انها ارهاصات ثورة النساء..

ريما

 

وكأن النساء قررن دون مسبق اتفاق ان الوقت قد حان لإطلاق اصواتهن الرافضة لما تتعرضن لهم من انتهاكات تتجسد في العنف والتمييز الذي يمارسه المجتمع الشرقي ضد النساء بحماية القانون وسلطات الامر الواقع في كل مكان من شرقنا هذا.. صرخاتهن المحقة بوجه المتحرشين والمعنفين باتت معلنة وجريئة على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها هدير ثورة تنذر بالوقوع ونفض هذا العفن التاريخي عن جسد المجتمع المريض بالذكورية والظلم ضد النساء والشرائح الأضعف بالمجتمع وكل من يخالفون نهج القبيلة سواء كانت تلك القبيلة عائلة او طائفة او مجتمع ضيق او حي او منطقة ..

 

ومع ارتفاع اصواتنا المطالبة بالحقوق والكاشفة للانتهاكات ترتفع في المقابل أصوات الكثيرين للسخرية من تلك المطالبات ومن كل الحركة النسوية برمتها بحيث توصف وكأنها مجموعة من المجانين “كارهي الرجال”، بدلاً من ان يتوقفوا عند  ألم الضحايا  وينظروا عميقاً الى حجم ذلك الأذى الذي تسبب به كل من يحمل الفكر الذكوري الوصائي” نساء ورجال” في بيئة اجتماعية يولد فيها الذكر متمتعاً برفاهية كونه رجلاً ضمن مجتمع يدعمه ويدعم رغباته وتحكمه بكل النساء حوله: أم، واخت، وحبيبة، وزوجة، وابنة. حتى بنت العم وبنت الجيران..

  حيث يحق له كرجل في مجتمعاتنا المريضة ان يفعل كل شيء بما فيه التحكم بهن وبظروف حياتهن،  من أصغر الأشياء لأكبرها من تعليم وعمل وزواج وخروج من المنزل بل حتى اختيار الأصدقاء وماذا ترتدي الخ،  هم فعليا يتحكمون بشكل كامل بروحهن وجسدهن  ضمن تلك المنظومة الاجتماعية والقانونية  ، حيث يحق له كرجل ايضا الوصاية عليهن،  ومن اليسير عليه أيضاً تعنيفهن والتحرش بهن حتى في عرض الشارع،  وفي الغرف المغلقة،  وعلى وسائل التواصل الاجتماعي،  كما انه يستطيع اغتصابهن واتهامهن بالعهر بعد ذلك،  ليمضي بحياته بشكل طبيعي بعد ذلك كيف لا  “فالرجال عيبه على صباطه”  ، يحق له حين يكون زوجاً اخذ ما يشاء من زوجته ساعة يشاء سواء رغبت ام لم ترغب ، ويحق له قتلهن “بنات او زوجات او شقيقات” بذريعة الشرف حين يشك بخروجهن عن المسار المحدد لهن من رجال القبيلة،   وعلى الجانب المقابل تناضل المرأة طوال العمر لكي تحقق ذاتها، تتعلم ، تعمل ، تختار شريكها او تختار الانفصال عنه، تناضل لتتحكم بجسدها وبروحها دون ان تغتالها القبيلة، وحين يفيض بها الكيل وتقرر ان تصرخ تقابل بالسخرية والتحقير والاذى وبالفجور، كان من الاحرى بكم ان تراجعوا سيرتكم وتقفوا مع ذاتكم وتخلعوا عباءة التاريخ العفن وتتعمقوا في قيمتكم كبشر ان لم تحملوا داخلكم حس العدالة والإنسانية في تعاملكم ونظرتكم الى الاخرين وخاصة النساء..

 

 اما أسوأ أنواع الساخرين والمنتهكين للنساء فهم شريحتين احداها النساء ممن تحملن الفكر الذكوري وتستسيغ من خلاله اذلال الاخريات باختلاف مواقعهن، والرجال المحسوبين على الشريحة الواعية بالمجتمع أي من يعتبرون من النخب الثقافية والذين يتحرشون بالنساء ويعنفونهن او يدافعون عن المتحرشين والمعنفين، لأنهم وعن سبق الإصرار يمارسون بدم بارد اغراق المجتمع بغيه وظلامتيه بدلاً من ان يكونوا منابر للوعي ونموذجا يقتدى..

 

في هذا السياق يجب التنويه أيضاً أن ليس المقصود مما ورد شيطنة الرجل والباس المرأة ثوب الملائكة على الاطلاق، بل المقصود هو انتقاد منظومة اجتماعية ذكورية تستسيغ ظلم النساء والمختلفين عن السياق الاجتماعي المحدد سلفاً عبر تكريس ارث تاريخي مريض ينظر للنساء بدونية ويضعهن في مرتبة اقل من الرجل على الدوام، و لتلك المنظومة حوامل تاريخية وثقافية ودينية وسياسية وقانونية  تبرر العنف والقمع للحفاظ على القوة والسيطرة، والحق يقال هناك رجال يحملون “قلباً وقالباً” فكراً حراً مؤمناً بحقوق الانسان عموماً والنساء خصوصا وبعضهم جزء من الحركة النسوية أيضاً،  وعلى الطرف المقابل هناك نساء تحمل هذا الفكر القمعي و تنتهك بذاتها حقوق الاخرين والاخريات  بالسلوك والفعل أيضا،  اذا لا تعميم والمقصود نقد الفكر الذكوري بحوامله وممثليه في مجتمعاتنا..

 

كلي أمل أنها ارهاصات ثورة نسوية في مجتمعنا قد تؤدي بفعل تراكمي متواتر الى احداث التغيير المنشود كما حدث في كل العالم بتاريخ النضال النسوي، والمهم تكرار فضح ظواهر التحرش والاعتداء على حقوق النساء وابداء الدعم للضحايا والوقوف في وجه تلك الظواهر وهو ما سيؤدي مع الزمن الى احداث تغيير بالوعي الجمعي الذي اعتاد على تقبل تلك الظواهر والى احداث حالة من التوجس لدى المنتهكين من ردود الفعل.. إذا “مارح أسكت”!      

ريما فليحان