المصوّر وكاميراته في رواية بين حبال الماء للروائية روزا ياسين حسن | The Levant

المصوّر وكاميراته في رواية بين حبال الماء للروائية روزا ياسين حسن

بسام سفر 
بسام سفر 

الكاميرا لا تعرف التجارة، ولم يخطر في بالها أن تكون وسيلة لإنتاج يسوّق ويدرّ أرباحاً.. وتتحوّل بعد فترة قصيرة لصناعة تحتلّ مكانها في حركة “الرأسمال” وتكديس الأرباح. حبال الماء

ومع مرور الزمن أصبحت السينما أداة “أيديولوجية” في مشروع اقتصادي كبير، ودارة عجلات صناعة القصص التخديرية والنجوم والتسلية، واستعارة الرواية الحديثة العديد من الفنون السمعية_البصرية، وبخاصة الفن السينمائي، إذ ليس من عائق يحول بين الكاتب الروائي وإمكانيات الفنون الأخرى التقنية والتعبيرية، فتعدديّة الأصوات الملازمة لفن الرواية تتيح له أن يصوّر الواقع تصويراً فيلمياً، وكالوصف البانورامي والصور الفيلمية، وتبني الحوار المسرحي. وخير مثال على استخدام الكاميرا والمصور والفيلم، نجده في رواية روزا ياسين حسن “بين حبال الماء”، الصادرة عن دار سرد للنشر، ودار ممدوح عدوان في العام 2019، حيث يبدأ تموز بإعداد الكاميرا، التي هي عدّته وزوادته لكل ما يرغب: “اليوم حين أتذكّر السنوات الثلاث التي مرّت عليّ في بلدي، لا يمكنني إلا أن أراها كفيلم مؤلم مفجع على مدار الساعة، فيلم واحد يجمع كل ما يمكن أن أكون قد عشته في أفلام الحروب قبلاً، يضاف إليه الكثير مما لم أراه إلا هنا.. لم أكن أملك شيئاً، أتيت مع كل المال الذي استطعت أن أسحبه في حسابي، وفي حقيبة ظهر مهلهلة حملت كاميرتي الجديدة (sony) وأدوات تنظيفها، ميكروفون وستاند معدني (Hard disk)، ولابتوب صغير كي أحفظ ما أصوّره عليهما، علبة الفيلم الأرجوانية “مزرعة الحيوانات”، طوطمي الذي لا يمكنني الاستغناء عنه، بعض قطع الثياب وزجاجة ماء بلاستيكية أعبّئها كلما فرغت”. حبال الماء

المصور السينمائي:

تصف الروائيّة روزا حالته عندما يستعدّ للبدء بالتصوير ودعم الثورة “لبست الكفيات والفيلد العسكري، ربطت علم الثورة في يدي وعلى جبيني، قفزت في المظاهرات الكبيرة التي كانت تخرج ليلاً على أنغام الأغاني الثورية، شتمت النظام، هلّلت للثوار، ولم أناقش رؤيتي الرافضة لتغيير مسار الثورة باتجاه السلاح. صمت فقط وأنا أقبض على كاميراتي طيلة الوقت، وأحنّط كل لحظة اعتقدت بأنّها ستلهمني شيئاً”.

وترصد علاقته بالكاميرا ما بين غارتين، عبر حديثه لرجل مسلّح كان على رأس مجموعة من المسلحين، إذ يقول: “ورآني أنظّف كاميرتي، وأبكي، أبكي دون أن أستطيع وقف نشيجي العالي. للحظة وأنا أرفع رأسي لأنظر في وجهه، رأيت العقيد (والتركورتز، بطل فيلم القيامة الآن) مموجاً من بين دموعي، لكن قريباً جداً وبملامح وجه مهووس، وسمعت صوته ذاته، حولنا تناثرت جثث مشلحة مبقورة البطون، وأشلاء ورائحة الموت، ووحده الذباب لم يجد طريقة بعد ليحتل المكان”.  حبال الماء

ويصوّر تموز، القنّاص، الذي يختبئ وراء سواتر ترابية على سطح بناية عالية، وكاميرتي تجرب عبثاً طيلة الوقت أن تقنص صورة له أو فيديو سريع.. في المرة الأخيرة نجونا، هي وأنا، بأعجوبة من رصاصة كانت ستستقر في رأسينا”.

وتعتمد الروائيّة روزا ياسين حسن الوصف على أشكال مختلفة لإظهار التمايز، إذ يقول تموز إنّه مع “الزمن صرت أتخيّل قصة كل منها وأصور مشاهدها في رأسي. لماذا حاول ذلك الشاب اجتياز الحدود؟ كان لديه حبيبة في الطرف الآخر، بالتأكيد، وأراد أن يراها، فشوق المحبين غلّاب وأقوى من جيوش جرّارة، لذلك فقد كانت تموّجات طاقة حب حمراء تخرج من جسده الممدّد على الإسفلت وتصل إلى كاميرتي، أما ذاك العجوز فقد حاول الانتحار من أجل ربطتي خبز جلبهما من الجانب الذي يسيطر عليه النظام”.

وينقل تموز الحوار بين الهيلوكبتر والسيارة البيك آب “أسمعه وأنا أتنقل مع الرفاق في سيارة البيك آب بين شوارع حماه المحترقة، نراوغ الانفجارات واحتمالات الموت، أشخص بكاميرتي وأصور، أكاد أقتنع بأنّ من يقوم بما يقوم به في سماء حماة، ذاك الذي في يحوم بالهليوكابتر جيئة وذهاباً، هو مستمتع بالتأكيد ويعشق رائحة البارود ولحم البشر المحروق وغبار الحجارة والأسمنت”. حبال الماء

إنّ حركة الكاميرا في اللقطة العامة كبيرة وواسعة، من خلال استخدام العدسات الواسعة والعريضة، تمكننا من رصد وجه معبّر، يمكن لهذه اللقطة السينمائية أن تعبّر عن حركة مساوية أو أكبر من أشدّ الامتدادات سرعة في اللقطات البعيدة جداً، ويصفها تموز في أشهر صورة صغيرة ملونة “الطفلان، كانا قد خبآها في جيب سترته العسكرية، وصاح بصوت مخنوق: وهؤلاء ما ذنبهم؟ لا أعرف لم أخذت الصورة وتأملتها طويلاً.. صغيران بألوان حادة وفلتر قوي أوشك على جعل ملامح وجهيهما تختفي، أيحتضنان كتلتين ضخمتين بشعر كثيف، من المفترض أن تكونا لعبتين، ويبتسمان للكاميرا بعيون مدهوشة”.

ومن أنواع الحركة الدينامية المحملة بشحنة رمزية، يؤكد الناقد صلاح فضل أنّها ليست عناصر صورة راكدة جامدة، بل حاملة لمبدأ حركي، عن هذا يقول تموز: “هنا قلب الجحيم لا يمكن للمرء إلا أن يكون وحده، ووحده يلحق اللقطة السينمائية، تلك التي تطير فجأة ودون إنذار كسرب حمام مرعوب، وعليه أن يلتقطها وهي تهم بتحليقها بسرعة نمر يلحق طريدة، وإلا ذهب دون عودة. هنا لا مكان لبطء التصوير السينمائي، ولا مكان لترف التقنيات المدهشة، ولا لإبداع المخرجين الخارج من أي عقال، ذلك أنّ فداحة المشهد الحقيقي، فظاعة ما ينتجه البشر دون تحضير”.

إنّ واقعية الواقع الذي يتحرّك فيه تموز تفوق كل خيالات الخيال، وهذا الخيال منقول من عين كاميرا سينمائية ترصدها رواية، فالكاميرا تقود خيال الروائي.

الكاميرا خارج التصوير:

عن علاقة تموز بكاميراته أثناء الظروف الطبيعية في المناطق السورية، خصيصاً في زمن البرد والصقيع والثلج، إذ من الصعوبة العمل على الكاميرا في الطقس الشتوي “ولم أستطيع أن أقبض جيداً على جسد كاميرتي وأنا أنظفها، فقد كانت أصابعي حطبات متجمدة بعد ساعات في المشي في الزمهرير.. لذلك فقد قررت إعادتها إلى الحقيبة ريثما أدفئ يدي قليلاً، ووسدتها جدار البيت القريب من جلستنا.. رائحة الحطب المشتعل تدخل روحي، بل تقتحمها، لتجعلني أشعر بدوار لذيذ يذكرني برائحة الحطب المشتعل في مساءات قريتي الشتوية.. شممت عبير ثياب جدي”.

ويستشهد يوسف، رفيق تموز، في انفجار برميل، بينما يدخل تموز المستشفى، ويخبره أحد رفاق يوسف: “اعتقدناك استشهدت، الحمد الله ع سلامتك.. يوسف استشهد، الله يتقبله، راح بطل، ومبارح كانت جنازته مع عشرة شباب من عنا”.

بعد رحيل يوسف، يغادر تموز الأرض السورية إلى تركيا، ومنها نحو اليونان، إذ يقول: “في المساء أتانا الأمر بالتحرّك، ففي الصباح الباكر سننطلق من شواطئ مدينة “بودروم” القريبة. يسمح لنا بحقيبة واحدة فقط وسترة نجاة.

قمت وجهزت الهارد ديسك بإحكام بكيس من النايلون، ولففته حول خصري بشريطة قماشية أخذتها من القميص الأخير الذي كان بحوزتي، وضعت كذلك علبة الفيلم طوطمي وسترة النجاة الأرجوانية”.

وتضع الروائية حسن، نهاية للكاميرا وأغراض تموز إذ تقول: “حرس الشواطئ اليونانية منهمكون مشغولون بإنقاذ الناس، وأنا أتذكر أنني قتلت امرأة مع طفلها، ولم أستطيع فعل شيء لهما، بل إنّ حلاوة الروح جعلتني أقرب إلى وحش، فقدت حقيبتي بكاميرتي وطمطومي الأرجواني، فقدت إنسانيتي وبراءتي وغدوت قاتلاً “.

إنّ كاميرا شخصية تموز في رواية بين حبال الماء لروزا ياسين حسن، عملت على توثيق كل اللحظات الخاصة برؤيته، لصناعة فيلم توثيقي خاص في الثورة السورية. لكن فائض التصوير الذي وضعه مخزن على إحدى شبكات الإنترنت بمفتاح خاص به، لأنّه يعرف جيداً إمكانية فقدانه من خلال التخزين بالكاميرا أو على “هارد خارجي”، وهو ما فتح على مشروع فيلمه، خصيصاً عبر سيناريوهات الأفلام التسجيلية الموجودة في الرواية، ولم يكن لديه ترف التقنيات، لصعوبة اقتناص اللقطة في لحظة الضرب بالبراميل والمواجهة، فالتصوير والتوثيق هو المادة الخام لتحقيق فيلم تموز الذي حلم به طوال حياته، لتقديم لغة بصرية سينمائية خاصة به، احتفظ بأهم اللحظات الخاصة التي صورها في كل مشهد، و كل حركة، وكل حوار، وعندما لا يستطيع ضبط انفعالاته تنهمر دموعه، فالأنسنة جزء من شخصية تموز، إذ أصبحت الكاميرا جزء منه، وهذا ما حرصت روزا حسن على تظهيرها في جميع لحظات الرواية. 

ليفانت – بسام سفر  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

المصوّر وكاميراته في رواية بين حبال الماء للروائية روزا ياسين حسن

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب