شهادة رياض سيف أمام محكمة كوبلينز..ربيع دمشق وتداعياته

رياض سيف

 ليفانت- لونا وطفة 

لم تكن جلستا السادس والسابع والعشرين من شهر آب لعام 2020 مع شاهدٍ من ضحايا الاعتقال التعسفي، في فترة وجود المتهم أنور رسلان كرئيس لقسم التحقيق هناك عامي 2011 و 2012 كما جرت العادة، بل كانتا مع المعارض السوري السيد رياض سيف الذي طُلِب للشهادة بناءً على طلب المتهم نفسه، ظناً منه أن السيد سيف سيقوم بالشهادة لصالحه، بيد أن الشاهد خالف توقعات المتهم.

بدأت الجلسة الأولى بعد حوالي نصف ساعة من موعدها المفترض، كون الشهادة تمّت عبر الفيديو، حيث احتاجت المحكمة بعض الوقت لإجراء الاتصال بين المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز وبين محكمة المقاطعة في برلين، التي حضر فيها الشاهد مع محاميه الخاص، ومترجمة معتمدة من المحكمة جلست بجواره، وزوجته التي لم تظهر في الاتصال ولكنها كانت متواجدة في القاعة في اليوم الأول.

بدا على الشاهد الذي يبلغ من العمر 73 عاماً علامات المرض، بيد أنه وافق على إعطاء شهادته على الرغم من وضعه الصحي.

“لقد تمت دعوتك اليوم كشاهد، وواجبك هو قول الحقيقة للمحكمة دون أي اختصار أو إضافة. أنت غير محلّف، ولكن لو تبين لاحقاً أنك أدليت بأقوال غير مطابقة للحقيقة من الممكن أن يتم تحليفك، وإن أدليت بشهادة زور سيتم فرض عقوبة عليك ماسَّة بالحرية لاتقل عن سنة”.

بهذه التلقينات القانونية المبنية على القوانين 52 وحتى 57، من قانون أصول المحاكمات الجزائية تبتدئ القاضي جلساتها دائماً مع الشهود لتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم كشهود، وهو أيضاً مابدأت به جلسة السيد سيف بعد أن رحبت به، وقبل أن تطلب منه إعطاء نبذة عن نفسه للمحكمة. حيث بدأ السيد رياض بالحديث عن نفسه|، والإجابة أولاً بالنفي عن سؤال القاضي إن كان يمت بصلة قرابة أو مصاهرة للمتهمين (وهو السؤال الذي يُسأل لكل الشهود والمدعين أيضاً على حدٍ سواء، لأنه في حال القرابة يحق للشاهد الامتناع عن الشهادة)، وأكمل بأنه لايعرف المتهم رسلان، ولم يره بالمطلق قبل أن يصل الأخير إلى برلين.

رياض سيف يروي تفاصيل تجربته السياسية

تحدث بعدها الشاهد عن تاريخه وتاريخ عائلته وقال أنه لم يكن شخصاً عادياً منذ نعومة أظفاره، ثم أوضح كيف استطاع البدء بعمر مبكرٍ جداً بالتوفير وإخوته، ليفتتح أول ورشة خياطة لم تكن تتضمن أكثر من ماكينة خياطة واحدة ومقص وطاولة، وكيف أن عمله تطور لاحقاً ليصبح صاحب أكبر مصنع ملابس في سوريا عام 1975، ورجل أعمال معروف على مستوى العالم بالاستيراد والتصدير.

سبَّب انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن الماضي خسائر فادحة للسيد سيف كما أخبر المحكمة، بيد أنه استطاع تعويضها لاحقاً.

عام 1994 دخل السيد سيف مجلس الشعب “بالصدفة” كما يقول، حيث أنه لم يقرأ جريدة قبل هذه المرحلة، ولم يتابع يوماً خبراً لأن تركيزه كان فقط على عمله.

وعن سبب دخوله لمجلس الشعب أخبر المحكمة أن عمله حينها كان بأفضل حالاته، بالإضافة لمعامل ولديه وصادرات لشركة أديداس بلغت 11 مليون دولار، وأنه أراد تعميم تجربته الشخصية على كامل سوريا، حيث تميز بالتعامل مع العاملين في معمله بطريقة تختلف عن كل ماهو موجود في سوريا، وأن ذلك كان سبب نجاح تجربته.

نتج عن ذلك ظهور (مدرسة سيف) وهي عشرات الشركات التي أرادت تطبيق التجربة. وعن مشاكله كرجل أعمال والتي بلغت ذروتها عام 1999 أخبر الشاهد القضاة أن عائلة مخلوف كانت العدو اللدود الأول له، كما كان هو لهم، وأنهم سعوا لتدميره اقتصادياً دائماً.

بعد ذلك حاولت القاضي قراءة جزءٍ من التحقيق الذي أجري مع السيد سيف، من قبل الشرطة الجنائية لتذكيره بأقواله هناك، بيد أن الشاهد أكد للمحكمة قوله بأن كل ما حدث محفورٌ بذاكرته، ومن المستحيل أن ينساه وأنه لن يكذب أبداً في ذلك، وأضاف أنه دائماً ما يقول لزوجته أن هناك غاندي ومانديلا وهو الرجل الثالث ثم يضحكان على ذلك.

أخبر الشاهد القضاة بعدها أن هدفه الآخر من الدخول للبرلمان كان السعي للإصلاح الاقتصادي ومعارضة الفساد، وكان هذا سبب خسائره الكبيرة عام 1998 بسبب مكائد النظام ضدّه ومنهجيته لتعطيل أعمال الشاهد، وكيف مُنع تماماً من الظهور على شاشات التلفاز حتى جاء الوقت الذي بدأ فيه الحديث عن تولّي بشار الأسد للسلطة، ومساحة الحرية الأكبر التي سيتيحها، وأنهم طلبوا منه حينها بشكل مفاجئ الظهور ببرنامج تلفزيوني للحديث عن مشكلة القطن في سوريا، لأنها كانت كارثة حقيقية حينها.

طلبت منه القاضي بعد ذلك التحدث عن الفترة التي انتهت بإلقاء القبض عليه حينها، فأجاب الشاهد بالحصار الذي تمت ممارسته عليه قبل انتخابات عام 1998 في مجلس الشعب، وكيف تم التلاعب بالأصوات حتى لايحصل على النسبة المطلوبة للنجاح، فتحول نتيجة تلك الضغوط لمعارض سياسي يطالب بعدم الاحتكار السياسي، وقام بتنظيم جلسات حوارية في منزله، ودعا السوريين لحضورها وكان يبشرهم بقدوم مرحلة جديدة؛ الأمر الذي ساهم بحصوله على نسبة أصوات أكبر في مجلس الشعب والنجاح.

ربيع دمشق..وتهمة “محاولة التغيير بالقوة”

تحدّث بعدها عن بدء اجتماعات ربيع دمشق قبل وفاة حافظ الأسد بشهر أو أقل، حيث كانوا 10 أو 12 شخص دعاهم مخرج سينمائي -لم يذكر الشاهد اسمه- مهتم بالمعارضة السياسية، للبدء باجتماعاتهم، ولحق بهم السيد سيف في الأسبوع الثاني من الاجتماعات. انتقل مكان الاجتماعات لمكتب السيد سيف في مجلس الشعب، وبدأوا يلتقون كل يوم أحد.

كانت فكرتهم الرئيسية البدء بمرحلة جديدة تعزز فكرة المجتمع المدني. طُرحت بعدها فكرة الحصول على ترخيص لمنظمة غير حكومية بإسم (أصدقاء المجتمع المدني)، وبصفته عضو في مجلس الشعب حاول الحصول على الترخيص ولكن النظام رفض رفضاً قاطعاً.

عادت القاضي لتسأل الشاهد عن اعتقاله عام 2001، فأجاب أنه كان فعلاً في هذا العام وكان نتيجةً لمشاركته في ربيع دمشق، حيث كان الصناعي الوحيد بين مجموعة من المثقفين على مستوى عالٍ. وبعد رفض الترخيص قدّم السيد سيف اقتراحاً لفتح منتدى حوار وطني في منزله، وهو الأمر الذي تابعته المخابرات السورية بشكل كبير. هذا المنتدى كما يقول الشاهد أسس لظهور منتديات أخرى في سوريا، الأمر الذي أدى لفزع بشار الأسد، وأمر بإيقاف كل المنتديات بطريقة غير مباشرة، حيث صدر قرار بضرورة إعطاء المخابرات كافة المعلومات قبل ثلاثة أسابيع من كل محاضرة عن المنظمين والمحاضرين والحاضرين، وهو أمر أشبه بالمستحيل، فقرروا حينها إيقاف المحاضرات.

يقول الشاهد أنه بعد ذلك (وبعد تكرار سؤال القاضي عن اعتقاله مرة أخرى) قرر فتح المنتدى دون موافقة المخابرات وبدأها بمحاضرة للبروفيسور برهان غليون، اجتمع لحضورها قرابة 400 لـ 500 شخص. في اليوم التالي حضر رئيس الشرطة لمنزل الشاهد، وأخبره أن وزير الداخلية يدعوه لشرب فنجان قهوة معه. عندما وصل السيد سيف لمكتب وزير الداخلية لم يكن موجوداً، بل كان فقط مدير مكتبه الذي أمر بتوقيفه وإرساله للسجن.

حُكم على الشاهد وجميع أعضاء إدارة المنتدى وهم 11 شخصاً بخمس سنواتٍ من السجن، بتُهم إثارة النعرات الطائفية، ومحاولة التغيير بالقوة، وإضعاف الشعور القومي والوطني. أحد الأعضاء كان علوياً ولذلك حُكم عشر سنوات على ذات التُهم.

سألته القاضي بعد ذلك عن تجربته مع فرع الخطيب، فأخبر المحكمة أنه وبعد اعتقاله الأول الذي كان بين العامين 2001 و 2006 وبعد خروجه من السجن جاء عناصر من فرع الخطيب إلى منزله وأخذوه إلى الفرع تمام الساعة الخامسة صباحاً، وهناك قاموا بالتحقيق معه، وطلبوا منه ثلاثة أشياء: ألا يتعامل مع دبلوماسيين، ولا مع الإعلام، ولا مع الأكراد (حيث عُرف عنه حينها أنه صديقٌ للأكراد كما يقول).

أعادوه إلى منزله الساعة 11 ليلاً وبدأوا بعد ذلك بملاحقته ومراقبته في كل مكان. كما طُلِب منه التردد دائماً على فرع الخطيب للمراجعة، وكانت إحدى التُهم التي وجهوها له حينها استلامه لبريد الكتروني من عبد الحليم خدام، وأيضاً كتابته لمقال بجريدة النهار. وأخبر القضاة أنه وحتى أثناء مراجعته لهم كان يتم إيداعه في السجن لعدة ساعات.

فرع الخطيب…الفرع المسؤول عن الصناعيين والتجار

بدأت بعدها أسئلة القاضي الثاني عن الوظيفة العامة للمخابرات في سوريا ووظيفة فرع الخطيب، فأجاب الشاهد عن فرع الخطيب بأنه فرع داخلي، من أهم نشاطاته السيطرة على الصناعيين والتُّجار وخاصة في دمشق.

أسسه محمد ناصيف وهو واحد من أصل خمسة أشخاص، هم الأكثر قُرباً لحافظ الأسد ولديه صلاحيات مفتوحة. وأن هذا الفرع مسؤول عن التعيينات في وزارة الاقتصاد في سوريا.

سأله بعدها القاضي عن وجود تعذيب في فرع الخطيب بفترة اعتقاله قبل الثورة، فأجاب بأنه رأى الكثير من أدوات التعذيب، ولكنه لم ير تعذيباً حينها بل كان التهديد حينها بإيداعه في السجن، الأمر الذي فعلوه عدة مرات.

توجه بعدها القاضي للسؤال عن بداية الثورة السورية والمظاهرات، فأخبر السيد سيف القضاة عن المظاهرة الأولى أمام وزارة الداخلية بدمشق بتاريخ 15. آذار 2011 ومشاركته وابنته فيها، وكيف حاول المخابرات حينها فضّ الاعتصام بهدوء، ولكنهم سرعان مابدؤوا بممارسة العنف ضد المعتصمين بعد أن تواصلوا مع رئيس فرع الخطيب، والذي كان حينها توفيق يونس.

اتصل يونس بالشاهد بعد أسبوعين من مشاركته في هذه المظاهرة وأمره بالذهاب إليه، وتذكّر الشاهد كلماته لتوفيق يونس حينها، حيث قال له أن هذا النظام انتهى، وأن ما قبل بوعزيزي (من أشعل الثورة التونسية أولاً عندما أضرم النار في نفسه احتجاجاً) ليس كما بعده، وأن الربيع العربي سيحرك نفسه بنفسه.

وعن العنف في هذه المظاهرات أجاب الشاهد بما رآه من ضربٍ للنساء واعتقالهنَّ، وأيضاً الاعتقالات العشوائية التي طالت في هذه المظاهرة ما يقربُ الـ 40 شخصاً. ثم أخبر السيد سيف عن مشاركته الدائمة بمظاهرات أيام الجُمَع وحرصه عليها، وذكر حادثة جرت بتاريخ الخامس من شهر تموز عام 2011، حين هجم عليه عدة أشخاص بالهراوات واعتقلوه بعد ذلك، وتم إيداعه سجن عدرا لمدة عشرة أيام، حيث أُتيحت له فرصة لقاء معتقلين آخرين ومعرفة ما يحدث في درعا من خلالهم، لأن معظمهم كانوا من هذه المحافظة، وبدا عليهم آثار التعذيب الشديد، بيد أن ذلك لم يثنِهم عن متابعة الثورة.

سأله القاضي بعدها عن تحديد المسؤولين عن ضرب وتعذيب هؤلاء المعتقلين، فتحدث الشاهد عن فئة الشبيحة التي ظهرت بعد الثورة وكيف تم توظيفهم للعمل ضد الثورة، وأنهم أشخاص يعملون بنَفَسٍ طائفي، ويحملون السواطير والسيوف، ويرددون شعارات من مثل “بشار لاتهتم عندك ناس بتشرب دم”.

سأله القاضي: من المسؤول عن إعطاء الأوامر بالتعذيب حينها؟ فأجاب الشاهد بأنه لا يعلم. وبعد تكرار السؤال مرة أخرى بعد استراحة الغداء لمدة ساعة، واستئناف الجلسة الساعة الواحدة ظهراً، أجاب الشاهد بأن نظام الأسد ومنذ عام 1963 بُني على الاستبداد والعنف ومركزية القرار، مايعني أن الأسد مسؤول بشكل مباشر عن هذه الأوامر، ولا أحد يستطيع التصرف بدون قرار أعلى. ثم سأله القاضي إن كان يعلم شيئاً عن خلية الأزمة (والتي تم ذكر اسمها باللغتين الألمانية والإنجليزية ولم تترجم للعربية)، فأجاب بأنه لايعلم ولايهتم بهذه التفاصيل، وأنه معتقل قبل الثورة وعانى الكثير في اعتقاله الثاني، والذي انتهى بوقوفه أمام لجنة مؤلفة من كبار الضباط بالمخابرات، الذين هددوه بعدم تكرار مافعل وإن تكرر، فستكون التهمة القادمة أنه عميل للموساد الإسرائيلي، وذكر أيضاً أنه كان معصوب العينين ولكنه ميَّز من بين أصوات ضباط اللجنة صوتي العميد توفيق يونس واللواء علي مملوك.

بعد ذلك سأله القاضي عن اليوم الذي غادر سوريا فيه، فأجاب الشاهد بأنه غادر سوريا بتاريخ 13.06.2012 حيث استُهدفت غرفة نومه قبل ذلك بيومين برصاص حي، فأرسلت له الولايات المتحدة أنه يجب أن يغادر سوريا فوراً، فغادر باتجاه القاهرة ومن ثم باتجاه ألمانيا.

عند هذه النقطة تأثر السيد سيف كثيراً ولم يستطع إكمال شهادته، فأعطت القاضي استراحة قصيرة قبل استكمال استجواب الشاهد.