لماذا غاب سكانها؟

أسامة هنيدي
أسامة هنيدي

ربما وبنبوءة الشاعر الفذّة كتب محمود درويش عبارته (الديوان) المتسائلة: 
لماذا تركت الحصان وحيداً يا أبي؟
كي يؤنس البيت يا ولدي
فالبيوت تموت إن غاب سكانها
وربما ليس بغريب على شاعر خبر معنى خلو البيوت من ساكنيها بعد محو قريته الصغيرة (البروة)، عن خارطة الأماكن من الوجود على يد الاحتلال الإسرائيلي.

خطرت لي هذي العبارة، وأنا أتابع كل هذا الهرج والمرج حول التطبيع الإماراتي مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، محاولاً قراءة ما آل إليه مصير ساكني هذا الشرق الحزين، وتحديداً شرقنا العربي المنكوب.

وأقول المنكوب لأنّ مصطلح النكبة الذي راج إبان قدوم شذّاذ الآفاق، لبناء مستوطنات على دماء الشعب الفلسطيني له ما يوازيه، بل وما يبزه عند أنظمة الاستبداد العربية التي عاثت في بلدانها فساداً وقتلاً وتهجيراً قسرياً، بل واستبدالاً ديموغرافياً مبنياً على وقائع أكل الدهر عليها وشرب، لكنها بقيت في رؤوس أبنائها فاستحالت عنفاً وقتلاً تحت عباءة هذه الوقائع، والتي اتخذت لبوس المقدّس للانتقام من الآخر، الخصم، مستلب الخلافة، الرافض، وغيرها من مصطلحات ثقافة الانتقام الرديئة.

فمن يلقي اليوم باللائمة على الإمارات، وهي جزء من هذه الثقافة المشيخية ذات الصبغة الرأسمالية التوجه والمحدودة الأثر الإستراتيجي، حتى ولو حاولت مع نظيرتها قطر لعب أدوار ليست على قياسها، وإن لعب رأسمالها الهائل دوراً في ذلك، إلا أنّها ستبقى ذات وظيفة نفعية في لعبة الأمم، أقول من يلقي اللوم عليه أن يقدم جردة حساب لما صنعت يداه بحق شعبه وأشقائه وفلسطين، على وجه التحديد، التي تحولت الى معبر استئثار وشماعة قتل في رؤوس صانعي السياسات في العالم العربي، أو القائمين بهذا الدور على أكمل وجه قبيح.

والأسئلة التي تتكاثر كالفطريات في الذهن اليوم هي من قبيل: من حوّل العراق إلى بلد يحكم فيه الولاء الطائفي والقومجي المتهوّر سوى هذه الأنظمة؟ من حول سوريا الى بلد مستباح وهجر سكانها واستبدلهم على صورته ومثاله سوى أمثال هذه الأنظمة؟ من حول لبنان المنكوب، مؤخراً وسابقاً، الى دولة فاشلة سوى نفس العقلية الطائفية الرخيصة، وفساد الطبقة السياسية من يمينها إلى يسارها؟ من شقّ الصف الفلسطيني سوى فصيل الإخوان الحماسي القطري وديناصورات فتح، التي أفسدت تاريخ ياسر عرفات الشجاع باستبدادها وذهابها نحو مزيد من الاستبداد بحجة الشرعية التاريخية لفتح؟

من غيّر وجه تونس المدني الجميل إلى الغنوشية المراوغة الممالئة والداعمة للإرهاب الأردوغاني القطري؟ من حول ليبيا الى حلبة يتناحر فيها البسطار العسكري مع الفكر الإخواني مجدداً؟ من حول مدرجات ملعب الرجاء البيضاوي المغربي الى متنفس لجماهير الكرة للتعبير عن بيع البلاد والعباد بساقي شاكيرا؟ من حول أم الدنيا إلى شحاذة ماء على أعتاب إثيوبيا؟ من يفوز بغنيمة اليمن الحزين، هل هم الوهابيون أم أنصار المهدي المنتظر؟

من أربك بلد المليون شهيد حتى غدا صوته مخنوقاً، بين التطرّف العسكري الذي حكم البلاد على كرسي متحرّك، ممثلاً لثورة أكلت الحقوق الشرعية للبشر، أم زوايا ابن تيمية الرابضة في عموم البلاد؟

ولعلنا بعد هذه الجائحة، وأقصد جائحة الاستبداد، نجري حواراً مع أنفسنا لنخلص إلى نتيجة مفادها، أن لا خلاص لهذه الأمة إلا بنمو بطيء لتيار التنوير في مفاصلها يجعلها تعي ومنذ البدء حقوقها الطبيعية، ومن ثم الاجتماعية والسياسية، التي وبعد مدة تتخلص مما شابها من نقص، إذ إنّ الله، وكما ورد في التنزيل، عاجز عن تغيير ما في أنفس البشر حتى يغيروا ما بأنفسهم، وبانتظار ذلك ننطلق مما بدأنا به مقالنا، وهو عبارة محمود درويش: “البيوت تموت إن غاب سكانها”.

نعم ستندثر البيوت والأوطان إن لم يعِ أهلها مسؤولياتهم وحجم العمل الذي يجب أن يقوموا به لتغيير الأحوال الراهنة تدريجياً، واستبدالها بشرعة تقيم حدود الفرد الحر الخلاق المبدع العارف لشؤون دنياه، المدافع عن الحق والعدالة والحرية، عدا ذلك سنبقى أسيري أوهامنا الجميلة.

ليفانت – أسامة هنيدي

ربما وبنبوءة الشاعر الفذّة كتب محمود درويش عبارته (الديوان) المتسائلة: 
لماذا تركت الحصان وحيداً يا أبي؟
كي يؤنس البيت يا ولدي
فالبيوت تموت إن غاب سكانها
وربما ليس بغريب على شاعر خبر معنى خلو البيوت من ساكنيها بعد محو قريته الصغيرة (البروة)، عن خارطة الأماكن من الوجود على يد الاحتلال الإسرائيلي.

خطرت لي هذي العبارة، وأنا أتابع كل هذا الهرج والمرج حول التطبيع الإماراتي مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، محاولاً قراءة ما آل إليه مصير ساكني هذا الشرق الحزين، وتحديداً شرقنا العربي المنكوب.

وأقول المنكوب لأنّ مصطلح النكبة الذي راج إبان قدوم شذّاذ الآفاق، لبناء مستوطنات على دماء الشعب الفلسطيني له ما يوازيه، بل وما يبزه عند أنظمة الاستبداد العربية التي عاثت في بلدانها فساداً وقتلاً وتهجيراً قسرياً، بل واستبدالاً ديموغرافياً مبنياً على وقائع أكل الدهر عليها وشرب، لكنها بقيت في رؤوس أبنائها فاستحالت عنفاً وقتلاً تحت عباءة هذه الوقائع، والتي اتخذت لبوس المقدّس للانتقام من الآخر، الخصم، مستلب الخلافة، الرافض، وغيرها من مصطلحات ثقافة الانتقام الرديئة.

فمن يلقي اليوم باللائمة على الإمارات، وهي جزء من هذه الثقافة المشيخية ذات الصبغة الرأسمالية التوجه والمحدودة الأثر الإستراتيجي، حتى ولو حاولت مع نظيرتها قطر لعب أدوار ليست على قياسها، وإن لعب رأسمالها الهائل دوراً في ذلك، إلا أنّها ستبقى ذات وظيفة نفعية في لعبة الأمم، أقول من يلقي اللوم عليه أن يقدم جردة حساب لما صنعت يداه بحق شعبه وأشقائه وفلسطين، على وجه التحديد، التي تحولت الى معبر استئثار وشماعة قتل في رؤوس صانعي السياسات في العالم العربي، أو القائمين بهذا الدور على أكمل وجه قبيح.

والأسئلة التي تتكاثر كالفطريات في الذهن اليوم هي من قبيل: من حوّل العراق إلى بلد يحكم فيه الولاء الطائفي والقومجي المتهوّر سوى هذه الأنظمة؟ من حول سوريا الى بلد مستباح وهجر سكانها واستبدلهم على صورته ومثاله سوى أمثال هذه الأنظمة؟ من حول لبنان المنكوب، مؤخراً وسابقاً، الى دولة فاشلة سوى نفس العقلية الطائفية الرخيصة، وفساد الطبقة السياسية من يمينها إلى يسارها؟ من شقّ الصف الفلسطيني سوى فصيل الإخوان الحماسي القطري وديناصورات فتح، التي أفسدت تاريخ ياسر عرفات الشجاع باستبدادها وذهابها نحو مزيد من الاستبداد بحجة الشرعية التاريخية لفتح؟

من غيّر وجه تونس المدني الجميل إلى الغنوشية المراوغة الممالئة والداعمة للإرهاب الأردوغاني القطري؟ من حول ليبيا الى حلبة يتناحر فيها البسطار العسكري مع الفكر الإخواني مجدداً؟ من حول مدرجات ملعب الرجاء البيضاوي المغربي الى متنفس لجماهير الكرة للتعبير عن بيع البلاد والعباد بساقي شاكيرا؟ من حول أم الدنيا إلى شحاذة ماء على أعتاب إثيوبيا؟ من يفوز بغنيمة اليمن الحزين، هل هم الوهابيون أم أنصار المهدي المنتظر؟

من أربك بلد المليون شهيد حتى غدا صوته مخنوقاً، بين التطرّف العسكري الذي حكم البلاد على كرسي متحرّك، ممثلاً لثورة أكلت الحقوق الشرعية للبشر، أم زوايا ابن تيمية الرابضة في عموم البلاد؟

ولعلنا بعد هذه الجائحة، وأقصد جائحة الاستبداد، نجري حواراً مع أنفسنا لنخلص إلى نتيجة مفادها، أن لا خلاص لهذه الأمة إلا بنمو بطيء لتيار التنوير في مفاصلها يجعلها تعي ومنذ البدء حقوقها الطبيعية، ومن ثم الاجتماعية والسياسية، التي وبعد مدة تتخلص مما شابها من نقص، إذ إنّ الله، وكما ورد في التنزيل، عاجز عن تغيير ما في أنفس البشر حتى يغيروا ما بأنفسهم، وبانتظار ذلك ننطلق مما بدأنا به مقالنا، وهو عبارة محمود درويش: “البيوت تموت إن غاب سكانها”.

نعم ستندثر البيوت والأوطان إن لم يعِ أهلها مسؤولياتهم وحجم العمل الذي يجب أن يقوموا به لتغيير الأحوال الراهنة تدريجياً، واستبدالها بشرعة تقيم حدود الفرد الحر الخلاق المبدع العارف لشؤون دنياه، المدافع عن الحق والعدالة والحرية، عدا ذلك سنبقى أسيري أوهامنا الجميلة.

ليفانت – أسامة هنيدي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit