المناطق المحرّرة في الشمال السوري وأمّ الصبي | The Levant

المناطق المحرّرة في الشمال السوري وأمّ الصبي

خالد المطلق
خالد المطلق

تزداد وتيرة التفجيرات والاغتيالات المنظمة في المناطق المحررة، منذ ما يقارب الأربعة أشهر، وعلى الرغم من تحديد ملامح الجهة الفاعلة ومصدر الخطر، لم نجد أي إجراء استطاع أن يحدّ من هذه الجرائم، بل على العكس ما زالت هذه الأعمال تحدث بوتيرة منتظمة، وبأماكن محددة الهدف، ومنها الأسواق الشعبية والأحياء المكتظّة بالسكان النازحين، من المناطق التي عُقدت اتفاقيات الأساتانا من أجل حمايتها. المناطق المحرّرة

فلم يقم أحد بحمايتها، وتم ترحيل أهلها باتفاقيات أخرى، وتم تجميع كل من رفض المصالحة مع الأسد وعصاباته، في هذه المناطق الضيقة المساحة، المزدحمة بالبشر، وبنظرة دقيقة لمجريات الأحداث، نجد أنّ ما جرى ويجري تم التخطيط له بعناية فائقة، في محاولة لتفتيت الثورة، وإعادة سلطة الأسد إلى كامل التراب السوري، ومن الواضح دور من تصدّر المشهد في الثورة، في ذلك المخطط الخطير، فمن وقع على اتفاقات الأساتانا ومن أعطى الأوامر بالانسحاب من مناطق خفض التصعيد، هو الشريك الرئيس في الجريمة، وهو نفسه من المفروض أن يكون مسؤولاً عن حماية ما تبقى من المناطق المحررة، خاصة أنّ قادتهم يجاهرون، وبكل صلافة، أنّهم “أُم الصبي”، ولا نعرف بالتاريخ بأنّ أُماً قتلت ابنها بيدها لتتفرغ لحياتها الخاصة، ضاربة بعرض الحائط كل الشرائع وكل القيم وكل الأخلاق الذي يمكن أن تتحلّى به الأمهات، ولا يمكن أن نصف هذه الأم، إلا أنّها خارج التاريخ وبعيدة عن الأخلاق والقيم الإنسانية وأبسط قواعد الأديان السماوية، ومنها الإسلام، الذي تستّرت هذه الأم به لتصل إلى هدفها التكتيكي، المتمثّل بالسيطرة على الثورة ومؤسساتها، ولتبدأ في إجراء البازارات السياسية، ليس من أجل خدمة ابنها، إنما لخدمة مصالحها الخاصة الضيقة، والتي تعتبر فتات أمام عظمة ما قدّمه ابنها البار لوطنه وشعبه.

ومن خلال هذا، وإسقاطه على واقع الأبناء والأمهات، وجدنا عبر التاريخ، وفي مختلف المجتمعات، ابناً عاقاً بوالديه أو بوالدته أو بوالده، لكن لم يحدّثنا التاريخ بأنّ أُماً استخدمت ابنها واستغلته أبشع أنواع الاستغلال لتحقيق مصالحها، على حساب معانات الابن والكوارث التي حلّت به، من خلال تكالب القاصي والداني عليه، مع أنّه صاحب حق، ومطلبه الحرية والكرامة فقط، ولعل تضحياته التي قدمها، في سبيل ذلك، يعجز عنها العالم أجمع، فلم تبقَ جريمة شنيعة إلا وارتُكبت بحقه، ولم يبقَ قاطع طريق في العالم، دول وجماعات وأفراد، إلا وشارك في هذه الجريمة، التي سيسجل التاريخ، بأحرف من دم، هذا الشعب الطيب، لتكون عبرة للأجيال القادمة، ومرحلة تاريخية حالكة السواد، ستتذكرها الأجيال القادمة، بمرارة الجرائم التي ارتكبت في البوسنة المسلمة وألمانيا النازية وأمريكا الهنود الحمر وروسيا البلشفية.

إنّ ما يحدث في الشمال السوري، خاصة في المناطق المحررة، هو سيناريو خُطط له في الغرف المظلمة، ونُفذ بمساعدة من تصدّر مشهد الثورة، خاصة التيارات الإسلامية الراديكالية المتمثلة بالإخوان المسلمين، وجبهة النصرة، فالأولى، تسيطر على مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام. والثانية، تسيطر، بدعم من الأولى، على إدلب وما حولها، وممارسات هذه التنظيمات الإرهابية ظاهرة للعيان، فالفلتان الأمني يرافقه سرقة الأموال العامة، كمحطة زيزون وسكك الحديد وغيرها، وبنفس الوقت التضييق على شعبنا، أمنياً واقتصادياً وفكرياً وسياسياً، بل ومنعهم من الدفاع عن أنفسهم وقراهم، من خلال منعهم من تشكيل أي فصيل عسكري أو تجمع يمكن أن يضمن أمن هذه القرى والبلدات المحررة من الأسد، والمغتصبة من دعاة الإسلام، والإسلام منهم براء. المناطق المحرّرة

خلاصة القول، إنّ ما يقوم به من اغتصب قيادة أطهر ثورة شعبية عبر التاريخ، لا يمكن أن يكون سورياً ولا عربياً، ويدل عليه تحالفاته الظاهرة للعيان، إيران وروسيا، اللتان طالما شردتا ملايين السوريين ونكلتا بهم، واغتصبتا حرائرهم، وقتلتا أضعاف ما قتل المجرم بشار الأسد وعصاباته، فمن يتحالف مع هؤلاء لتحقيق مصالحه الخاصة الضيقة، لا يستحق أن يحسب على السوريين، ولا يمكن أن يكون يوماً سورياً، ومشروع الأمة الذي ينادي به لا يتعدّى ذرّ الرماد في العيون، فمن يتسلّق على دماء شعبه ومعاناته لا يمكن أن يكون مشروعه الحقيقي بناء أمة، بل جلّ سعاره يصب في السلطة ليس أكثر، فمن يريد أن يكون قائداً للدولة والمجتمع، عليه أن يتمتع بحسّ المسؤولية تجاه شعبه وأهله، ويحقق لهم أمنهم الفردي وأمن منشآتهم، وعلى الأقل أمنهم الغذائي، الذي يشارك هو، للأسف، في خلخلته واختراقه، بكل وقاحة ودون خجل، وعلى من يريد أن يحكم شعباً، عليه أن لا يبيع هذا الشعب، ويتآمر عليه وعلى مستقبل أبنائه، بحجج واهية، يستخدم من خلالها الدين كمطية لتحقيق أهدافهم الرخيصة، وللأسف يتم ذلك كله بغطاء ومساعدة المؤسسات الدينية، التي تعتبر المرجعية الرئيسة للثورة، لقاء تحقيق المصالح الخاصة للقائمين على هذه المؤسسات المهترئة، فكراً وأدباً ووطنيةً وأخلاقاً. المناطق المحرّرة

ليفانت – خالد المطلق

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

المناطق المحرّرة في الشمال السوري وأمّ الصبي

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب