في اليوم العالمي للإتجار بالبشر.. الجانب الأكثر ظلماً من الحرب السورية | The Levant

في اليوم العالمي للإتجار بالبشر.. الجانب الأكثر ظلماً من الحرب السورية

صفوان داؤد
صفوان داؤد

مع تعمق الأزمات المتلاحقة وتردّي الأوضاع الاقتصادية وزيادة نفوذ الميليشيات العسكرية الموازية للدولة، وانهيار أو ضعف مؤسساتها، سيطر الفقر على شرائح واسعة من الشعب السوري، وانعكس ذلك على ارتفاع نشاط الأعمال غير الشرعية. ولا نبالغ القول إنّ أخطرها وأكثرها بشاعة ولا إنسانية، هي التجارة بأعضاء البشر، وبعد أن سجلت سوريا المرتبة الثالثة عالمياً بخلوّها من جرائم الإتجار بالبشر، قبل اندلاع الحرب السورية عام 2011، أصبحت بعد عشر سنوات منها في المراكز الأخيرة، وصُنّفت عام 2019، بحسب تقرير للأمم المتحدة ضمن البلدان التي لا تبذل جهوداً، ولا تلتزم حكوماتها بالمعايير الدنيا من قانون حماية ضحايا الإتجار بالبشر (TVPA). اليوم العالمي

ولاتنحصر التجارة بالأعضاء على مناطق محددة في سوريا، فقد وثّقت في مناطق سيطرة النظام والمعارضة على حد سواء، وتورطت فيها شخصيات موالية للنظام السوري، وأخرى موالية للمعارضة، إذن لاتتعلق الجعرافيا بهذه التجارة، وإنما بغياب الرادع الأخلاقي وانتشار العوز والفقر ضمن فئات واسعة من الشعب السوري، كانت قد سببتها السياسات الفاشلة وغياب العدالة وسوء استخدام السلطة وانتشار الفساد واقتصاد الظل خلال حكم البعث منذ عقود.

وتشير تقارير للأمم المتحدة إلى ارتفاع نسبة الفقر في سوريا من 64,8% عام 2013، إلى 85% نهاية عام 2019، وذكرت تقارير للأونروا أنّ أخطر نتائج هذا العوز هو “ظهور العصابات المجرمة العابرة للحدود إلى حيّز الوجود، المنخرطة بالإتجار بالبشر”. وكان من اللافت ماذكره رئيس قسم الطب الشرعي في جامعة دمشق، في خضم الحرب السورية عن توثيق أكثر من 18 ألف حالة إتجار بالأعضاء البشرية في سوريا عام 2014، مشيراً إلى أنّ نسبة الضحايا من النساء، بلغت 60 في المئة من إجمالي الحالات التي تم ضبطها. وكانت قد أعلنت وزارة الداخلية السورية مراتٍ عدة عن ضبط «إدارة مكافحة الإتجار بالأشخاص» حالات تجارة بالكلى على الصعيد الداخلي، كذلك تجارة بالأعضاء بين سوريا ودول الجوار. وعلى خلفية قضية هزّت الرأي العام، اعترفت الحكومة السورية بهذه التجارة، وأعلن نقيب الأطباء في حكومة النظام عن فصل النقابة “ثلاثة أطباء كانوا يتعاملون مع أطباء يحملون الجنسية اللبنانية بغرض بيع الأطفال الحديثي الولادة”. يُذكر أنّ التجارة بالأعضاء كانت رائجة خلال الحرب الأهلية في لبنان المجاورة، وصُنّفت خلال ثمانينات القرن الماضي، بأنّها المافيا الرابعة عالمياً في هذا النشاط، بحسب تقرير للصحفية كريستين أبي عازار. اليوم العالمي

ويعلّم الجميع وحشية وفساد السجون السورية في المناطق الخاضعة للنظام السوري، لكن هناك القليل من المعطيات والمعلومات المتوفرة عن ممارسات أطباء تلك السجون، ولاتوجد أي وثائق عن انخراطهم قي تجارة الأعضاء، لكن هناك دلائل وشهادات مؤكدة عن أعمالهم غير الأخلاقية، مثل المشارك أو التوقيع على شهادات وفاة مزورة لمن قضوا تحت التعذيب. منها ما أثارته قضية اعتقال طبيب سوري مقيم في مدينة هيسن الألمانية، 22 الشهر الفائت بتهمة “جرائم ضد الإنسانية” و”التعذيب” عندما كان يعمل في أحد سجون المخابرات العسكرية التابعة للنظام، اعترافاً قد يلقي الضوء على دور الأطباء داخل عالم السجون المظلم في سوريا.

ولاتختلف كثيراً المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، عن تلك التي خارج سيطرته في اتساع وتمنهج نشاطات مافيات الإتجار بالبشر، وذكر فاضل الغراوي، عضو مفوضية حقوق الإنسان في الشمال السوري، لوسائل إعلامية عن وجود مافيات منظمة، من ضمن أفرادها أطباء مختصّين، تقوم باختطاف أطفال سوريين، وسرقة أعضائهم لتبيعها في السوق السوداء خارج سوريا. وقال إنّ أكثر عمليات السرقة انتشاراً هي سرقة قرنية العين، مشيراً إلى وجود “آلاف الحالات، لا سيما في بعض المناطق الحدودية وفي مراكز اللجوء”. وكان قد كشف موقع صحيفة “ريشون” الإسرائيلي اعتقال الشرطة التركية لشخص إسرائيلي، يدعى بوريس ولفمان، بتهمة التجارة بالأعضاء البشرية، من لاجئين سوريين على الحدود السورية التركية، مقابل 10 آلاف يورو، وبيعها بسعر 70 إلى 100 ألف يورو. كما سبق للصحفي السويدي، دونالد بوستروم، أن نشر تقريراً أيضاً عن أشخاص إسرائيليين متهمين بهذه التجارة.

لكن الحقيقة في سوريا هي أكثر إيلاماً من قضية تاجر هنا، وطبيب خان قسمه هناك، وهو مادفع ربما بشكل موارب إلى محاولة كبرى وسائل الإعلام الغربية تبرئة ذمم الدول الكبرى عن هول ما يحصل في سوريا في هذا الشأن. إنّ المُلِّم بموضوع عالم الجريمة المنظمة العابرة للحدود، غير بعيد عن قناعة أن مثل تلك الجرائم تلامس أجهزة المخابرات الدولية. هذه المافيات تنحو إلى الاختصاص، فهناك مافيات للهجرة إلى أوروبا، وهناك مافيات لبيع القاصرين، ومافيات لتهريب الآثار، وهناك مافيات لتجارة المرتزقة المقاتلين، وهناك مافيا للإتجار بأعضاء البشر. لكن جميع هذه المافيات غير منعزلة تماماً عن أجهزة المخابرات. أكثرها وضوحاً على سبيل المثال، علاقة المخابرات التركية بمافيات الهجرة إلى أوروبا، وعلاقة المخابرات الإيرانية بمافيات تهريب الأسلحة إلى اليمن ولبنان وغزة.

لم يكن التحقيق الذي أنتجته قناة “سي بي أس” نيوز الأمريكية، في مايو من هذا العام، عن تجارة الأعضاء الرائجة في مخيمات اللجوء السورية في تركيا، سوى شكل من أشكال الاعتراف. وهذا التحقيق هو امتداد لتقرير نشرته «المونيتور»، ثم تقرير آخر في موقع «درييه» الفرنسي، قال فيه نقلاً عن أحد الضحايا: “كان الإرهابيون يقومون بإلقاء القنابل اليدوية وسط تجمعات المواطنين، وحالاً تصل سيارات الإسعاف التابعة للخوذ البيض، بشكل فوري، لالتقاط الجرحى عن الأرض، حتى أنا أيضاً وقعتُ إحدى المرات في فخهم، حيث أقلّوني بسيارة الإسعاف وخرجتُ بعد ذلك من المستشفى بكلية واحدة، بعد أن سرقوا الثانية مع أجزاء من الطحال”. وذكر موقع سبوتنيك الروسي عن ضلوع أفراد من منظمة «الخوذ البيض» في عمليات الإتجار بالبشر. وهي منظمة مدنية تطوعية تعمل في المناطق تحت سيطرة المعارضة في سوريا. اليوم العالمي

وهناك شكل آخر لهذه العمليات غير القانونية، عندما تقوم مافيات الهجرة على الحدود السورية التركية بطلب مبالغ من بضعة آلاف من الدولارات مقابل نقل اللاجئ الى أوربا، ومع عدم توفر هذا المبلغ عند العديد من طالبي اللجوء، ومع وجود نصّ صريح في القانون التركي يمنع الإتجار بالبشر، فإنّ عدداً من الأطباء الأتراك والسوريين يقومون باستئصال الأعضاء داخل المشافي الميدانية. والعمليات الشائعة، هي استئصال قرنية العين، الكلية، والكبد. وكانت لتبقى الأمور طي الكتمان لولا توالي صدور تقارير طبية من مشافٍ أوربيّة، وثّقت دخول لاجئين لديها بكلية واحدة أو كبد مُتهتك. وخوفاً من الرأي العام، وحيث إنّه لن تقبل أيّ دولة أوربية بأي شكل من الأشكال أن تُتهم بأنّها تستأصل أعضاء لاجئيها، بدأ الإفصاح عن تلك الحالات، ما دفع الحكومة التركية إلى إعلانها تشديد الرقابة على هذه التجارة، انطلاقاً من أراضيها لكن دون جدوى.

ويبقى مصير الجثث التي تم استئصال أعضائها مجهولاً، وهناك روايتان عن هذا الموضوع؛ بحسب رواية أهالي مخيمات اللجوء، أنّ الجثث تدفن بشكل سري ومباشر في أماكن غير معروفة، أما الرواية الثانية، بحسب جهات مقربة من النظام السوري، أنّ الجثث قد تم استثمارها إعلاميّاً، على سبيل المثال لاالحصر، ماحصل في مشفى منطقة الأتارب الذي وضعت به الجثث المستأصلة أعضاؤها، وتختفي آثار الجريمة معها بعد اتهام الطيران السوري والروسي بقصف المستشفى. مهما يكن لاتوجد تراجيديا سوداء بقدر ذلك، لكن هذه حقيقة، وهي أنّ الجثث بعد استئصال أعضائها تم إخفاؤها والسكوت عنها، وربما استثمارها في خداع الرأي العالمي. وإذا كان هذا الرأي واعياً لما يحصل عليه أن يطالب بالبحث ثم الكشف الطبي عن تلك الجثث وحقيقة ماجرى. اليوم العالمي

من الناحية القانونية تجرّم معظم قوانين العالم الإتجار بالبشر، وهناك استثناءات قليلة، كما في سنغافورة وإسرائيل التي تتيح الإتجار، لكن بشروط قاسية وشديدة الوضوح. والتزمت كافة دول العالم بالقوانين الدولية وبروتوكولات “باليرمو” الثلاث لعام 2000، التي تجرّم هذه التجارة، ومن بين الدول التي وقعت على هذه القوانين كل من سوريا ولبنان وتركيا، وينصّ القانون السوري على تجريم الإتجار بالأعضاء البشرية، وفق المرسوم 30 لعام 2003، بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لاتقل عن سبع سنوات، وفي عام 2010 تم تشديد العقوبة بالمرسوم 3 لعام 2010، تحت بند المادة الثامنة منه. لكن أيّاً من هذه القوانين لم تستطع الوصول إلى الرؤوس الكبيرة في النظام، والتي تتهمها جهات من المعارضة السورية بضلوعها في هذه التجارة.

في اليوم العالمي لمكافحة الإتجار بالبشر، والذي يصادف مروره هذا الشهر، يمكن لأيّ شخص يسير في شوارع دمشق أو حلب أو حتى في مدن الساحل السوري، أن يرى ملصقات إعلانيّة تعلن عن الحاجة لمتبرع كلية، مع رقم هاتف لشبكة محمول محلية، مذيل بأسفل الإعلان، ولاتخضع لأي رقابة أو متابعة. فهل هذا مؤشر عن ضلوع عصابات محلية في مناطق سيطرة النظام للإتجار بالبشر، أسوة بالعصابات الموجودة في المناطق خارج سيطرة النظام؟.

مهما يكن، الضحية واحدة، وهي المواطن السوري الذي وقع في العوز والفقر، الذي نشأ وانتشر نتيجة الخلل في البنية السياسية الحاكمة في دمشق، وفشل الخيارات التي تبنتها، وكان من نتيجته انتشار العوز والفقر والجهل، وهي العوامل الأساسية لانتشار الجريمة بكل أنواعها، بما فيها الإتجار بأعضاء البشر.

ليفانت – صفوان داؤد

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

في اليوم العالمي للإتجار بالبشر.. الجانب الأكثر ظلماً من الحرب السورية

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب