يبدو أنّ فرضيات الصحافة الأمريكية التي استندت على معلومات استخبارية، في تحميل موسكو مسؤولية الهزيمة غير المعلنة لواشنطن في ذلك البلد الآسيوي، ستحمل غالباً ما يؤكدها مستقبلاً، لكن وغالباً أيضاً، عندما لا يكون ترامب في سدّة الحكم.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit