في تجاوز إرهاصات “الواقع”.. متى يمكن أن نفهم على بعض؟

جمال الشوفي
جمال الشوفي

الحرية بوصفها جوهر العقل وطريقة الوجود والسعادة، هي البيئة العامة التي تمكن من الاختلاف على قاعدة التشارك، لا على قاعدة التنافس، وهي القدرة على تمكين الذوات الفردية من أدواتها الحوارية بوصفها جزءاً من تصورات الواقع لا كليته، وهي أيضاً مشروع الوجود العام الذي يحتوي الكل ولا يمكن أن يستنفذ في رأي أو صيغة فردية ما، مهما كانت محملة بالأحلام والأماني الطيبة و”المحقة”. 

“الهبوط المؤلم” من عالم الفكرة والرأي والتصوّر، إلى عالم الواقع ومعطياته وممكناته، هو ما لم يبنَ حوله لليوم قاعدة تفاهم عامة بين السوريين، ويبدو أنّه صيررة تاريخية مشروط تحققها بتحقق الدولة العصرية الحقوقية والدستورية، والتي تكفل تحقق البيئة العامة للحرية والعدالة والإمكانيّة بالمبدأ، وأيضاً إمكانية اختبار الفكرة أو الرأي في سياق عمل قابل للخطأ والصواب على أرضية معيارية، بحيث يبقى الاختلاف بالرأي حقاً مشروعاً وعاماً، مهما كان عمق الخلاف ونمطية التفكير، فقط لأنّ البشر عقلاء، والعقل جوهره الاختلاف والتمايز.

فإن كان هذا الهبوط مؤلماً بالمبدأ لكونه ينزع عن الفكرة ذاتية اكتمالها وكلية حيازتها المفردة للواقع، ويذهب باتجاه التشاركية والتفاعلية على قاعدة الحوار البناء كمعادل موضوعي بين موضوعين متساويين، قيمة، ومختلفين، هدفاً أو نهجاً، غرضه بالمبدأ الوصول إلى “الحقيقة” الكاشفة لإمكانات الواقع التي لم تتحرر بعد، فكيف لا يكون مضاعفاً أسيّاً حين يكون الإقرار في وضع كارثي في مواجهة الحالة السورية وطرق حلّها الممكنة والمستعصية؟ 

بعيداً عن تناول الحلّ السوري سياسياً، والمتناول في مواقع عدة ودراسات مختلفة، والذي ما زال قيد أخذ وجذب، وبعيداً عن التوصيف السياسي بممكناته أو حمولاته المضافة من الأحلام والأماني، وبغية الدخول من البوابة العريضة للفكر البشري، فكر التحرّر والقدرة، هدف أي تحول بشري يسمى ثورة، فالإقرار بالواقع القائم بمعطياته وإمكانياته، وما فكرنا سوى صورة من صوره، نعمل لجعلها مقاربة قدر المستطاع، هو جزء من الحقيقة أولاً، وطريقة في تغييره ثانياً، وبحث في مناهجه ثالثاً، والتوافق على كيفية التغيير رابعاً، وهو رغبة فكرية وضرورة سياسية ووجودية في فهمه مادياً وسياسياً، وبالتالي العمل على إمكان تغييره، وفق محددات ينتجها العقل، وقابلة لأن تصبح واقعاً حياً ومعاشاً، فالواقعي معقول والمعقول واقعي اتّساقاً مع الجدل الهيجلي العريق.

الحدث السوري الضخم هذا كان وما زال محكاً مهماً للسوريين جميعاً، و”للنخبة” السياسية والثقافية في خضم التجربة العملية والنظرية سواء. فقد كشفت الثورة، كما يكشف المشعر المعادن، عن الكثير من الأخطاء المعرفية، لا بل “العيوب المنهجية” التي مورست بقصد أو دونه، لم تسمح لليوم بحيّز تفاهمي بحدّه الأدنى، تجلت بـ: 1- غياب التواصلية والحوامل المفهومية بين الفكرة ومحاوريها، ما خلق التحاجز والانفلاقات العمودية بين منغمس في حلمه، “الحق”، من حيث الإنسانية ودوافعها، وصولاً إلى منغمس بالدم لأقصى درجات التطرّف والثأرية والجريمة، وبينهما طيف يعبّ من غمار المتعارضات الطويلة غير المنتهية، ليغرق الكل في دوامة النفي المطلق للمختلف لدرجة الاجتثاث المادي.

2- الاختلاط المنهجي بين الحلم والممكن من جهة، وبين الواقع والهدف من جهة أخرى، ما أضفى سمة الفردية و”الأخوية” في انتقاء الوسائل وطرق العمل، بعيداً عن الروح الجماعية والتنسيق العام المنظم. وما يحدث من تغليب للأماني الفردية من تشنج لا نهائي، ورفض للواقع بكل صنوفه، ونفور كل طرف من الآخر سوى نتيجة منطقية لها، بدلاً من تفكيك الواقع وتحليله واكتشاف ممكناته دون ادعاء امتلاكه وامتلاك الحقيقة المطلقة من بعد. 

3- نزعة المغالبة الأيديولوجية في لوي عنق الواقع والرأي السياسي، وتغليبه على كل من حوله، وصلت لدرجة “الكيدية السياسية” القاتلة، والتي خلفت الكثير من حالات التخوين وعدم الثقة والغرق بالتصورات الذاتوية لدرجة الوهم أحياناً، وما انفكاك الشارع والإنسان البسيط عن “نخبه” إلا إحدى أوجها، ما جعل الانتكاس لمحلية المشاريع وقزميتها تحلّ محل المشروع الوطني العام.

4- هيمنة أحكام القيمة الأخلاقية، والتي وإن كان هدفها يرقى إلى مستوى التحديد الأخلاقي من بحر الدم السوري، إلا أنّها أقامت التحاجز والتباين اللامحدود، وعامل من عوامل التذرير والتشتيت والمزيد من الإغراق في الانعزالية، وتبادل التهم إلى ما لانهاية، وغالباً بذات المصطلحات والمفاهيم.

5- إذا كان توجيه الحدث والواقع باتجاه نصرة الحق والمظلوم في الثورة السورية غاية إنسانية، إلا أنّها لم تكن مبرراً أبدا لخلق عوامل التحكم والتهكم لحدّ الإلزام المكروه والممجوج، ناسية أو متعامية فعلياً عن نسبية الحقيقة وضرورات ردم الهوة بين الواقع والهدف، بابتكار الطرق المعرفية والأخلاقية العامة، فنصرة المظالم التي تأتي بمظالم أخرى، ليست سوى تأسيس لفاشية جديدة من نوع آخر، وإن اختلفت شكلاً تبقى ذات المضمون والمحتوى. 

أمام مشهد المتناقضات الطويل هذا، بات من الضروري اليوم العودة للارتكاز على المبادئ العامة والإنسانية والمؤسسة للهوية المدنية، من حيث صيانة الحريات الفردية والإبداع والفكر، واحترام حقوق الإنسان بحيث لا يجوز التعدّي عليها أو الانتقاص منها، واعتماد مبدأ الاختلاف بالمعتقد والرأي هوية عامة، فالمواطنة هي الأفراد المختلفون رأياً وصفة والمتساوون قيمة، وذلك تأسيساً للانتماء السوري هوية عامة بلا توصيفات أو متشابهات، ترمم صدوعه وتبايناته الطائفية وانزلاقاته الفئوية وانحرافاته الدموية، وتبني بوصلة عمل تشاركية تعمل على تحديد الفرق الجوهري زمنياً بين الممكن اللحظي والآني وبين الممكن المستقبلي، وهو ما نسميه قاعدة العمل ضمن سياق المشروع الوطني وفق مراحل زمنية محددة، لا العبث بإمكان إنتاجه دفعة واحدة وإعادة تكرار ذات الهزيمة المجتمعية.

أياً يكن شكل الحل السوري الراهن اليوم سياسياً، بمرجعية 2254/2015، بالطريقة السوتشاوية الروسية، بعودة الهيمنة العسكرية، بالوصاية متعددة الأطراف، بالاحتلال الروسي، بالامتداد لحرب إقليمية تجهز على ما تبقى من سورية، وفي أحسن صوره بمرجعية جنيف 1، لن تكون حلاً بذاته، بقدر بوابة حلول تفتح ما خلفها من مشاريع عمل. فعلى النخبة السورية الناهلة من فكر التحرّر وميراث الفكر العصري وفتوحات الثورة الأولى، العمل الآني على ضرورة الفصل التام بين ما هو افتراضي وما هو واقعي قابل للعقلانية والتجسير والبناء حوله، وتجاوز إرهاصات السنوات العشر الفائتة، والتوجّه للممكن السوري في نموذج حياته ورغبته بالحياة والاستقرار دون تنازل عن حلمه الحق في دولته الوطنية، وهذا يتطلّب ممكنات عمل متعددة الخطوط وقاعدة تفاهمات متوازية لكنها تنظر بالمبدأ للسوري في حاضره ومستقبله، لتبقى كل المشاريع السياسية اليوم قصيرة الأجل ما دام السوري قابلاً للحياة، وإلا فقد تصبح طويلة الأمد، تغير محتوى وحاضر السوري ومستقبله، وهذا رهن بالنخبة السورية وتنوريها في الإجابة على سؤال: متى يمكن أن نفهم على بعض؟

– جمال الشوفي