بيروت: انفجار وعد كليمنصو أم إستراتيجية بن غوريون | The Levant

بيروت: انفجار وعد كليمنصو أم إستراتيجية بن غوريون

د . كمال اللبواني 
د . كمال اللبواني 

لم يكن مشروع قيام دولة إسرائيل مشروعاً بريطانياً بل فرنسياً منذ هزيمة نابليون عند أسوار عكا، حيث قال مقولته الشهيرة: “لقد حان الوقت لتحقيق حلم الشعب اليهودي في العودة لأرض الميعاد”. وعد كليمنصو

دأبت فرنسا، منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، على دراسة التركيبة السكانية لشرق المتوسط، تحضيراً لتفكيك الإمبراطورية العثمانية، وإعادة هيمنة الغرب، الوريث التاريخي للإمبراطورية الرومانية وحفيد الحملات الصليبية، فالقومية الفرنسية لم تنسَ هزيمة ملكها على يد صلاح الدين، وقد تذكره غورو عندما دخل دمشق، ووقف فوق قبر صلاح الدين…

أعطت بريطانيا للمؤتمر الصهيوني وعد بلفور الشهير، وصممت فرنسا على إقامة دولة لبنان المسيحي، ودولة الساحل النصيرية، وهو ما قامت به بمجرد هزيمة جيوش الامبراطورية العثمانية (الرجل المريض)، إبان الحرب العالمية الأولى.. لقد تشكل لبنان من متصرفيّة جبل لبنان، بأوسع مساحة ممكنة تحافظ على الأغلبية المسيحية يومها، وسمي لبنان الكبير، وضم إلى المتصرفيّة بيروت وصيدا وطرابلس والبقاع، بمساحة أربع أضعاف مساحته، لكن الوضع الاقتصادي المتعثّر أدّى لنزوح مستمر من شعب لبنان، وعلى حساب المسيحيين أولاً، وهكذا تغيّر الواقع الديموغرافي تدريجياً، حتى فقد المسيحيون الأغلبية، وتزايد كثيراً عدد الشيعة، وبعد صدامات داخلية كثيرة أعيدت صياغة لبنان بشكل معدل قليلاً في اتفاق الطائف، لكن السيطرة الفعلية تحولت تدريجياً ليس للسنة، بل للشيعة، بسبب الجيش السوري الذي دخل لتحجيم الوجود الفلسطيني، وهو متحالف مع إيران الخميني نكاية بصدام. ومع فرض الانسحاب على الجيش السوري بعد تصفية رفيق الحريري، بالتعاون بين النظام السوري وحزب الله، أصبح حزب الله هو السيد المتصرّف في لبنان، ثم في سورية أيضاً بعد اندلاع الثورة فيها. وعد كليمنصو

وهكذا وبدلاً من أن تكون لبنان دولة مسيحية عربية، تابعة روحاً وجسداً لفرنسا، الأم الحنون، أصبح منصّة إيرانية شيعية، محكومة من إيران الملالي، وأصبح المسيحيون حلفاء لنظام الملالي، ممثلين بعون وفرنجية، وتفاقم الوضع مع سقوط سورية بيد الميليشيات الإيرانية، ولم يصحُ الغرب لهذا التحول الجذري إلا على صوت دوي انفجار مرفأ بيروت، الذي استدعى زيارة عاجلة للرئيس الفرنسي ماكرون، الوصي على تنفيذ وعد كليمنصو، بتشكيل وحماية دولة لبنان الكبير، ليقول لبنان ليس وحده.

استمرّت إسرائيل في إستراتيجيتها التي رسمها بن غوريون بعد قيامها، وهي إضعاف العرب السنة وتقوية أخصامهم، حتى مع قيام الثورة الإسلامية في طهران، وحتى بعد قيام الثورة السورية، وهذا ما كان أوباما ينفّذه أيضاً، فكرت على الأقل في أن تجعلها ساحة استنزاف، فتجاهلت تمدّد إيران ودخول حزب الله، ثم اعتمدت على وعود روسية لإخراج إيران، لكن بعد انتصار النظام، وهكذا ساهم الجميع في تسليم سورية للنفوذ الإيراني، وعندما أعلن بشار تحالفه الإستراتيجي مع إيران، متحدياً طلبات روسيا بإخراج الميليشيات الإيرانية، عندها صحت إسرائيل على خطر محدق يمثّله المشروع الإيراني، وخاصة بعد تحالفه مع الإخوان وتركيا وقطر، وحصوله على الدعم الروسي والصيني، فلم يعد العرب السنة هم الخطر الوجودي على إسرائيل، لأنهم صاروا هباء، بل المشروع الإيراني الإخواني الذي صار على حدودها وبعمق إستراتيجي واسع، وصار يهدّد بابتلاع الأردن أيضاً، وهكذا وجدت إسرائيل نفسها أمام ضرورة شنّ حرب لإخراج إيران، وهي تبحث جاهدة عن حلفاء، لكنها لم تجد سوى ترامب غير المتحمس لخوض الحروب الخارجية، وعليه قرّرت تجنّب حرب واسعة وشاملة، واعتمدت وسيلة الحرب النوعية والتنظيرية (نسبة للجراحة التنظيرية)، وهكذا دأبت على استهداف مواقع لإيران في سورية، ثم وسعت ذلك ليشمل ايران، وأخيراً لبنان.

انفجار ميناء بيروت الذي حدث بسبب استهداف مستودع للسلاح الإيراني، سبق وهدّدت إسرائيل في ضربه، يمثّل نقطة تحوّل في مسار الحرب، فلم يعد لبنان خاضعاً للهدنة، أي انتقلت إسرائيل للهجوم على مراكز إيران في لبنان، وهي بكل تأكيد تسعى لجرّ إيران لمواجهة، من شأنها أن تستدعي تدخلاً أمريكياً، لكن إيران ستتجاهل الهجمات وتنسبها لحوادث طارئة، بانتظار تغير الإدارة الأمريكية بمفاعيل كورونا الاقتصادية. وعد كليمنصو

هل تنجح إسرائيل في تحقيق أهدافها في الفترة القريبة المتبقية وتجرّ حلف الناتو للتدخل، أم صار عليها الانكفاء والتسليم بهيمنة إيران وتركيا على شرق المتوسط؟ أليس من سخرية القدر بالنسبة للعرب وإسرائيل أن يصبح عدو الأمس صديق اليوم، ولماذا لم تدرك إسرائيل ذلك قبل فوات الأوان، وتمادت كثيراً في تطبيق إستراتيجية بن غوريون، حتّى قوّضت قوة العرب السنة في المنطقة، أي حتى تفجّر وعد كليمنصو أيضاً؟ هل يتحالف خليفة كليمنصو وخليفة بن غوريون على إعادة ترتيب الشرق الأوسط، أعتقد أنّ الأرضية قد أصبحت جاهزة لذلك.. ننتظر الأسابيع القادمة لتضح الصورة، من خلال التحركات الديبلوماسية أو العسكرية.

ليفانت – الدكتور كمال اللبواني  

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

بيروت: انفجار وعد كليمنصو أم إستراتيجية بن غوريون

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب