خمسة وخمسون عاماً على أول تحوّل نوعي بالحركة الكردية السورية | The Levant

خمسة وخمسون عاماً على أول تحوّل نوعي بالحركة الكردية السورية

صلاح بدرالدين

كنا 27 فرداً من أعضاء (البارتي الديمقراطي الكردي في سوريا) “١” بيننا الشباب والكهول والمتدينون والعلمانييون من المسلمين والأزيديين، ومعظمنا كنا في موقع المسؤولية القاعدية في اللجان المنطقية والفرعية والمحلية والطلابية، من مناطق الجزيرة وعفرين. تحوّل نوعي

كما كان بيننا جامعيون ومعلمون وكسبة وفلاحون، التقينا في الخامس من آب عام ١٩٦٥، في كونفراس حزبي إنقاذي بأحد البيوت في قرية جمعاية، التي تبعد 5 كيلو متر عن مدينة القامشلي، وهو الخامس في تاريخ الحزب، حيث عقد الرابع قبله بعام، بنفس المكان الذي كان قد شهد مسلسل الخلاف السياسي_الفكري بين أعضاء القيادة، ولكن من دون توضيح أسبابه علناً، وكانت بداية ظهور الخلاف خلال الموجة الأولى من اعتقالات عام ١٩٦٠، في سجن المزة، وأمام المحاكم، وتمخّض عنه تجميد متزعم الجناح اليميني متبني مقولة “الكرد أقلية”، وصاحب مشروع تحويل الحزب الى جمعية، ثم موالاة السلطات الحاكمة وعزل الحركة الكردية عن النضال الوطني الديموقراطي المعارض. تحوّل نوعي

في الكونفرانس الرابع عام ١٩٦٤، وبالرغم من قرار تجميد متزعم اليمين -عليه الرحمة- إلا أنّه لم توضح تماماً قضايا الخلاف لا في تعميم أو بيان أو مراجعة، ولم تبت فيها ولم تحسم، بل تم ترحيلها وتراكمت، حيث شعرنا بثقلها وضرورة الولوج بتفاصيلها تقييماً وتحليلاً، وواجب التصدّي لها في كونفرانسنا الخامس، خصوصاً بعد اعتقال غالبية أعضاء القيادة بمختلف المناطق وانكفاء البعض واستقالة الآخرين، مما شعر التيار اليميني الذي بقي رموزه بمعزل عن الاعتقال بأنّ الفرصة سانحة أمامه لتنفيذ مشروعه التصفوي.

لم يعرف أحدنا بشكل شخصي الراحل أبو أوصمان صبري، الذي كنا نسمع تسريبات أنّه القيادي الأصلب والأشجع، ولم نجد قبل الكونفرانس وثيقة نظرية حول الخلافات، ولم يظهر أيّ كلام مكتوب عن الصراع بين اليسار واليمين في الحزب منه ومن غيره من القياديين، وفي الكونفرانس لم يكن الوقت كافياً ولم يتّسع الوقت للنقاشات النظرية للأسباب الأمنية، ولكن كان الجميع متفقين حول التغيير والتطوير وسوء إدارة اليمين وصلاته مع أجهزة السلطة والخوف على ضياع الحزب. تحوّل نوعي

اجتهدنا بشكل خاص نحن الثلاثة المنتخبون لإدارة (القيادة المرحلية) –المرحوم محمد نيو وهلال خلف وأنا– (وكنا خمسة ولكن الرفيقين الآخرين، ولأسباب محض خاصة، اعتذرا عن تحمل المسؤوليات اليومية الميدانية وبقيا معنا حتى النهاية) على أن تستمر تلك القيادة لحين انعقاد المؤتمر العام، وتواصل جهودها في تعميق النقاش وتقييم الحالة الفكرية، بالاعتماد على النفس، والاستفادة من تجارب حركات الشعوب، ومن التطورات العميقة الاجتماعية التي كانت تجري في سوريا، وأتذكر أنّني أعددت بحثاً مطولاً حول معنى (اليسار)، ونال موافقة الرفاق ونشر على نطاق واسع، وكان ذلك أول نشاط ثقافي علمي في تاريخ الحزب منذ نشأته، ثم تتالت إصدارات الجريدة المركزية والمجلات الثقافية بالكردية والعربية، مركزياً، وعلى مستوى المناطق، وكذلك كتب (رابطة كاوا للثقافة الكردية).

ويجب أن أذكر هنا، أنّه قبل عقد الكونفرانس بنحو عام، تم الاتصال بمبادرة شخصية من جانبي (وكنت أؤدي واجب الفتوة المدرسية بمعسكر الراموسة بحلب) بالرفاق القياديين المعتقلين بسجن القلعة بحلب، عبر زيارتين للسجن، حيث تمكّنت من مخاطبة كل من الراحلين أوصمان صبري ورشيد حمو، إضافة إلى عبد الله ملا علي وكمال عبدي، وشرح وضع الحزب المزري، وفهمت من كلام أبي أوصمان، الذي خاطبني باسم زملائه المسجونين، بأنّهم يعلمون أزمة الحزب، وأنّ على قاعدة الحزب القيام بواجباتها في الإنقاذ، ونحن معها من دون تفاصيل، لأنّ المقابلة (المراقبة) لم تكن تسمح بأكثر من ذلك. تحوّل نوعي

في حقيقة الأمر، لم يكن إنجازنا في كونفرانس الخامس من آب عمل انشقاقي، لسبب بسيط وهو أنه لم يكن هناك أصلاً حزب منظم في مختلف المناطق الكردية، فقط هياكل بالاسم من دون مضمون بالجزيرة، مع تكتلات تغرّد خارج السرب، وتفرّد اليمين بالسيطرة عليها، خصوصاً بالدرباسية وانعدام وجود تنظيم حزبي بعين العرب–كوباني، سوى حالات فردية معدودة، وتعرّض كل القيادات والكوادر في جيايي كرمينج – عفرين للاعتقال والملاحقة، وغياب أي تنظيم يذكر، ولم تكن هناك قيادة مركزية تقوم بالضبط والربط والإشراف حيث الغالبية في السجون لذلك كانت مهمتنا إنقاذيّة وصعبة للغاية، بإعادة بناء التنظيم والقيام بتحوّل فكري جذري بالوقت ذاته، يشمل البرنامج السياسي ويعيد الحركة إلى سكّتها الحقيقية، وينهي سيطرة الفكر اليميني، ويعيد الاعتبار لنضال شعبنا على الصعد القومية والوطنية والكردستانية (بالوقوف مع ثورة أيلول وقائدها البارزاني الخالد) ومع هذا وذاك إعادة تعريف الكرد من جديد، شعباً وقضية وحقوقاً.

أما من قام بالانشقاق والتشجيع عليه والانسلاخ من جسم الحزب الأم، الذي شهد التحول والتطور بشكل مشروع عبر الكونفرانس الخامس، فهو أولاُ وبالدرجة الأساس تيار اليمين في الجزيرة وبعض القيادات الحزبية القديمة (المحايدة)، التي ناصرت التيار اليميني ولم تنصاع لقرارات كونفرانس آب الإنقاذية التوحيدية والشرعية، في حين وقفت غالبية الرموز القيادية مثل: أوصمان صبري محمدي مصطو ورشيد سمو ومحمد فخري ومحمد ملا أحمد – توز – وعبد الله ملا علي، إما مع الحزب أو مؤيداً له أو صديقاً. تحوّل نوعي

كنّا ندرك منذ اللحظات الأولى من جلسات الكونفرانس أننا لسنا بصدد حل إشكالية تنظيمية لافي القيادة ولا في هذه المنطقة أو تلك، بل أمام تحديات كبرى ومهام عظام تتعلق بجسم الحركة وفكرها ونهجها ومستقبلها، وذلك في مرحلة حبلى بالصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية، كردياً وسورياً وكردستانياً وإقليمياً، وأمام مشهد كردي سوري مليء بالتناقضات الطبقية والاختلافات السياسية، فحتّى على صعيد الحركة الكردية (التي لم تتبلور بعد) كان هناك نوع من التمايز والتباين في المنشأ والمنبع الثقافي بين المناطق، وعلى سبيل المثال كانت االخلفية القومية في الجزيرة تعود إلى نهج –خويبون– التحرري مع التأثر بحركات البارزانيين ثم البارتي في كردستان العراق، وكذلك الى حدّ ما في كوباني، التي كانت مازالت متأثرة بعائلة “البرازي” الوطنية، أما في منطقة عفرين فالوضع مختلف، حيث غالبية نشطاء النخبة من مؤسسين وقياديين كانت من منشأ شيوعي، وحصل انتقال باتجاهين مختلفين: في الجزيرة وكوباني، من الفكر القومي التقليدي نحو فكر اليسار القومي الديموقراطي التجديدي المنفتح، والمتجسد بتوجه كونفرانس آب، وفي عفرين من الفكر الشيوعي إلى المجال القومي الأوسع.

لاأبالغ إن ذكرت أنّ كونفرانس، الخامس من آب، دشّن مدرسة نضالية غنية بالفكر والثقافة والمعرفة، وأنجب قيادات وكوادر ونشطاء ومناضلين كان وما زال لهم دور رائد ومؤثر في الحركة الوطنية الكردية السورية، وفي الابداع الثقافي، كما أغنت هذه المدرسة مفاهيم ومنطلقات الفكر القومي الديموقراطي في الحركة على شكل برامج ومشاريع ومبادرات متقدمة، وانتهجت دروباً مبتكرة ومفيدة، في مجالات العلاقات الكردية السورية والعربية والأممية والكردستانية، والأهم في مضامين وجوهر هذه المدرسة هو التكيّف مع الوقائع المستجدة، وربط النضال القومي بالوطني بصورة متوازنة، وإمكانية الاستمرارية في التجديد والعطاء وابتكار البرامج والمشاريع الإستراتيجية، بمختلف المراحل التي تمر بها القضية الكردية السورية والحركة السياسية.

بسبب الزخم الهائل للنضال العملي الذي تلا كونفرانس آب في مواجهة نظام الاستبداد، والدور المتصاعد لقيادته المنتخبة مجدداً، في المؤتمر الأول، والكونفرانسات اللاحقة، وبينها استجابة المناضل أوصمان صبري، وعودته كسكرتير للحزب والذي استمر بموقعه نحو عامين، والنهوض الجماهيري الكردي السوري والتفافه حول الحزب حاول رأس النظام حافظ الأسد معالجة الأمر على طريقته القمعية الاستبدادية، كما بينت التطورات اللاحقة (ومنها شهادة نائبه المنشق عبد الحليم خدام) بأن أرسل “محمد منصورة” على رأس المخابرات العسكرية بهدف اختراق الحركة الكردية، وشقّ حزب الخامس من آب (الاتحاد الشعبي)، وتم له ذلك باستناده على قوى وإمكانيات النظام، ورهانه على عدد من ضعاف النفوس، وتحديداً على ثلاثة من أعضاء القيادة في الجزيرة، حيث شكّلوا خلية لشق الحزب، في بداية التسعينات، أي بعد ثلاثة عقود من الانطلاقة التجديدية طبعاً، نجح هؤلاء بإشراف مباشر من “منصورة” بشقّ الحزب بالجزيرة فقط، وأخفقوا في وقف نهجه ومدرسته.

لا أعتقد أنّ الذين قادوا الانشقاق في الجزيرة ضدّ أنبل ظاهرة نضالية في تاريخ الحركة الكردية السورية، بإمكانهم أن يفتخروا بجريمتهم النكراء أو إراحة ضمائرهم، طالما كانوا على قيد الحياة، أو إمكانية أن يقدّموا شيئاً مفيداً لشعبهم، والتجربة أثبتت أنّه فرسان الانشقاق أولئك، فقدوا الصدقية والاحترام ومازالوا دمى تحركهم قوى الظلام، في الداخل والخارج، بين الحين والآخر، وما زالوا من فرسان الردة والشقاق، حتى لو اختبؤوا وراء الشعارات والعناوين القومية واستظلّوا بأطنان من سجادات الصلاة.

لم أهدف من سردي الموجز هذا إلا من أجل العودة إلى تسليط الضوء على جزء أهم من تاريخ حركتنا (فمن لا تاريخ له لا حاضر ولا مستقبل له)، وبمعزل عن ممارسة التعصب الحزبي والآيديولوجي، وماذكرته كلمة حق وبإيجاز شديد (التفاصيل في مذكراتي بأجزائها الأربعة) صادر ليس عن شاهد عيان فحسب، بل عن مساهم رئيسٍ، فكرياً وعملياً ونضالياً، مع رفاق آخرين وفي أصعب الظروف، بمواجهة كل التحديات والإصرار على إنقاذ الحركة وإغنائها وتصحيح مسارها ورسم آفاقها الإستراتيجية، وسأبقى أعتزّ وأفتخر بكل ماقمت به مع مناضلين شجعان أشداء آخرين، ظهروا تباعاً، من هم من رحل عنا، مثل سامي ناصرو ومحمد نيو وخضر شانباز ومشعل التمو ومحمد حسن مصطي، وغيرهم لايتسع المجال لذكرهم، ومنهم ما زال بيننا، نعم مدرسة آب بفكرها ومناضليها مفخرة لكل وطني كردي سوري، ولاشك أنّ بعض أعضائها السابقين ممن يتنصل أو يتناسى أو يحاول إنكار حقائقها لدوافع مصلحية ضيقة، لايختلف عمن تورطوا في الإساءة والشق بداية التسعينات، علماً وشهادة للتاريخ أنّ أي فرد من المشاركين بالكونفرانس الخامس لم يتواطأ مع السلطة بضرب الحزب وشقّه.

لم نكن كأعضاء الكونفرانس والقيادة المرحلية المنبثقة عنها شيوعيين، بل كنا منحازين عن معرفة أو بالفطرة نحو الفكر الاشتراكي، الذي وجدنا فيه خلاصاً للشعوب، وحلاً لقضايا الاقتصاد والتنمية، وغالبيتا من الجزيرة (لأسباب موضوعية تتعلق بتنظيمات الحزب حينذاك)، بل تطورت أفكارنا من ثقافة القومية المظلومة الداعية الى المساواة والديموقراطية والاعتراف المبدئي بحق تقرير مصير شعبنا.

وكان في صف المؤسسين الأوائل، أعضاء منتمون إلى الحزب الشيوعي، وخاصة في عفرين، وانتقلوا من الفكر الشيوعي إلى الفكر القومي الديموقراطي، كما ذكرت أعلاه، لم نكن جزءاً من الحملة ضد كل الملاكين والميسورين الكرد، واصطدمنا مع الشيوعيين الكرد ببعض المناطق، خاصة عندما نفذوا جزءاً من مخطط الحزام العربي باسم “الكولخوذات”، وانتقل أعضاؤه إلى (قلعة الهادي)، وكان هناك اصطفاف واسع صديق لحزبنا من الملاكين الصغار ووجهاء العشائر، وكانوا من الداعمين أيضاً، إلى جانب وجود أعداد لابأس بها من نفس الفئات، إما تنفي انتماءها القومي أو لامبالية أو معادية للحركة الكردية، بدفع مباشر من أجهزة السلطة من “المكتب الثاني”، وحتى المخابرات العسكرية، وما زلت أتذكّر عشرات الأسماء من هذه الفئات، كما تواجدت من الفئات ذاتها مجموعات وطنية لم تكن مع الحركة في سوريا، وفتحت خطوطاً مع مسؤولين على الجانب الآخر من الحدود في كردستان العراق بعد ثورة أيلول بزعامة البارزاني.

اتخذنا أيضاً الموقف السليم إلى جانب الزعيم مصطفى بارزاني، بحسب مشاعرنا ومعلوماتنا وسياستنا وتقييمنا لتاريخ الحركة الكردستانية وتطورات الوضع بالعراق، حيث لم يطلب منا أحد خاصة أنّ هذا الموقف كان مناقضاً لموقف النظام البعثي الذي وقف مع مناوئي البارزاني في العراق وسوريا.

لم تكن المسألة الدينية، حتى بعد انحيازنا للفكر الاشتراكي، مجال بحث وطرح، بل كان الاحترام سيد الموقف لكل المعتقدات، وكانت علاقاتنا حسنة مع رجال الدين والشيوخ الوطنيين، مثل مشيخة آل حقي وجناح من مشيخة آل الخزنوي.

وعلى خطى كونفرانس الخامس من آب، ونهج مدرسته النضالية التوحيدية، فإن المرحلة الراهنة تقضي بضرورة العمل على إعادة بناء حركتنا الوطنية، بعد أن أودت بها الجماعات الحزبية الى أعمق أزمة بتاريخها المعاصر، وذلك بتضافر الجهود الخيرة نحو توفير شروط عقد مؤتمر إنقاذي وطني كردي سوري، الذي يدعو إليه الآن حراك “بزاف” منذ أعوام، وهو السبيل الوحيد أمام شعبنا.

” ١ ” أسماء الرفاق الذين شاركوا بالكونفرانس الخامس، في الخامس من آب ١٩٦٥:

١ – صلاح بدرالدين ٢ – محمد نيو ٣ – هلال خلف ٤ – محمد بوطي ٥ – عزيز أومري ٦ – عبد الحليم قجو ٧ – يوسف إسماعيل ٨ – محمد حسن ٩ – نوري حاجي ١٠ – أحمد بدري ١١ – فخري هيبت ١٢ – شمو ملكي ١٣ – محمد قادو ١٤ – محمد أمين ديواني ١٥ – غربي عباس ١٦ – محمد خليل ١٧ – ملا شريف ١٨ – عبد الرزاق ملا أحمد ١٩ – ملا داود ٢٠ – نوري حجي حميد ٢١ – محمد علي حسو ٢٢ – عيسى حصاف ٢٣ – ملا هادي ٢٤ – أحمد قوب ٢٥– إبراهيم عثمان ٢٦ – سيد ملا رمضان ٢٧ – رشيد سمو .

ليفانت – صلاح بدرالدين  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

خمسة وخمسون عاماً على أول تحوّل نوعي بالحركة الكردية السورية

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب