لا أنصح بها أحداً.. لكن بما يخصني لم يكن لدي حل آخر | The Levant

لا أنصح بها أحداً.. لكن بما يخصني لم يكن لدي حل آخر

عماد ايو
عماد ايو

“لم يعد الصراع قائماً بين الخير والشر بل بين الشرور الأكثر والأقل سوءاً”، بهذه العبارة لخص صاحب الكوميديا الإلهية، والإنتاج الغْزبر، “بلزاك” ذو العمر القصير، عصره في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وفي خافيته حرب المائة عام.  حل 

وبعدها حرب الثلاثين عاماً، التي مزقت أوربا وقيام الثورة الفرنسية وسقوط الباستيل، وهو لا يتعدّى عشرة أعوام، واستطراداً في وعيه المتبلور الضدي بذاته، كروائي مبدع يتلهف الجميع لمواكبة نتاجاته، وتسارع دور النشر للتعاقد معه، حتى قبل الشروع بكتابة العمل المزمع القيام به، وكشخص ميؤوس منه على المستوى التجاري، وخسْاراته الفادحة في كل ما قام به، بالإضافة إلى تعلقه الهوسي بالنساء الأرستقراطيات ذوات الألقاب، وتقليده البائس، وهو ابن البُرجوزاي النفعي، لأهواء النبلاء في بذْخهم وترفهم وسْخائهم، مع إنّه _ويا للمفارقة_ كان شخصاً بالغ الكرم بلا حدود، وفي عقده الخامس انتهى مقعداً مصاباً بالآلام المبرحة إلى أن لفظ أنفاسه مُنتقلاً إلى عالم أرحم بعد أن خُذل من الجميع. حل 

نابليون الأدب الفرنسي، أطلق هذا اللقب على بلزاك الكاتب “ستيفان تسفايغ” المعروف بكتابة سير المشاهير تحت عنوان “بناة العالم”، مثل تولستوي ودوستويفسكي وكلايست ونيتشه وديكنز وهولدرلبن، وكانت تسميتهم /بالبُناة/ ذات دلالة عميقة  في كون المبدع هو الأكثر استثماراً للحياة من أجل بناء عوالم نبيلة ومزدهرة خالية من العنف والعدوان والقبح بالتضاد مع الملوك والأباطرة والساسة، فضلاً عن رواياته، دون نسيان عمله الفذ “انتصار أراسموس ومأساته”. كما عمل لمدة ثلاثين عاماً على سيرة بلزاك، حيث يقول في تضاعيف سيرته، إنّه كان يعمل ثلاثة وأربعة عشر ساعة متواصلة كل يوم في الكتابة، ولأيام متلاحقة تصل حد الشهر والشهرين دون كلل.

كاتب السيرة تسفايغ إنساني النزعة، ونمساوي الموطن، يهودي الولادة بالصدفة، عاش أهوال الحرب العالمية الأولى، لم يقدر على المضي أبعد بعد أن انهارت أحلامه بالسلم العالمي، وتطلعاته بغد أفضل، إبان الجرائم الكبرى للحرب العالمية الثانية، وجموح النازية المُرعب مثل طاعون متفشٍّ، حيث استقبلته البرازيل بحفاوة، وذات مساء تناول هو وزوجته حفنة من الحبوب المنومة، وعندما فتح نادل المنزل غرفته وجدهما متعانقين، وبجوارهما جثة كلبه المحبوب في نوم أبدي، ووُجد بقربه مئة وتسعون رسالة وداعيّة لرفاقه، ومن ضمنها واحدة لزوجته الأولى، وأخرى للحكومة البرازيلية المضيافة، بالإضافة إلى رسالته الوداعيّة التي يقول فيها: حل 

“العالم الذي أحببناه ولّى إلى غير رجعة، وما يأتي منه ليس بوسعنا أن نتحمله، ما جدوى أن يواصل المرء حياة شاحبة”.

رغم مشاركة أرنست همنغواي، الروائي والقاص الأمريكي في الحربين العالمتين سيئتي الذكر، حيث عمل في الحرب الأولى سائق عربة إسعاف، وتعرّض لإصابات بالغة استدعت دخوله المستشفى. كما عمل كمراسل حربي، للتغطية في الحرب الأهلية الإسبانية، مما أدى لتجلي الحرب وعذاباتها في أعماله مثل “وداعاً أيها السلاح”، “لمن تقرع الأجراس”، وهو الذي قال من خلال حكمة الشيخ في رواية /الشيخ والبحر/: “إنّ الإنسان ينهزم لكنه لا يتحطم”، ومع ذلك انتحر بتصويب بندقية الصيد إلى رأسه في غرفة من غرف قصره في كوبا، مسدلاً ستارة الهزائم الأزلية، مع أنّه لا يخفى العامل الوراثي في انتحاره، حيث سبقه والده وأختاه وبعده حفيدته، وإدمانه على الكحول، لكن لا يمكن الانتقاص من شرور الحروب في قراره النهائي.

وها هو الشاعر والمسرحي فلاديمير مايكوفسكي، المؤيد والناطق المتحمس باسم الثورة البلشفية، في بداياتها، سيكون من ضحاياها البارزين، ربّما لأن روحه المرهفة لم تعد تتحمل استبداد ستالين المُصاب بداء العظمة، وإخفاق الثورة في تحقيق تطلعاته وطموحاته، يكتب الشاعر قبل أن يطلق الرصاص على نفسه الرسالة التالية:

 “إلى الجميع

لا تتهموا أحداً أنا أموت لا تتهموا أحداً

ودعكم من الأقاويل.. كان الميت يكره ذلك كثيراً

أماه.. أختي.. رفاقي..  ليست هذه وسيلة /لا أنصح بها أحداً/ 

لكن بما يخصني لم يكن لدي حل آخر.. ليلي: أحبيني”.

وفي فجر إسباني آخر اقتيد الشاعر لوركا من قبل قوات الطاغية فرانكو الملكية وأُعدم رمياً بالرصاص، تمّت تصفيته لتنامي أصداء شعره في المجتمع، تلك القصائد المُحتفية بالعدل، والمساواة، والحق في حياة كريمة.  حل 

في الحروب العبثية والمجنونة والقذارة لا يرمز للضحايا إلاّ بإحصاء مجرد وفج، دون أن يخطر للمؤرخين والمنظرين ولكهنة الحروب، ناهيك عن سماسرتها، التدقيق على حده بالتاريخ الشخصي للأفراد، بما تتضمنه حياتهم من أحلام ومشاريع وأهداف وأفراح لن تُعاش، مع أوجاع لصيقة لا تُطاق ورثتها لمن تركوها خلفهم على ضفاف الحياة.

في الثوارث والثوراث المضادة، حينما لا يعلو على صوت الشرور أي صوت آخر، تُرى كم لوركا ومايكوفسكي وتسفايغ، فضلاً عن أسماء أُخرى كثيرة، كانت لتكون أصواتاً وأعمالاً مضيئة ستسهم في بناء فراديس على الأرض، تتيح للأجيال القادمة التمتع بحكمتهم، والعمل الدوؤب على تجسيدها، لكنها غُيبت، كقْرابين عبثية ومجانية، ومعهم قوافل لانهائية من القتلى، كانوا ضحايا بريئة أعماهم بريق الأيديولوجيات، فذهبوا مُسرعين إلى موت مبكر دون أن يتمكنوا في صياغة حياتهم على مهلٍ كما يشاؤون، حصيلة لهذا النظام العالمي في المسلخ الكوني، حيث يقرع مهندسو الحروب وسادتها الأنخاب وهم يتفرجون على كل الانحرافات السادومازوشية الكامنة في نفوسهم، على العنف المُنفلت من عقاله بلذة مُبهمة تسري في أرواحهم الشيطانية.

ليفانت – عماد أيو ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

لا أنصح بها أحداً.. لكن بما يخصني لم يكن لدي حل آخر

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب