إيران تمدّ أذرعها إلى جوار الولايات المتّحدة.. وتتحالف مع خصمها مادورو

إيران

في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لقصقصة أجنحة طهران، ومنعها من تمويل وتشكيل المليشيات المسلحة التي تعمل لصالحها في دول الشرق الأوسط، بدأت جمهورية الملالي بمدّ أذرعها الأخطبوطية نحو أمريكا الجنوبية، في سياق الحرب المعلنة مع واشنطن، خاصة أنّ من ترغب في إقامة التحالف معه، هو نيكولاس مادورو، الذي يستولي على السلطة في فنزويلا، التي ينازعه على حكمها رئيس البرلمان، خوان غوايدو، حيث تعيش البلاد انقساماً سياسياً كبيراً بسبب الصراع المتصاعد بين الجانبين، منذ يناير 2019. 

الالتفاف على العقوبات الأمريكية

ومنذ زمن، كان واضحاً أنّ لفنزويلا وإيران علاقات تجارية عبر بوابات مشبوهة لتبادل الصفقات التجارية، لكن عن طريق استخدام أساليب ملتوية بغية التهرّب من العقوبات المفروضة على النظامين في البلدين، ففي الرابع عشر من يونيو الماضي، احتُجز رجل أعمال كولومبي نتيجة اتهام السلطات الأميركية له، بإدارة شبكة غسل الأموال لنظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، حيث كان له دور الوسيط في صفقات النفط مقابل الذهب بين إيران وفنزويلا.

 

وتبعاً لوكالة “رويترز”، تم احتجاز أليكس صعب لدى توقف طائرته المسجلة في سان مارينو للتزود بالوقود في طريقها من كاراكاس إلى طهران، وذكرت نيكول نافاس أوكسمان، الناطقة باسم وزارة العدل الأميركية، أنّ صعب اعتقل بناءً على إشعار أحمر من الإنتربول، حيث واجه صعب اتهامات من الحكومة الأميركية بأنّه واجهة لشبكة واسعة من غسيل الأموال والفساد في فنزويلا، عبر شركات وهمية في تركيا وهونغ كونغ وبنما وكولومبيا والمكسيك، كما عاقبت وزارة الخزانة الأميركية صعب نتيجة إدارته شبكة فساد واسعة لبرنامج مساعدات غذائية ذهبت إلى جيوب نظام مادورو، الذي أدّى إلى الانهيار الاقتصادي للدولة الغنية بالنفط. 

بجانب كون صعب متورطاً في صفقات النفط الإيرانيّة لمساعدة مادورو بمبادلتها بالذهب، بغية تجاوز العقوبات الأميركية على البلدين، حيث بعثت إيران في مايو/ أيار الماضي، إلى فنزويلا العديد من ناقلات النفط التي تقول الحكومة الأميركية والمعارضة الفنزويلية إنّه تم شراؤها بالذهب وشركات وهمية يسيطر عليها صعب.

شحنات نفط مُضادة لعقوبات واشنطن

ويعاني البلدان اللذان يحاولان أن يشدّا من أزري بعضهما، من عقوبات أمريكية صارمة، ليطبق معها المثل الشعبي القائل إنّ “الغريق لا ينقذ غريقاً”، لكن يبدو أنّ الغريق بالمشاكل الاقتصادية في طهران يُحاول أن يكسب المال من الغريق في فنزويلا، رغم أنّه هو الآخر لا تقلّ مشكلاته الاقتصادية عن مشكلات طهران، نتيجة الفساد الذي سيطر على تلك البلاد، وفق تقارير صحفية، لتزيد العقوبة الامريكية الطين بلّة في البلدين، والتي كان آخرها، في بداية يوليو الماضي، عندما أصدر القضاء الأميركي أمراً بمصادرة حمولة من البنزين على متن أربع ناقلات نفط كانت تقوم إيران بشحنها إلى فنزويلا.

فقد تنامى نقص النفط في فنزويلا بشكل حاد بسبب العقوبات الأميركية، ودخلت البلاد بانهيار اقتصادي، ورغم ذلك الانهيار، ما يزال مادورو قابضاً على السلطة في بلاده، وكانت قد تفاخرت حكومة فنزويلا الاشتراكية بالناقلات الإيرانية، التي غادرت شواطئها، يونيو الماضي، لتظهر أنّها ما تزال غير خاضعة للضغوطات الأميركية، وفقاً لما نقله “راديو فردا”. 

أما طهران، فتفرض عليها واشنطن عقوبات لأسباب مرتبطة ببرنامجها النووي والصواريخ الباليستية، وتأثير الأخيرة في الشرق الأوسط، ويتّهم الأمريكيون فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني بأنّه قام منذ سبتمبر 2018، بنقل النفط من خلال شبكة شحن خاضعة للعقوبات، ينخرط فيها العشرات من مديري الشحن البحري والسفن والميسرين، وأنّ الأرباح من الشحنات تدعم “نطاقاً كاملاً من الأنشطة الشنيعة، بما في ذلك نشر أسلحة الدمار الشامل ووسائل توزيعها، ودعم الإرهاب، والعديد من انتهاكات حقوق الإنسان، في الداخل وفي الخارج”.

في حين تباهى مساعد رئيس الوزراء الفنزويلي، روبين دارياف مولينا، في الرابع من أغسطس الجاري، بالعلاقة مع طهران، وزعم أنّ ممارسات واشنطن العدائية لن توقف التعاون بين طهران وكاراكاس، وأردف: “ينبغي على هؤلاء أن يدركوا أنّ التصرفات العدائية والتهديد لن يجديا نفعاً”، لذلك “نحن سنواصل تعزيز اقتصادنا عبر تظافر الجهود والاستناد على طاقاتنا الذاتية”، وأشار إلى ما اعتبرها أحقية إيران وفنزويلا في الانتفاع من الملاحة البحرية الحرة وتبادل السلع بينهما، معتبراً قيام السفن الإيرانية بنقل البنزين إلى فنزويلا بأنّه كان إجراء قانونياً بامتياز ويسهم في تنمية الأواصر بين الجانبين.

من النفط إلى السلاح

وإلى جانب رغبة طهران في الاستفادة من فنزويلا بغية الحصول على الذهب منها مقابل النفط، يبدو أنّها تفكر بطرق أخرى لكسب الذهب، خاصة في حال رفع الحظر الدولي عنها فيما يخصّ التسليح، ما قد يمكّنها من بيع الأسلحة التي تقوم بتصنيعها إلى بعض الدول، كفنزويلا، حيث ذكر رئيس كولومبيا، إيفان دوكي، في الواحد والعشرين من أغسطس الجاري، أنّ حكومة الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، تنوي شراء صواريخ إيرانية، وهي تسلّم أسلحة مصنوعة في بيلاروس وروسيا إلى جماعات مسلحة كولومبية، مردفاً: “وردت معلومات من أجهزة مخابرات دولية تعمل معنا، تظهر أنّ دكتاتورية نيكولاس مادورو مهتمة بالحصول على بعض الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى من إيران”. 

وتابع بالقول: “المعلومات تقول إنّها (الصواريخ) لم تصل بعد، لكن جرت اتصالات بموجب تعليمات من وزير دفاع فنزويلا “فلاديمير بادرينو”، مكرراً اتهاماته لمادورو بحماية ودعم أعضاء سابقين في جماعة “القوات المسلحة الثورية الكولومبية” الذين لا يقبلون باتفاق السلام الذي جرى توقيعه في العام 2016، وكذلك “مسلحي جيش التحرير الوطني”.

 

ليُعقّب مادورو على تلك التصريحات عقب يومين، ويقول إنّ دراسة شراء صواريخ من إيران ستكون “فكرة جيدة”، متابعاً: “لم يخطر ببالي ولا ببالنا”، وأمر وزير الدفاع، فلاديمير بادرينو، بمتابعة المسألة، وأردف مادورو بالقول: “يا لها من فكرة جيدة يا بادرينو، أن نتحدّث إلى إيران لنرى ما لديها من صواريخ قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وإذا كان من الممكن (الشراء) في ضوء العلاقات العظيمة التي تربطنا بإيران”.

“علاقات عظيمة” وفق مادورو، وهي ربما كانت لتكون كذلك، لو أنّها مع دولة تحترم خصوصيات وشؤون باقي الدول، ولا تسعى للتدخل فيها وبثّ النعرات وتكوين المليشيات المسلحة ونشر الخراب، بيد أنّ تلك الإشادة من رئيس مستولٍ على السلطة في بلده ليست عجيبة، كونه وحكام إيران يجتمعون على ذات العقلية، التي تسمح لهم بتدمير بلادهم، اقتصادياً وسياسياً وحتى اجتماعياً، لقاء بقاء أنظمتها التي أكل عليها الدهر وشرب.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة