حزب الله في لبنان.. الحضور على حافة الانهيار | The Levant

حزب الله في لبنان.. الحضور على حافة الانهيار

رامي شفيق
رامي شفيق

يعكس الانفجار المروّع الذي ضرب مرفأ بيروت، مساء الثلاثاء الماضي، وقضى فيه المئات، إضافة إلى إصابة نحو خمسة آلاف آخرين، خريف الغضب الذي ضرب المنطقة العربية، خلال السنوات الأخيرة، ومنح فراغ القوى العربية للأطماع التركية والإيرانية، لاستغلال الجغرافيا الساخنة في الإقليم، بواسطة قوى الإسلام السياسيي، في نسختها السنيّة أو الشيعية. حزب الله في لبنان

تبدو أحداث لبنان الدامية والمحتدمة، منذ اندلاع الحرب الأهلية، منتصف سبعينات القرن الماضي، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت، مروراً بحرب تموز (يوليو) العام 2006، مقاربة واقعية لحال الشرق الأوسط، وأزماته التي يعاني منها منذ لحظة الحرب على العراق، وما اتصل بها من ثورات العام 2011، في عدد من دول الشرق الأوسط.

إنّ لبنان منذ لحظة استقالة رئيس الحكومة، سعد الحريري، تحت وطأة أزمة وانسداد سياسي، يمتد بعدها الإقليمي والدولي في العمق الداخلي، حيث يقع لبنان تحت طائلة حزب الله الذي يرتبط عقائدياً بالنظام الإيراني، وميدانياً بالحرس الثوري، وعلى خلفية ذلك وتأثيراته، يتحرّك زعيم الحزب، حسن نصر الله، بأهداف طهران السياسية والإقليمية والأيدولوجية في الداخل اللبناني، ومحيطه الإقليمي، خاصة بعد سقوط سوريا في صراعها الداخلي، وحربها الأهلية الممتدة منذ تسع سنوات، وقد اصطفّت ميلشيات حزب الله لصالح أهداف الولي الفقيه، بينما ألقت بتداعياتها المباشرة على واقع النظام السياسي في لبنان، الذي شهد تعطيلاً للانتخابات البرلمانية، وكذا اختيار رئيس جمهورية حتى يمرّر حزب الله أجندته السياسية والإقليمية، ووضع حكومة لا تقف عائقاً أمام دوره العلني والخفي في سوريا.

ما بين استقالة سعد الحريري، وتفجيرات مرفأ بيروت، مروراً باحتجاجات تشرين (أكتوبر) الماضي، ثم تنصيب حسان دياب رئيساً للحكومة، لم يبرح الغضب الشارع اللبناني، بمكوناته المختلفة، والتي احتشدت ضد الطبقة السياسية، كما لم تنل حكومة دياب ثقة المواطن، خاصة بعد التداعيات الاقتصادية غير المسبوقة، وتأثيراتها الصعبة على المواطن الذي وقع تحت مطحنة الغلاء، وارتفاع معدلات التضخم، ناهيك عن قضايا الفساد التي بدت جلية في عين المواطن، وهو يواجه شح السيولة النقدية وآثار التضخم، بينما آخرون ينجحون في تحويل مبالغ ضخمة من البنوك إلى خارج البلاد.

إنّ واقع البؤس الطائفي والمحاصصة في لبنان بدا كابوساً، حينما خرج حسن نصر الله ليتحدّث إلى الشعب اللبناني، في محاولة للتبرّؤ من تفجيرات المرفأ، والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المترتبة عليها؛ الأمر الذي دفع العديد من المواطنين إلى الخروج في مظاهرات احتجاجيّة، واقتحام عدد من الوزارات، في تصريح شعبي بإخفاق النخبة السياسية والطبقة الحاكمة. فالمواطن يدرك أنّ رئيس الدولة والحكومة ومجلس نوابه قد خذله في حق الحياة وأمنه، لا سيما وأنّ ملامح نصر الله التي ضحكت بسخرية أثناء الخطاب، وضعته في تناقض مع بكائه على مقتل قاسم سليماني، حيث فضح ذلك حقيقة ولائه.

تصريحات رئيس الحكومة اللبنانية الذي وجهها عقب التفجيرات، وأكد فيها على ضرورة محاسبة المسؤولين عن كارثة المرفأ، وأنّ ما حدث جاء نتيجة مباشرة للفساد، ومن ثم، ضرورة تحمل الجميع لمسؤولياته الوطنية، لم تستطع أن تواجه الغضب الهادر في نفوس اللبنانيين الذين يدركون فداحة وعمق أزماته الحقيقية، وأثر القوى الإقليمية والخارجية على طوائفه السياسية المحلية، وأنّ الأخيرة لا تدرك سوى مصالحها، كما لا تتعقب سوى أهداف الأطراف الرئيسة.

وعلى وقع ذلك، نستطيع فهم الجانب الأخطر في تصريحات دياب، وذلك حين وصف الأزمة في لبنان بأنّها “أزمة بنيوية”، وأنّه لا يمكن تجاوز عقباتها سوى بإعادة إنتاج طبقة سياسية جديدة، وأنّه لا يتحمل ما وصلت إليه البلاد من أزمات. تلك التصريحات الواضحة والمباشرة من رئيس الحكومة، في مقابل الظهور المتلفز لحسن نصر الله، يلخّص كثيراً من أبعاد الأزمة السياسية التي تطل بوجه اقتصادي يهدّد حياة المواطن واستقراره المعيشي، ويقدّم تبريراً منطقياً لصورة الأزمة اللبنانية، وهي تراوح مكانها منذ سنوات دون أي تغيير، سواء في المعطيات وعناصر الأزمة أو في النتائج التي يترتب عليها، داخلياً واقليمياً ودولياً.

زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى بيروت، بلورت إلى حدّ كبير أزمة الشرق الأوسط التي تتعاظم أحداثه، خلال الفترة الأخيرة، جرّاء الانخراط التركي والإيراني في عدد من العواصم العربية، وسط صراع على ثروات الطاقة في شرق المتوسط، خاصة وأنّ لبنان تعاقد في العام 2018، مع ثلاث شركات دولية للتنقيب في مياهها الإقليمية، كان من بينهم شركة توتال الفرنسية، بالإضافة إلى شركة إيني الإيطالية، وشركة نوفاتيك الروسية.

الواقع السياسي في لبنان، الذي يبدو معه حزب الله يطبق بكلتا يديه على رقبة البلاد والعباد، من ناحية، ويمثل أحد أوجه الصراع التقليدي مع تل أبيب، منذ أحداث حرب تموز، من ناحية أخرى، يضع لبنان في حال مأزوم داخل التنافس على ثروات شرق المتوسط، وذلك فيما بين الدخول في مسار تل أبيب والاستفادة من البنى التحتية التي شيدتها إسرائيل أو الانخراط في المحور الذي ترغب تركيا في إقامته، بالتحالف مع موسكو، فضلاً عن مسألة وضع إسرائيل يدها على بعض الحقوق اللبنانية في مياهها الإقليمية.

وفي كلا الأمرين، سيواجه لبنان تلك السيناريوهات وسط فراغ القوى العربية، وهشاشة النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية، وتنازع الأطراف الإقليمية والدولية على استقطاب الداخل اللبناني، بحسب أهدافها وأطماعها الاقتصادية والسياسية.

لبنان الذي يغرق في أزماته الداخلية، يعاني من توتر نقاطه الحدودية مع إسرائيل، ما يجعل الأخيرة تمارس ضغوطاً متعاظمة على بيروت عبر واشنطن، بهدف دعم تل أبيب وخططها في الشرق الأوسط من ناحية، وممارسة كافة آليات الضغط على إيران من خلال وكيلها في لبنان، حزب الله، من ناحية أخرى، بعدف ترويضه وتطويعه للخطط المستحدثة في الإقليم، فضلاً عن عقاب دول الخليج التي تهمل عمداً الأزمة اللبنانية، نتيجة الانخراط المباشر لحزب الله في الحكومة اللبنانية واضطلاعه بمهام محددة ومسؤوليات تنفيذية في الحكومة اللبنانية.

ليفانت – رامي شفيق  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

حزب الله في لبنان.. الحضور على حافة الانهيار

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب