عن صور قيصر وليس عن القانون | The Levant

عن صور قيصر وليس عن القانون

ريما فليحان 
ريما فليحان 

لن أتحدّث عن قانون قيصر وآثاره أو الآراء المتناقضة، بين موافق ومعترض، وبين من يعتقد أنّه قد يكون المسمار الأخير في نعش النظام، وبين من يظنّ أنّه سيكون سبباً إضافيّاً في التضييق على المدنيين في سوريا، فقط، ما سأتحدث عنه هو الصور بحدّ ذاتها، والتي تشكّل وصمة عار على جبين النظام السوري، بل النظام العالمي، فكيف من الممكن أن نعيش في هذا العصر لنشهد مثل هذا الإجرام، وأن يتمكّن أي نظام في العالم من قتل وتعذيب كل هؤلاء البشر، بشكل لا يمكن تصوّره، على مدار نصف قرن، وآخرها ما قام به، في السنوات العشر الماضية، وإن كانت تلك الصور تذكّر، بشكل ما، بصور الضحايا، الذين قضوا في معتقلات النازيين في الحرب العالمية الثانية، وهو فعل أدانه العالم، واتّفق أن لا يتكرر عبر إنشاء هيئة الأمم المتحدة، من أجل الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وتكريس حقوق الإنسان. صور قيصر

صور قيصر تجعل هذا النظام متصدّراً، في هذا القرن، معظم دول العالم، بالإجرام وانتهاكات حقوق الإنسان، كما تصدّر الإحصاءات في الفساد، وفي إيصال شعبه إلى أكبر كارثة إنسانيّة في هذا العصر. هذه الصور، أيضاً، تجعل من اليسير للعالم المتذمر من فيضان اللاجئين السوريين، فهم سبب لجوؤهم، ويكفي أن تنظر لصورة واحدة، لتفهم أنّ هؤلاء الناس من المطلوبين للنظام، لا يمكن لهم بأيّ حال من الأحوال أن يبقوا في سوريا، لأنّهم لن يكونوا إلا صورة برقم في ملف قيصر، أو حتّى ما لم يوثّقه قيصر.

صور قيصر، أيضاً، كشفت عمق الاضطراب الأخلاقي لدى بعض الشخصيات، فكيف يمكن لإنسان، مهما كانت جنسيته وموقفه السياسي، أن يقول إنّ تسريب الصور هو المشكلة وهو الموقف اللاأخلاقي، دون أن يتطرّق أصلاً إلى لبّ المشكلة، في وجود هذا الكم من التعذيب والإجرام في سجون النظام، ومن يقول هذا عليه أن يتأمل كثيراً في مقولته تلك وأسبابها وأن يفكر فيما أصاب إنسانيته من عطب، مؤسف حقاً، كيف يمكن، أيضاً، للمعترضين على قانون قيصر، وبغض النظر عمن أصدره، ولماذا أصدره، أن لا تثير لديهم التسمية فضول الاطلاع على ملف قيصر، ولماذا صدر هذا القانون على الأقل؟ وسأقبل حينها منهم كإنسانة أولاً، وكمواطنة ثانياً، أن ينتقدوا أي سياسة بالعالم، بل أن يلعنوها بشرط، أن يدينوا الجريمة الأساس، وهي واقعة قضاء آلاف السوريين تحت التعذيب في سجون النظام، وانتهائهم بمقابر جماعية.

تخيلوا معي، أنّ أماً أو زوجة، أختاً أو أخاً، أو ابنة أو ابناً، ممن يعيشون يومياً حالة من القلق والهلع لمعرفة مصير أحبائهم المعتقلين، وهم يتصفحون آلاف الصور لأجساد ممزقه ووجوه باهتة، وقد علاها رقم، من أجل أن يعرفوا هل ما زال أحباؤهم أحياء أم لا؟، هم حتماً سيصابون بأزمة نفسية حادة مهما كانت نتيجة هذا البحث، سواء وجدوا صورة من يبحثون عنه أم لم يجدوها، لأنّهم سيرون بأمّ أعينهم حجم العذاب الذي تعرّض له هؤلاء الضحايا، حتى قضوا. بصراحة، لا يمكنني استيعاب ذلك، كما لا يمكنني أيضاً استيعاب فكرة أن يشتبه أحد ما غير ذوي العلاقة بالضحايا والمنظمات الحقوقية المختصة بصورة أحد الضحايا، بحيث يربطها باسم لمعتقل، وينشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، دون أدنى إدراك لما قد يسببه ذلك من هلع ورعب ومأساة لذوي الضحايا، وما قد يعنيه هذا من توقف البحث عنهم أو المطالبة بهم،

وهم قد يكونوا ما زالوا أحياء، وهو ما قد يضعهم في خطر مضاعف، وحدها المنظمات الحقوقية المختصّة وأهل الضحايا أصحاب الحق في نعيهم، وحينها فقط يمكن تداول الخبر المؤسف. يحتاج ذوو الضحايا للحداد بالطريقة التي يرغبون بها، ويحتاجون أيضا للمؤازرة النفسية والقانونية، ولا أعتقد أنّ تداول صورة ذويهم موتى، تتصل بأيّ من تلك المؤازرة المطلوبة، هل بتنا فعلاً جامدي العواطف إلى هذه الدرجة التي نقوم بها بنشر صور الضحايا المعذبين دون أن نرتجف؟، ألا يمكن، مثلاً، عند توثيق الخبر وتأكيد وفاة الضحية نشر الخبر مع صورة للضحية وهو حي؟

لهذه الصور أسماء، ولتلك الأسماء قصة ومسيرة حياة وعوائل ومحبين، ونشر صورهم موتى سيزيد ألم ذويهم عمقاً، أما إن كان نشر الصور من أجل نصرة قضية المعتقلين، فهناك أماكن مناسبة لذلك، الأمم المتحدة مثلاً، الفعاليات الحقوقية الخاصة بذلك الملف، أو أمام الحقوقيين أو المحققين الأمميين، أو الجهات المعنية، أو ضمن تقارير المنظمات الحقوقية، ولكن أن يتم تداولها ببساطة وبكثافة على مواقع التواصل الإلكتروني، أو أن تستخدم في مسلسلات النظام الدرامية، على أنّها ضحية لجريمة إتجار بالبشر بكل صفاقة، فهو أمر لا أستطيع أن أتقبله أو أن أفهمه.

أخيراً، ما قام به قيصر من تسريب للصور، هو كشف للجرائم التي ترتكب بالعتمة، والتي يجب أن تظهر إلى النور، حتماً، ولكن لهذا سياق قانوني وحقوقي صحيح، يجب اتباعه ومتابعته، حتى تتم محاسبة كل مجرمي الحرب من المسؤولين عن تعذيبهم وقتلهم، وهو ما قامت وتقوم به شخصيات حقوقية ونشطاء اليوم، وهو ملف لن يسقط بالتقادم، ولن يغلق، لأنّه يتعلق بجرائم حرب، وسيأتي اليوم الذي ستنشر به بدل صور الضحايا، صور مجرمي الحرب خلف القضبان، في محاكم القضاء العادل والنزيه، وصدّقوني إنّ غداً لناظره قريب.

ليفانت – ريما فليحان  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

عن صور قيصر وليس عن القانون

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب